الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

كيمياء الفن

Share

تصف العين أنهم جد أحياء              لهم بينهم اشارة خرس

من الحسن ما هو ميسور مبذول شائع متداول وإن اختلف الناس وتفاوتوا فى الاحساس به وتذوقه واستيعابه .

هو هذا الحسن (( الفطرى )) البسيط ، المعهود المتعارف بل المجمع عليه إلى حد الاصطلاح والابتذال وحتى قد أصبح حقيقة بدهية ضربا من تحصيل الحاصل .

إنه حسن يبتدئ وينتهى عند سطح الأشياء . نعم ، يتذوق المرء الخطوط وينتشى بالألوان ولكن لا يعدوها ولا يتسامى عنها ، ولا يهدمها ثم فى لحظة يبنيها . خلقا ثانيا طرافة وإبداعا .

فالعشب هو العشب فى نضرته وزهوه . والسماء هى السماء لا غير فى تألقها وصحوها وصفائها . والماء لا يعدو أن يكون ماء على بشاشته وظرفه .

كذا كل شئ لازم حاله ، معتصم (( بهويته )) فى عالم كله نظام ودعة واستقرار .

هذا الحسن ، على لذاذته وخصبه وجوده ، إن هو للفنان إلا مادة أولى ، صورة خام ، جسر إلى لذائذ أرقى ، وصور وأخيلة أبهى وأغرب .

هنالك ، فى أعماق النفس ، تفقد الأشياء شخصيتها الأصلية وتتشوش خطوطها وترتبك ملامحها كأن قد اعترتها الفوضى وجنت جنونها ؛ وما هى إلا كلمحة الطرف وقد تبدلت وتصورت وعادت خلقا سويا بدهش له الفنان نفسه فتنة وعجبا .

إنها منطقة أخرى من النفس والشعور ، ودرجة من الذوق والخيال أسمى وأغنى تنعقد فيها كيمياء الفن و (( معادلات الجمال )) .

الفنان ، كغيره من الناس يبهجه (( الماء الجارى والخضرة والصوت الحسن )) ولكنه ، وهذه ميزته وفضيلته ، لا يلتذ الحسن فى ذاته صرفا بسيطا مجردا قدر

ما يستمتع به وعليه أثر من نفسه وفيه صبغة من إنسانيته وأصداء من تجاربه وأحداثه .

هذه اللذة المضاعفة المزدوجة هى حياة الحسن وروعته ، وجاذبيته وإغراؤه وهى سر تعلق الفنان وجنونه بفنه على الرغم من شدة العيش ومضض الحرمان .

إن للشعراء والفنانين حسا عجيبا يدرك عفوا ما بين الأشياء المتباعدة من قرابة واشجة ونسبة خفية ، حدسا نفاذا يتخلل ما فى الطبيعة من كثرة وشتات وفوضى ونشاز فاذا هى كالاسرة الكبيرة صفت وآئتلفت وإن تعدد أفرادها بلا حصر وتباينت طباعهم وتعارضت أهواؤم (1) .

نعم إنها كالاسرة الحية تزخر بملايين الوجوه الصديقة يلم بها الشاعر فيأنس بها فتشيع ذاته وتمتد ، وتتفرع وتتجاوب وقد أنشطت من عقالها وبعثت من وحدتها وغربتها بعثا .

وجوه . . . وجوه عديدة تلوح لك من خلال عتمة الذكرى ، رموز حية وإشارات فصيحة منها روعة الغروب فى أرضنا كأنه الحريق الهائل ضريت حمرته وهاجت واستطارت ثم تجمدت عالقة بالفضاء لحظة كأنها الأبد . . .

إنه الحسن القحام يسطو عليك سطوا يتحداك عربدة وجموحا حتى يكاد بصرخ حسك من فيضه وحدته حرجا وإرهاقا . . .

أشجار سرو هذه قائمة فى شفقه المتوهج الدامى أم مآذن رشيقة هيفاء تشارف الافق وتناجى السماء ؟

وتهدأ فى نفسك ثائرة الألوان وصدمتها الأولى فاذا أنت تتذوق الغروب على مهل تنفذ الى روحه وصميمه . فتجد فيه شيئا من جمال المرأة ، معانى شتى من أسرار الحب . رقة وجلال . بهجة وكآبة . كبرياء وأسى .

المرأة ! نعم . وهل يمكن أن نفرد الحسن ونعزله عنها أو نجرده منها تجريدا .

تفتح نافذتك صباحا تلوذ بالنور وقد ضقت بعتمة البيت ذرعا ، فتطالعك فى وضح الفجر شجيرة لوز مزهرة فى كسائها الأنيق ترف بياضا فئتمثل لك - فى مدى اللحظة - كاعبا هلت أنوثتها وأطلت فى حياء وتردد ، إيماء وتلويحا ٠٠٠

وهذه الوردة الغضة المبللة بالندى ترمقها منذ حين وتنعم النظر اليها ألم ترها ، لمحة الطرف ، ( أم لعلك واهم أو موسوس ) حسناء خارجة من البحر يقطر جسمها ويتصبب ماء لؤلؤا ؟!

إنها (( خدعة الفن )) وليست مقصورة على العين دون سائر الحواس فللسمع منها وللشم أيضا نصيب .

إن أيسر نفحة من العطر قد تبعث فى النفس إحساسا شعريا ، نشوة بالغة غنية بالايحاء يتجاوب الحس فيها والخيال ويعتنقان .

يتفق لك أن تدخل فى يوم ربيع بستانا من شجر البرتقال فتدهمك رائحة الزهر ذكية نفاذة وينفحك فى الوقت نفسه مطر خفيف مفاجئ فاذا أنت تحس حساسا عجبا إذ تتلقى بوجهك رذاذا من عطر البرتقال تنضحك السماء به نضحا .

(( عين شاعرة )) (( اذن موسيقية )) (( ذكاء الحواس )) . . .

هناك مجازات هى فى صميمها حقائق لا ريب فيها فمن المستحيل ( ومن الظلم والسخف أيضا ) أن تحدد أو تحصر مركز الشاعرية وعبقرية الفن عامة لأن للحواس فضلا وأى فضل فى تحويل الواقع وإعادة صنعه والتسامى به .

لكأن قلب الفنان وراء حسه قصرت المسافة بينهما حتى لتبطل أحيانا وتنعدم . كتلة واحدة بعضها صدى لبعض ، يتغذى كلاهما من الآخر ويستمد . لحظات إشراق تخطف النفس خطفا . قمم تعرج الروح إليها لماما فاذا (( الأذن تنطق والفم يستمع والذهن يخلق ويحلم في يقظته ، والحلم يبصر بصرا جليا ٠٠٠ (2)

اشترك في نشرتنا البريدية