الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

كيف عرف العرب المسرح ؟

Share

ان العرب لم يعرفوا المسرح بمفهومه الجديد حتى أواخر سنة 1847 - والجدير بالذكر أن المؤرخين لم يتفقوا على الاسباب التى من أجلها لم يظهر المسرح عند العرب -

ولقد كتب محمود تيمور فى هذا الصدد ما يلى : موضوع المسرح والعوامل التى منعت ظهوره بين العرب تحدث فيه من نقاد الادب فى الشرق والغرب كثيرون والتمسوا لذلك ضروبا من العلل والاسباب منها ما يتصل بالظروف والملابسات ومنها ما يتصل بالعقلية العربية وما لها من خصائص ولكنهم لم يتفقوا فيما بينهم على أسباب صحيحة وعلل ثابتة فكان اختلافهم فى ذلك مدعاة الى بقاء هذا الموضوع على بساط البحث يتجاذب المستطلعون أطرافه بين حين وحين ويقول فيه النقاد ما يكررون به آراء سابقة أو ما يطيب لهم أن يستخلصوه من جديد النظرات .

ومبدع فن المسرح باللسان العربى هو اللبنانى مارون النقاش الذى ولد فى مدينة صيدا فى 9 فيفرى 1817 ونشأ وتربى فى بيروت وتوفى فى طرسوس فى 1 جوان 1855 -

وكان النقاش محبا للسفر والسياحة فسافر سنة 1846 الى ايطاليا فاطلع على مسارحهم فأعجبته للغاية ولما عاد الى بيروت كون فرقة تمثيلية متركبة من بعض الشبان وفى أواخر سنة 1847 قدم فى بيته الى اقاربه وأصدقائه مسرحية موسيقية عنوانها " البخيل " وهى مقتبسة من بعض مسرحيات موليار ( 1 ) - ودعا اليها كامل قناصل البلدة وأكابرها . فأعجب هذا الفن

أهالى لبنان حتى شاع ذكر هذه المسرحية بكل البلاد العربية واندرجت فى الصحف والمحلات الاجنبية وفى سنة 1850 قدم فى بيته ايضا مسرحية " أبو الحسن المغفل أو هارون الرشيد "

ولاقى مارون النقاش تشجيعا كبيرا فحصل على فرمان عال بانشاء مسرح بجوار بيته قدم فيه مسرحيته " الحسود السليط " سنة 1853 وقد حضر الرحالة الانكليزى دافيد اركيوهارت عرض هذه المسرحية الاخيرة فكتب عنها ما يلى :

" 13 جانفى من كانون الثانى سنة 1850 : بعد انتهاء المجلس ذهبنا الى المسرح . ان الرواية التى افتتح بها أول مسرح عربى ، قد وضعها ابن احد اعضاء المجلس . وقامت بتمثيلها عائلته - وهى عديدة الافراد - فى بيتهم القائم فى الضواحى ، وهم موارنة ينتسبون الى مارون . فمن عجيب الاتفاق ان نجد اسم عائلة فرجيل فى هذه المحاولة لبعث الفن العربى . كان موضوع الرواية المعلن عنها " هارون الرشيد وجعفر " ، وقيل انها مكتوبة ببيان عربى رفيع ، تتخللها أشعار تنشد انشادا

امتطينا الخيول وسرنا تتقدمنا مشاعل السنديان المتوهجة ، واخترقنا زقاقا ضيقا ، وهبطنا درجا منحدرا ، ( يصعب على الخيل اجتيازه ) . وبلغنا بيتا تعمه الفوضى ، وهو يغص بجمع حاشد كانوا فى هرج ومرج . ولما ادخلنا الى قاعة الاستقبال ، وجدنا ثلاثة من العلماء الوقورين ، هم المفتيان والقاضى . وكانت الورود منشورة فى ارجاء القاعة ، والانوار تتوهج فى كل ناحية . فتوالت علينا عبارات الترحيب ، ثم اديرت اكواب القرفة الساخنة .

