"إن الخذروف فى دورانه المجنون يبدو ساكنا . . والربح المولولة حينما يألفها السمع تبدو صامتة وقمة المأساة تضحك والفرح العارم يبكينى ....."
إن لفح الشمس يجرحنى ... وخيال الغيم يلف أعصابي فيعصرها فأكاد أسقط على وجهى أتهدم ... تطير الشظايا منى فأحاول جمعها ... أقبض على اللا شئ .... في عوائها تبعث فى فكرة الفناء .... لكنني أمسح الشوارع بنعلي ... أجمع فيهما بقايا السجائر والغبار والبصاق.. تهز الريح الشبح مني فالتف فى معطفى المهترئ وأتسكع ... تعلمت لعبة جديدة... لعبة التسكع فى وقت يحشر فيه الناس هاماتهم فى الكتب المسودة ويحاولون الخلق أو الابداع أو الاغفاء ...
ويتزاحم الناس في الحافلات المعربدة . يتدافعون بالمناكب يشتمون رائحة العرق والدخان والرطوبة المميتة لكنهم يودون الوصول قبل الوقت ساعة ليندفعوا كالمجانين بين الاسلاك والاوراق . والخبز والعلب المصبرة ... تعلمت أنا أن أبصرهم جميعا فى تهافتهم وأن أكون فى نظر الكل سلبيه . ... لكنها لعبة جميلة لو تعلمتموها لما رستموها بشوق جذاب .... منذ وقت طويل مجرت الكتب ، عشرون عاما قضيتها أمضغ الحروف مضغا متواليا ، اقرأ عن الانس والحن عن عقد زبيدة وسيف هارون الرشيد وحذاء المأمون ورضاب خولة . عن عالم فى الوراء اضمحل وتوارى وعن عالم فيه نعيش وعالم سيبعث يوما ما . اسمتعت بآهات أقلام عديدة ، ببكاء أناس زهدوا فى الحياة محوها أو مجتهم فأفنوا بصرهم وأحنوا ظهورهم يخطون ... ونحن نقرأ باستمتاع ، " نتمنى لغتنا " ، و تمررن على سلس الاسلوب" و " رقه
العبارة " . . لنحسن السفسطة والكلام ونقضى الوقت ... والوقت يطأ الاعناق منا فيصرعنا فنحاول أن نلملم شظايا وجداننا دون أن نعلم ...
قضيت الليل الطويل أجلد النوم وأصارع جفني صراعا ميرا لاقرأ صفحة أو أكثر ، مفادها أن الارض تدور وأن فى اليوم أربعا وعشرين ساعة وأنا أقضى آلاف الساعات فى القاعات الفسيحة المكتظة بالاوراق المسعورة والالم الممض يسرى فى عمودى الفقرى وفى ناظرى فأتثاءب ، وأبتسم " للغنم " الذى حصل لي وانغمس مرة أخرى الى أجل غير محدود ...
اليوم علمت " ومن ظن أنه قد علم فقد جهل"... أصبحت أعلم أن الارض كروية الشكل تدور .. وفى العالم أجناس عديدة ... يشقى البعض ويصعد البعض على أعناق البعض ليسعد البعض ، وعلمت أن الناس خلقوا على أدراج مختلفة فرش الدرج الاول خزا .. والآخر لا فرش عليه ... لان نعمة الحياة هذه ولان توازن الكون لا يكون الا بالمتناقضات ... علمت أن النفس عالم واسع نضيع فى متاهاته والقلوب اذا كلت عميت فيجب الترويح عنها ، لكنهم علمونا ايضا ان لا تؤجل عمل اليوم الى الغد ولو عمى البصر منى وجف الفريق ولم ببق للعرق نبض . ... لاننا ان طالبنا بالحقوق فيجب أن نؤدى الواجب على أحسن وجه شكرا لكم جميعا وشكرا للمعلم الذى كاد أن يكون رسولا .. ( فأنا اليوم أحسن القراءة لكننى منذ زمان لم أعد أحسن الاستماع لانني أصبت بالتقزز ومرض الصراحة ... أصرح بأنني اختنقت من كلامكم جميعا... وصار الحديث زعافا وكل ناظرى وأروم اليوم أن أدور كالدوامة في كل شار وأنظر للخلق فلتحكموا على بالسلبية ...
