يمتاز الادب الاندلسى عن غيره من الآداب بهذه الاصقاع المغربية بالروعة والسلاسة والرقة والغزارة وطلاوة الاسلوب وجودة المغنى لانه وليد عوامل اصيلة فعالة ونتاج اصول متدفقة فياضة لم ينضب لها معين الا بعد اصطلاح الخطوب عليها واحاطة النكبات بها من كل جانب ومكان . وهذه العوامل الآتى شرحها هى التى حافظت على الادب الاندلسى وهذبت حواشيه ووسعت دائرته وكونت له هواة يستهيمون به وغواة لا يبغون به بديلا وافاضت عليه حياته المرحة الوثابة اللطيفة التى لم تغادره الا عندما غلب الاندلسيون على امرهم وغمرهم السيل وعمهم الويل فاستلموا للعجمة مرغمين واستكانوا تحت سيف
السفاك الجلاد بعد طول نضال وكفاح وصراع مرير فقدت فى آخر ساعة معه اللغة وتبعها الادب ضرورة . وقد ترجع هذه العوامل التى كونت الادب الاندلسى وحافظت عليه الى ان العرب الاقحاح النازحين من المشرق الى المغرب فى موجات متعاقبة فى اوائل الفتح الاسلامى لشبه جزيرة الاندلس استوطنوا بالاندلس فى كثرة غامرة . ولدينا من اسماء قبائلهم وبطونهم وفصائلهم ما لا يزال شاهدا بصحة هذا الادعاء وقد تضمن هذا البحث النفيس كتاب جمهرة انساب العرب لابى محمد على بن سعيد بن حزم الاندلسى المتوفى سنة 456 ذلك الكتاب الذى حققه وعلق عليه " ليفى بروفنسال " استاذ اللغة والحضارة بالسربون : بحيث اجتمع بشبه الجزيرة الامهات من الاصل العربى :
من عدنانيين وقحطانيين . وقضاعيين وهم زبدة العرب ونخبتهم وخلاصتهم فلاغرو ان انبعث الادب العربى الاصيل من بين قومه وبناته كما ينبعث الادب العربى من عرب المهجر بامريكا بسائر خصائصه الادبية . وهذا العامل كاف وحده فى خلق الادب الاندلسى الاصيل بل وكفيل بقوته ومتانته واتساع مداه .
على ان هناك عاملا ابعد مدى واشد تاثيرا فى حيوية الادب الاندلسى وتركيزه وترسيخه ولا يقل فى قوته واثره عن العامل الاول الا وهو اسلوب التعليم المتبع ببلاد الاندلس فاليه يرجع الفضل فى جودة هذا الادب وبقائه بل هو العامل الوحيد الذى تمكن الاندلسيون به من المحافظة على الروح الادبية بعد
تفريطهم فى سائر العلوم العقلية والنقلية فيما بعد وقد يشرح هذا العامل فى وضوح عبد الرحمن بن خلدون فى مواضع متفرقة من مقدمته وقد جاء فى بعض هذه الشروح ما يلى :
واما اهل الاندلس فافادهم التفنن فى التعليم وكثرة رواية الشعر والترسل ومدارسة العربية من اول العمر حصول ملكة صاروا بها اعرف فى اللسان العربى وقصروا فى سائر العلوم لبعدهم عن مدارسة القرآن والحديث الذى هو اصل العلوم واساسها فكانوا لذلك اهل حظ وادب بارع او مقصر على حسب ما يكون التعليم الخ . ويصر ابن خلدون على هذا الادعاء من تفوق الاندلسيين فى الادب العربى على غيرهم من الامم المغربية ولا يفوته وهو الحريص على اثبات دعواه ان يوازن بين الاساليب التعليمية المتبعة بالاندلس وبالمغرب وبافريقية فيقول :
اهل صناعة العربية فى الأندلس ومعلموها اقرب الى تحصيل هذه الملكة وتعليمها من سواهم لقيامهم فيها على شواهد العرب وامثالهم والتفقه فى الكثير من التراكيب فى مجالس تعليمهم فيسبق الى المبتدئ كثير من الملكة اثناء التعليم فتنقطع النفس لها وتستعد الى تحصيلها وقبولها واما من سواهم من اهل المغرب وافريقية وغيرهم فاجروا صناعة العربية مجرى العلوم بحثا وقطعوا النظر عن التفقه فى كلام العرب الا ان اعربوا شاهدا او رجحوا مذهبا
