الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

لأجل أن نبني

Share

كان يبدو فى حاجة إلي وكانت حاجتى اليه أكبر . . ولم أكن أبالى بأن أرافقه فى نزهة . .  فقد كنت انتظر دوما ان نكون معا . . وكنت أجد نفسى سعيدة وأنا أتحدث اليه واستمع الى ما يقوله . .

تصرخ بى احدى صديقاتى : - ما بك ؟ - انه الحلم . . اشواك الحلم تخزنى . . تدمى جسدى .. وتصحو أمى فى ساعة متأخرة من الليل لتقول لى : - أى زمن هذا الذى تتحدثين عنه . . . أبك مرض ؟

تحمل أمى لى الماء  . . . تسقينى تعيد إلى هدوئى . .  ثم تلقى على بالغطاء وتعود الى فراشها لتنام . . بعد أيام أعلنت احتجاجى . . أعلنت رفضى . .

يوم ثرت ورفضت أن أراه مرة ثانية كان قد قرر أمرا . . حين أصبحت خارج قدراته زاد انكماشى . . لم تعد الالوان تعنى شيئا بالنسبة لى . . تمشيت فى الممر الطويل أفكر . . كان وجهى يتقاطر تعبا لما نظرت الى ساعتى . . نصف ساعة متبقية على انتهاء وقت العمل . .

عدت الى مكتب كانت صورته مهيمنة على كل ذرة من احساسي . . يبدو أنها قد رافقت حياتى لحظة فلحظة . . وادمنت الحزن . . عاودني الاحساس بالاغتراب وبأننى لم أعد أجد نفسى . . وكان على ان انتظر . . لم أكن أطلب

الكثير مثلما يفعل هو . . بل اننى كنت اطلب لحظة تشعرنى بالامن . . تعيد إلى يقينى بأن ما أفعله طبيعى لا يقبل الجدال وكان قد قرر إهانتى . . كان قد ققرر أن يهزمنى . .كل شئ هنا قابل للنقاش . . حتى اليوم الذى طلبته فيه كان قابلا للنقاش . . وسمعت صوته . . كان يتكلم بهدوء ولكننى احسست بطعم المرارة فى صوته . . قلت له كلاما لا أذكره  . . حدثته عن أشياء لا تهمه . . وكان يستمع إلى ولا يقول شيئا . . ان له قدرة على الملاحظة وعلى الاستنتاج . . لا شك انه فهم ما أريد . . فهم ان مكالمتى له ليست عادية . . وأراد أن يجعلها جسرا لموعد ما . . قال : (( أراك غدا . . )) .

وأنا أتعرف اليه وأسعى الى مرافقته فى مناسبات عديدة لم أفكر فى مستقبل هذا الارتباط . . وكنت فى سن تسمح لى بأن اتخذ قراراتى بنفسى . . و كان الذى شدنى اليه أقوى من ان يقاوم ورأيت فى عينيه قرارا وتصميما . .

تغير طعم الاشياء لدى واكتسبت الدنيا لونا جديدا أجمل من الخيال . . وعدت ألتقي به فى المكتبة وفى الاماكن العامة . .

لم يتعد الامر بيننا تلك المتعة الفكرية المشحونة بالانتظار . . انتظار أن نكون معا . .

نهار آخر يبدأ . . علامة استفهام كبير ترسم فجأة . . أنا هكذا . . علامات الاستفهام كثيرة حولى . . كان يوما يختلف عن الايام الاخرى . . وكان له عطره المميز وكان يوم اربعاء . . أحببت هذا اليوم كما لم أحب شيئا قبله . . كان طوفانا من الفرح المبهم وكان يوما دافئا تزورنى فيه الحياة . .

اليوم رأيتها تجلس الى جانبه . . جميلة وأنيقة . . وكانت تلبس بمعصميها اسورة ذهبية وترتدى معطفا من الفرو البنى . . وخلفهما أطفال . . كان أبا لخمسة أطفال . . كنت فى العشرين من عمرى اذ ذاك وكنت اعلم ان علاقتى به مؤقتة ولبس لها مستقبل . . وكنت أستاء لمنظر الخاتم وهو يلتف حول اصبعه . . اسم امرأة يلاحقه اينما حللنا ويجعلني أتنفس بصعوبة . . ومع ذلك فلم أكن أبالى . . . وكنت سعيدة بوجودنا معا . .

لم أدر من هذا الذى أزاحنى عنه فى هذا اليوم وبمثل هذه القوة . . لقد تولد فى نفسى شعور غامض . . لقد خيل لى وكأننى ألف شيئا . . أعاف

شيئا . . شعرت - يوم رأيته معها - اننى مكلفة فعلا بدفعه عن أفكارى . . كان شوقى اليه بلا هوية وبلا عنوان . .  وكنت أريد أن احافظ عليه وهو يحمل لونه ذاك . . ولكن الامر لم يكن سهلا كما كنت أحسب . . فهو يتطلب قوة وصبرا واحتمالا . .