أما المسرح فقد أقيم أمام البيت . وكان على المثال الذى نحرص على تحقيقه فى قاعاتنا التمثيلية . باب فى الوسط تعلوه كوتان . وعلى جانب منه نافذتان وكانت الكواليس فى آخر الفناء . وبالقرب منها تقع الابواب الجانبية . أما المنصة فقد اقيمت فى الصدر . وجلس النظارة أمامها ، ونشرت فوق القاعة ظلل من اشرعة السفن

كان هؤلاء قد شاهدوا فى أروبه أن المسرح له أنوار أمامية ، وتقوم فى مقدمته ( كوشة ) للملقن ، فتوهموا أنها من لوازم المسرح الضرورية فألصقوها حيث لا حاجة اليها . وعلى ذلك وضعوا كراسى لجلوس الخليفة

ووزيره ، ومرايا كبيرة للسيدات ( متأثرين بما شاهدوه على المسارح الاروبية ) أما الازياء ، فقد كانت تبدو ، على الاقل ، مطابقة للتاريخ

أما أدوار النساء فقد قام بها شبان مرد نجحوا تماما فى تنكرهم . ولما لم يكن بين الممثلين نساء ، لم تقع عينى على امرأة بين الحضور ، ولا فى النوافذ المفتوحة المطلة على الحديقة

وضعوا لى ولأمين أفندى فوتيل فى الصدر ، ووضعوا مقعدا طويلا للقضاة الى الشمال أما سائر المدعوين من ذوى الشان ، فقد اجلسوهم الى اليمين وتركت فسحة واسعة لاعداد الشبك والنراجيل . وكنا بين الفصول نختلف الى الديوانخانة ، حيث تقدم لنا المرطبات . وبالرغم من أن الحفلة كانت طويلة جدا ، لم يغادرها احد من الحضور ، بل كنت ترى على وجوههم امارات البشاشة والمرح .

وكوفئ المؤلف والممثلون بالهتاف والتصفيق . وفى ختام الفصل نثر علينا ( جعفر ) قبضات من الدراهم امعانا فى تقمص دوره تقمصا صحيحا . وعلى الاثر أخذ الجمهور يرشق المسرح بوابل من الورود . وما كاد الستار يسدل حتى رفع ثانية ليحيى الممثلون النظارة ويشكروهم . لا لأن احدا من النظارة دعاهم الى ذلك .

ومثلت بين الفصلين الثانى والثالث هزلية قصيرة ، يدور موضوعها على زوج خانته زوجته ، وقد كان الموضوع خطيرا جدا ، وقد اقر بذلك المفتى السابق ، الذى تابع تطور الحوادث باهتمام زائد ، ولم يتورع عن أن يكشف لاحد الطرفين عن خطط الطرف الآخر . والحقيقة أنه زج بنفسه فى الحوادث وكأنه كان يقوم بدور الجوقة ( Chaeur ) راثيا أو محبذا . وقد تنبه الزوج أخيرا ، عندما رأى فى النافذة الجانبية ، السيدة وعشيقها . بينما كان المفتى من على كرسيه ، ينتقد بشدة اجرام الزوجة ، وبلاهة الزوج . وقد قابل الجمهور هذه الحملة بعاصفة من الضحك ، مما ساعد على نجاح هذه الهزلية نجاحا يعزى فى المقام الاول ، الى هذا الممثل الذى لم يدخله المؤلف فى مسرحيته

كان فى التمثيل بعض الارتباك . كما كان الغناء رديئا ، ولكن اخراج المسرحية ، من الناحية الفنية كان موفقا وقد دلت على مواهب كامنة عن المؤلف . كما برهنت على أن النفس العربية ، يمكن ايقاظها وتحريكها بسهولة

وعلمت أنه بدئ فى بناء قاعة للتمثيل ، وان عددا من المسرحيات قيد الاعداد : واخبرنى المؤلف أنه بعد ستارة سترسم عليها اطلال ( بعلبك ) لتكون شعارا لجوقته . فابديت دهشتى لاختيارهم شعارا لا يمت اليهم بصلة ، اذ انه اثر من آثار اليونان والرومان ، فى عصور الظلام فطلب منى أن اقترح شعارا ما فتساءلت : أليس عندكم شعار خاص بكم يتميز بجمال فريد . فاجابنى على الفور : بلى : الارز ( 2 ) . "

وبعد موت مارون النقاش حمل رسالته ونهض بالعب أخوه نقولا ثم ابن أخيه سليم خليل النقاش الذى ألف فرقة فى بيروت كانت أول فرقة وفدت على مصر من لبنان .

وهكذا انتشر المسرح شيئا فشيئا فى العالم العربى حتى بلغ فى بعض البلدان ( من بينها تونس ) مستوى رفيعا لا يقل فى شىء عن مستوى المسرح فى العالم .

اشترك في نشرتنا البريدية