شكرا لكم وشكرا للاستاذ الذى كاد أن يكون الاها فلقد علمني اننى اذا تكلمت فالوقوف على واجب وان أقول لانت أنتم ... وأن كان فعل ماض ناقص ولا يمكن أن يكون وأن ضرب وقتل وجرح على وزن فعل وكافح على وزن فاعل مسطول على وزن مفعول ... واذا أخطأنا فخمسة أعداد تنقص من معدلاتنا... درجات مجردة تسند الينا ... نخاف منها ونسعد . .. ونرتعش من نقصانها وتطير قلوبنا من الفرح ان زادوا لنا فيها ... ما أغبي ما كنا...
شكرا لكم جميعا ... لادع الدورة الدموية تسير باعتدال ولاطلق لساقى العنان . فقد شلتا من الجلوس عشرون عاما وأنا جالسة كالخشبة على الخشب وأمام النظرات الخشبية ... أسمع باسراف وانظر باسراف ...
سلمت أمرى للريح ... لا تحرك ... فقد تجمدت دمائى أمسح الشوارع بنعلى ... وانظر اسير فى كل مكان - وفي المدينة العتيقة اسير كل يوم تعرفني
حيطانها اعرفها لا تنفر أرضها من اقدامى ... روائح البخور والحناء تعبق منها وأضواء خافتة كالبهت القمرى كوجهك الطفولى ... المدينة العتيقة تعرفني كما عرفت أنا " رسالة الغفران " و " جنة الشوك" ... أذكرك فيها كل يوم ... أحس بخطاك رغم آلاف الاقدام التى تطأ الارض .. أتحسس بقايا نعليك ... كنت تحب التسكع أيضا . تختلط فى أنفى روائح العطر والبخور والحناء وزيت الزيتونة فأذكرك أكثر ... كأنما أتنشقك فيها .... كأنما يصعد الند الى دماغى فيمسح عنه غبار الكتب الممزقة التى ابتلعت . .. فأراك جليا ... كنت طفوليا... كان جبينك كالاسطورة ... وفي عينيك بريق بنفسجى أو خضرة كبحر نشرينى ... كنت تكره الكتب ... لكنك قرأت منها الكثير ... كان كل ما فيك طفوليا.. ولكنك كنت تحسن لمس يدى ... وتبعث فى نفسي شعورا عميقا بالالم ، لانني أعلم ما فى عالم الغيب عن مصيرنا .. كانت سبابتك اليسرى تحمل جرحا قديما .... حدثتني عن أصله ... لكنني أنسى دائما ذلك .... أداعبه .... ثم أحس فجأة بالفتور ... فأرجع امضغ الشعر ... وأبحث عن عالم ياقوتى . . ألم تقل لى ذات يوم بأننى مسرفة فى كل شئ ، في الحزن ... وفي الخيال ... وفى النظر الى العالم ... وبأننى سموت الوهاد وعلوت الاشياء الغامضة والمبهمة . كونت فى خيالى أسطورة صنعتها بنفسى ولنفسى ... واننى انكفأت أعجب ... وأحب الكمال والعظمة وأحب الله... وأمل وأتألم ، لكننى كنت أيوبة أتحمل الكثير . ! ! لكنك تنعتنى دوما بالاسراف ... كنت أضحك من كلامك ... كنت ترسله كالبرد دقيقا مسبوكا طفوليا ... لانك لا تعلم سر اسرافى .... لا تعلم أن الجفاف الذى عاشت فيه أصابعي ... والشمس التى قبلتنى أعواما عديدة .. . علمتني أن أكون شديدة مسرفة فى الشدة علمتني ريح السموم حمالة الرمل كالابر تخز الوجوه أن اكون قاسية . . لكن نسيم الليل صيرنى رخاء ... حنا يدفق ... يطغي ... يغشى ، وكان القمر الذى حملقت في هالته علمني الحب والجمال ، ولكنه كان حبا بفيضان ، وحنا بفيضان ، وقسوة بفيضان.