لأول مرة أحس بأن كبريائى لا تسمح لى بأن أكون شيئا ثانويا فى حياته . . وكان لا مفر لى . . من أحد أمرين :

اما ان اتركه لزوجته واطفاله وافقده بدورى واما ان اقتحم حياته اقتحاما فأعيش ظلا لامرأة اخرى قد تقرر مصيرها بانتمائها اليه كزوجة . . حاولت ان اتخيل حياتى وقد خلت منه . . كان زمنا للتشاور وكان قرارى صارما . . أردت أن أجرد هذا اليوم من زينته . . أردت أن أجعل منه يوما بلا طعم . . وبلا رائحة  . .كبقية ايام الاسبوع . . ودخلت أيام الامتحان . . كانت عسيرة . . قاسية  . .كأيام الشتاء . . كان يأتى ويذهب مثلا بصمته وبما يحول فى خاطره . . وكنت أحمل له فى كل لقاء علامات استفهام جديدة وتساؤلا غامضا لا يقدر على فهمه . .

لاول مرة أرى نفسى رافضة للتفكير ولان ترتب كل هذه الصراعات التى تحتمل داخلها : لاول مرة أهرب من مواجهة موقعى وأحاول أن أعثر على شرعية لتصرفاتى . لاول مرة أراه فيها فأصمت ويرانى فيها فيتضايق من كل هذا الصمت . .

لأول مرة أحس وأنا اقف الى جانبه بضيق انفاسى . . ادركت سريعا ان الموقع يطل على وهاد لا قرار لها . . وان المرتفع كان فى علو جبل . . وأدركت وعورة الطريق . . ظالمت أرقب البحر وهو يرقد فى تلك الوهاد وفى قرارة نفسى خوف . . فأنا لا أعرف حقيقة ما وراء هذا المرتفع . . كنا على وشك السقوط لما صرخت صرخة الموت . . وكان الرعب قد جمده فى مكانه . .

أوى إلي وكأنه طفل يأوى الى حضن امه قال : (( بي جوع اليك يزين لي الموت )) .

كنت أرتعد من الخوف وكانت علامات التحدى فوق وجه رفيقي تتضاءل شيئا فشيئا وفجأة . . دار المحرك وتلوى بنا الطريق كحبة رقطاء تهدك

بسمها فى كل خطوة تخطوها . . لم أنبس بكلمة طوال الطريق ولم يقل شيئا . . بل بدا ساكنا . . وقورا . . كانه شاخ وزهد فى كل شىء له صلة بالحياة  . . او كانه قد استغرق فى لحظة تأمل أراد بها ان يستشف ما بداخلى . .

كنت لا أزال فى نفس الحالة . . حالة الغثيان - وآلنى ترددى وكان علي أن أستجمع كل قوتى لكى أضع حدا لهذه الحالة . . حالة الغثيان .

ولم يحتج الامر وقتا طويلا لكى أقرر . . وكان قرارى فى هذه المرة واضحا . . لا لبس فيه . . أحسست للحظات ان الحياة قد توقفت حولى وانها لم تعد تعنى شيئا ذا قيمة بالنسبة لى ، وربما لازمنى هذا الشعور مدة ليست بالقصيرة . . ولكن عبئا ثقيلا انزاح عن كاهلى . .

لا أزال بين الحين والحين أذكر هذه المحادثة فاشعر بالارتياح - كنت فى العشرين حينذاك وكان فى امكانى ان اقلب حياة رفيقى قلبا - ولكننى لا اعتقد انه يمكن لى ان اشعر فى هذا اليوم بالسعادة التى احس بها فى الوقت الحاضر - هو أيضا يقول ذلك - يقول : اننى قد قمت له عملا عظيما لا يمكن له ان ينساه - لقد ساعدته على ان يحافظ على كيان من ان يتلاشى ويضيع - وكان ذلك على حساب صحتى وعواطفى . .

أحيانا يكون الثمن الذى ندفعه باهضا لاجل ان نبنى ولاجل ان نحتفظ شئ من كرامتنا . . نفعل ذلك دون ان يهتم بنا الآخرون - ربما مروا بنا فلا يعيروننا اهتماما - وربما انزعجوا منا - من منظرنا الكئيب ومن تمسكنا المضحك بخرافة القيم والاخلاق كما يقولون - ربما قالوا : إننا لا نزال لا نفهم من الحياة شيئا ، انهم كثيرا ما يخطئون . . يكفى ان تكون عن أنفسنا راضين . فى هذه الحال يكون بامكاننا ان نسخر من الجميع والا نبالى .

اشترك في نشرتنا البريدية