من جهة الاقتضاء الذهنى لا من جهة محامل اللسان وتراكيبه واصبحت صناعة العربية كأنها من جملة قوانين المنطق العقلية او الجدل . . وبعدت عن مناحى اللسان وملكته وما ذلك الا لعدولهم عن البحث فى شواهد اللسان وتركيبه وتمييز اساليبه وغفلتهم عن المران فى ذلك للمتعلم فهو احسن ما تفيده الملكة فى اللسان وتلك القوانين انما هى وسائل للتعليم ولكنهم اجروها على غير ما قصد بها واصاروها علما بحتا وبعدوا عن ثمرتها الخ ١٠ ه
فانتم ترون ان ابن خلدون يعلل ارتقاء اساليب الادب واللغة وزخارتهما واستبحارهما بالاندلس بارتقاء اساليب التعليم والخطط التى كان المدرسون يثابرون عليها للوصول بتلاميذهم الى الغاية المطلوبة بينما يفهمنا فى غير مراوغة ولا مؤاربة بان التعليم والمعلمين بافريقية والمغرب قاصرون فى هذا الميدان ؟ ولا يسعنا الا ان نؤيده فى نظريته هذه التى برهن بها على ان الادب الاندلسى فى قوالبه وتراكيبه وصيغه مدين لاساليب التعليم هناك وان ناقشناه سالفا فى العبرة التى استخرجها من بحثه هذا ودلل بها على ان
افريقية لم تخلق من عباقرة الادباء الا النادر الذى لا يعتد به وعد من ذلك ابن رشيق وابن شرف . . لاغير . .
ولعل العامل الاقوى فى زخارة الادب العربى الاندلسى يبدو فى ذلك التنافس والتهافت على الادب فى عصور ملوك الطوائف الذين بزوا الملوك الاجواد المشهورين بتكريم الشعراء والتبارى فى ميادين الانتفاع من وراء انتاج مواهب الادباء . وقد حدثنا عرضا عن هذه الوضعية الجديدة والظاهرة البارزة انذاك اديب الاندلس ومؤرخ ادبها وادبائها ابن بسام صاحب الذخيرة عند ترجمته لابى الحسن على بن عبد الغنى الحصرى القيروانى المتوفى سنة 488 :
وكان الحصرى قد وفد على الاندلس على عهود ملوك الطوائف . قال ابن بسام عن الحصرى وعن الحالة الادبية بالاندلس انذاك ما يلى :
كان اى الحصرى بحر براعة ورأس صناعة وزعيم جماعة طرأ على الاندلس منتصف المائة الخامسة من الهجرة بعد خراب وطنه من (القيروان) (والادب يومئذ بافقنا نافق السوق معمور الطريق فتهادته (ملوك طوائفها) تهادى الرياض بالنسسيم وتنافسوا فيه تنافس الديار بالانس المقيم على انه كان فيما بلغنى ضيق العطن مشهور اللسن يتلفت الى الهجاء تلفت الظمئان ولكنه طوى على غره واحتمل بين زمانه وبعد قطره ولما خلع ملوك الطوائف بافقنا اشتملت عليه مدينة طنجة وقد ضاق ذرعه وتراجع طبعه الخ اه وهذه الوثيقة المذكورة انفا تثبت لنا بلا مراء ان الادب العربى بالاندلس كان على عهود ملوك الطوائف بالاندلس امرا ضروريا لحماية عروشهم المفلولة الموهومة فهو لسان دعاية وآلة اذاعة ووسيلة للتنويه بالمجد الباطل والدفاع عن المراكز المحطمة المنهارة وهو ما نفسر به زخارة الادب فى هذا العصر الذى هو عهد اختلال فادح وانحلال اجتماعى خطير وتفسخ خلقى غريب واستهداف للمصير المشوم المحتوم
ومن الطريف والغريب ان يتخطى هذا الادب الجزيرة الاندلسية الى تونس فى حلته الزاهية وسحره الفاتن وغصنه المياد فى الروض الخصيب ليحل بالبلد الجديب فيجد من ملوك بنى حفص الاولين وهم يؤسسون فى اوج كبريائهم وعزة سلطانهم ملكا ضخما بالشمال الافريقى ويتخذون تونس العاصمة - عطفا عليه ويحلونه المحل اللائق به ويغرون شعوبهم وشعراءهم وادباءهم بعلو مكانته ويحثون الادباء على المجاراة والمنافسة فيستنون فى تلكم الميادين ما بين مخطئ ومصيب . وبالرغم عن حيوية هذا الادب وزخارته وجلاله وجماله وتفوقه فى القرنين الخامس والسادس من الهجرة فقد غادرته شيئا فشيئا روح المرح والدعابة والسرور والمجون ولابسته روح الاحزان وغمرته الآلام وهيمن عليه