لم أتعلم يوما أن أكون وسطا بين البغض والحب ، صلة بين القسوة والحنان لان الارض فى ربوعنا كانت كذلك جافة الى حد تطاير الغبار وموت البهائم وهجرة الطيور أو سيلا تدفق ونهرا طمي وعلا وغمر .... به تنتعش الارض وتزهر وتلد برسيما وفلا وتصفر الاطيار فى كل ثقب من الجبل العريض العالي .. ألم تعلم .. . سر اسرافى بعد . .
أدع اليوم الكتب بعد أن كنت أبتلعها ... أليس هذا اسرافا ... أسير فى الريح الضارى والناس فى مكامنهم أليس هذا اسرافا ... وأطأ المدينة
العتيقة .... ولكنني أحبها باسراف ... كما أحببتك باسراف ... وكما كنت أنت غبيا باسراف . حدثونى عن عيني كثيرا ، عبدوني بشغف كبير, قالوا عن عيني كلاما كثيرا ... فبصقت فى وجوههم أليس هذا اسرافا ... قالوا ان عمق عينيك كعمق الآبار والوهاد ... والصوت البعيد .... لكنني لما نظرت فيهما لم أر الا سوادا حالكا وأحزانا عديدة . ولكنني عندما أضحك يضحك فى كل شئ . وورثت صوت أمي كان صافيا ... صفاء الماء والقمر والنسيم ... ولكنني ان صرخت أفزع ... نسرى القسوة في وفي صونى ... تأتينى .. قسوة الارض الجافة تنصب فى صوتى.. كنت هكذا ... انسانا كالكل ولكن بشئ من الاسراف ... لانني لم أكن أقنع بما يقنعون كنت ان ناموا وصمتوا ... خرجت أتكلم ... أسأل الارض عن سبب ثبوتها وثباتها ... عن الماء يأتي فلا يتبدل ... تبلعه الارض ويجتمع فى الوادى فلا يتوقف ...
تأملت الشجر فى خريفه وشتائه ورببيعه ... لم يكن متشائما أبدا ... كان بتحمل العرى والبرد ، يقف للريح سموما فتصفر فى أعماقه وتكسره لكن الاغصان تتعانق وتنتظر الشمس والماء وتبسم البراعم وتفتر عن حرير وردى نضر ورائحة عبقة ، لكن ذلك كان باسراف ، قرأت كثيرا عن الاقطار عن الامم تأتى العالم فتبنى وتكون ... ثم تضمنحل فى فوهة الزمن . قرأت عن الجوع ... عن الحروب فاشمازت نفسى سمعت أن أنهارا حمراء تسيل... فأحسست أني لفرط الالم أكاد ابلع لسانى ... وكنت أشقى ... أتألم لبسمة الطفل تذوب بين أكوام التراب المهدوم فى فلسطين وفي فيتنام ... وعن الافارقة السود . . قرأت الكثير الى حد التدهور والذوبان وحاولت وانا مستلقية أن أعد الاموات . لا بل كم تحت التراب من يد لانسان . . لطفل.. لعامل .... لكل انسان يدان وفي كل خمسة أصابع .... مائة .. ألف... لا... يمكن العد ... كم هدم الانسان من انسان أليس هذا اسرافا . وتمنت أن تكون لى يد سحرية أمدها فأبعث الناس من تحت الانقاض ... أليس هذا سرافا فى الحلم . وأن أحطم الاسلحة فأذروها وتندثر .... وأحول شيئا ما فى عقل الانسان المسرف لكى ينسى كيف تصنع الرشاشة والدبابة . أليس هذا اسرافا ... والناس الآن يحشرون رؤوسهم فى الكتب باسراف فأضحك أنا منهم باسراف . لانك لم تعنى على أن أكون معتدلة . بل اكتفيت بأن تحكم على ... فكنت غبيا باسراف ... اليوم أتسكع فلتحكموا علي بالسلبية .... ولكن دون اسراف...