الاسى واستبد به القنوط وبعد ان كان طرافة فى اللذة والجمال ومرآة صافية تنعكس عليها اشعة الاحلام والآمال والطموح اصبح صدى للهزائم ومبعثا للمصائب ولسانا للاستنجاد والاستغاثة والصياح المفجع المخيف ومنهلا يتدفق بالنحيب والعويل والصراخ وصوتا فاجعا يختنق بالحسرات ويردد الذكريات ويهيب بالملوك والرؤساء الى استرداد ما فات
ويدور الفلك دورته فاذا بملوك الطوائف بالاندلس يشهرون السيوف التى صقلوها والآلات التى اعدوها لا آلات الحرب والطعان ولكنها اسلحة الادب والبيان . . وقديما قيل : السيف اصدق انباء من الكتب اذا صمم الخصوم على فصل القضايا بالعنف واصروا على الوحشية الحربية وتنكروا للعقل ولم يحكموه فى حقير الاشياء فضلا عن جليلها وساء حال اولئك المترفين من ملوك الطوائف الذين مرنوا على النفاق وتمرسوا به وانغمسوا فى ملاذ القصور وظنوا ان الصراخ بلسان الادب جنة يتقون بها الاخطار وحصنا يحمى عروشهم المتضعضعة من الانهيار فاخفقوا بعدولهم عن السنن السوى والسلوك المعقول . وعلى كل فقد ادى الادب والاديب رسالتهما وصورا الحالة على فظاعتها واستنزلوا عطف القساة واستدروا الحجارة الصلدة وها هو اديب لاندلسيين ابن الابار يقف بين يدى ابى زكرياء يحى الحفصى عاهل الحفصيين بتونس نيابة عن مخدومه ابن مردنيش صاحب بلنسية التى اشرفت على السقوط بيد الاسبان ولم يبق لها الا فترة من الزمن وتخر شهيدة مضرجة . ولم يسع الاديب البليغ ابن الابار فى موقفه الحاسم بين يدى ابى زكرياء الا ان يستصرخه ويسترحمه ويستغيثه ويهيب به الى تدارك المحتضر قبل ان يلفظ النفس الاخير وقد بكى امامه الاندلس وندب حظ سكانها وصور بادبه الفاتن الجذاب المؤثر حالة الاندلس تصويرا بعجز عنه ابدع فنان واروع رسام . . مستخدما فى تحريك العواطف والشعور اساليب تؤثر فى الجماد وتتعتع لها الرواسخ من الاطواد . . .
ادرك بخيلك خيل الله اندلسا ان السبيل الى منجاتها درسا
وهب لها من عزيز النصر ما التمست فلم يزل منك عز النصر ملتمسا
وحاش مما تعانيه حشاشتها فطالما ذاقت البلوى صباح مسا
يا للجزيرة اضحى اهلها جزرا للحادثات وامسى جدها تعسا
فى كل شارقة المام بارقة يعود مأتمها عند العدا عرسا
و كل غاربة اخجال شائبة تثنى الامان حذارا والسرور اسى
تقاسم الروح لا نالت مقاسمهم الا عقائلها المحجوبة الانسا
وفى بلنسية منها وقرطبة ما ينسف النفس او ما يترف النفسا
مدائن حلها الاشراك مبتسما جذلان وارتحل الايمان مبتئسا
وصيرتها العوادى العائثات بها يستوحش الطرف منها ضعف ما انسا
فمن دساكر كانت دونها حرسا ومن كنائس كانت قبلها كنسا
يا للمساجد عادت للعدا بيعا وللنداء غدا اثناءها جرسا
لهفى عليها الى استرجاع فائتها مدارسا للمثانى اصبحت درسا
الذكريات الفاجعة
واربعا نمنمت ايدى الربيع لها ما شئت من خلع موشية وكسا
كانت حدائق للاحداق مونقة فصوح النضر من ادواحها وعسا
وحال ما حولها من منظر عجب يستجلس الركب او يستركب الجلسا
سرعان ما عاث جيش الكفر واحربا عيث الدبى فى مغانيها التى كبسا
وابتز بزتها مما تحيفها تحيف الاسد الضارى لما افترسا
فاين عيش جنيناه بها خضرا ؟ واين عصر جليناه بها سلسا ؟
محا محاسنها طاغ اتيح لها ما نام عن هضمها حينا ولا نعسا
ورج ارجاءها لما احاط بها فغادر الشم من اعلامها خنسا
خلا له الجو فامتدت يداه الى ادراك ما لم تطا رجلاه مختلسا
واكثر الزعم بالتثليث منفردا ولو راى راية التوحيد ما نبسا ؟
النجدة
صل حبلها ايها المولى الرحيم فما ابقى المراس لها حبلا ولا مرسا
هذى رسائلها تدعوك من كثب وانت افضل مرجو لمن يئسا
يا ايها الملك المنصور انت لها علياء توسع اعداء الهدى تعسا
طهر بلادك منهم انهم نجس ولا طهارة مالم تغسل النجسا
واوطئ الفيلق الجرار ارضهم حتى يطاطئ راسا كل من راسا
وانصر عبيدا باقصى شرقها شرقت عيونهم ادمعا تهمى زكا وخسا
هم شيعة الامر وهى الدار قد نهكت داء متى لم تباشر حسمه انتكسا
فاملا هنيئا لك التاسد ساحتها جردا سلاهب او خطيه دعسا
واضرب لها موعدا بالفتح ترقبه لعل يوم الاعادى اتى وعسا
ومن هذا القبيل فى الاسى والالم والذكريات ما يقوله الكاتب الاندلسى البليغ ابو المطرف المخزومى دفين تونس : فى نثره البارع : وقد عاد الدين الى غربته وشرق الاسلام بكربته كان لم يسمع بنصر(ابن نصير) وطرق (طارق) بكل خير ونهشات (حنس) وكيف اعيت الرقى وادالت بليل السليم يوم الملتقى ولا بى المطرف الاندلسى المشار اليه ابداع فى النثر غريب ورسائله فى البكاء على الاندلس والحنين اليها تملا المجلدات الضخام وهو القائل فى احدى رسائله فكم كاس انس ارقناه ومنزل للروح فارقناه وهو القائل عن الاندلس
زدنا على النائين عن اوطانهم وان اشتركنا فى الصبابة والجوى
انا وجدناهم قد استسقوا لها من بعد ان شطت بهم عنها النوى
ويصدنا عن ذاك فى اوطاننا مع حبنا الشرك الذى فيها ثوى
حسناء طاعتها استقامت بعدنا لعدونا افيستقيم لها الهوى ؟
ولاخفاء بما حوته هاته الابيات من المعانى العذراء التى لم يقترعها خاطر شاعر فيما مضى .
وهكذا يهيم ادباء الاندلس فى اوائل الدولة الحفصية فى شعاب وآفاق بعيدة ويتوغلون فى احلامهم وامانيهم اعلى القنن فى كل مجال والشعراء قوم يلذ لهم الخيال وقد ذهب حازم القرطاجنى كل مذهب فى اقناع المستنصر بن ابى زكرياء يحى الحفصى المسمى بامير المؤمنين بتونس لاول مرة وقد مدحه بقصائد غرر جاء فى قصيد منها :
هو الناصر المنصور والملك الذى اعاد شباب الدهر من بعد ما اشمطا
اصاخت له الايام سمعا وطاعة واحكمت الدنيا له عهدها ربطا
فلا بد من ان يملك الارض كلها وان تملا الدنيا ايالته قسطا
و يغزو فى افاق اندلس العدا بجيش يخط الارض من قبله خطا
و يوقع فى الاعداء اعظم وقعه بها تملا الاسماع طير الملا لغطا
ويقول فى مقصورته الشهيرة متلهفا ومتحسرا وباكيا ومتألما (على الاندلس)
لهفى لذكرى معهد عهدته يراح للانس به ويغتدى
غص امتلاء بالرويم بعدما اقفز من ام الرويم وخلا
ومحقت (قرطبة) كمثل ما قد محق البدر السرار ومحا
وصار للوحشة كل منزل قد كان للانس( بحمص) يعترى
وفتنة عمياء سال سيلها ففض شمل المسلمين وعمى
اضحت لسان الحال تملى شجوها فى كل حفل وعلى كل ملا
فقد بكت انهارها بمدمع هام من الوجد لهام ما ارتوى
وكم بها من سلك نهر قد حوى كرسى ملك سمطه فيما حوى
قد ندبت امصاره انصاره اذ لا اذاة من عدو تشتكى
فيالها من درر تحزمت بالغر من در السلوك تفتدى
أضحت على ايدى العدا منثورة وارخص الاشراك فيها ماغلا
ولو سما خليفة الله لها لافتكها بالسيف منهم وافتدى
ففى ضمان سعده من فتحها دين باطراف العوالى يقتضى
فقد اشادت السن الحال به حى على استفتاحها حى على
