ثلاثة من الرجال اعترضوا العم محمد وهو فى طريقه الى منزله بالملاسين . وأوقفوه ثم سلموا عليه وتبادلوا معه الكلمات واصطحبوه الى حافة البحيرة وجردوا سكاكينهم وذبحوه .
قالوا له منذ صادفوه : إنك ستموت بعد لحظات فى حد أمواسنا ، وأنذروه بأن يفعل شيئا ما ينقذه من بين أيديهم ، ولكنه أصر على اتباعهم فى تنفيذ ما اعتزموه حتى أنهم فوجئوا به يضطجع اضطجاع القطيع ويفتح أزرار قميصه دون أن يرف له جفن .
يموت وعيناه مفتحتان وبسمته تتجمد على شفتيه . اقترح الاول أن يسلخوا جلده ... واقترح الثانى أن يرفعوه الى عمود الهاتف ويعلقوه عليه . واقترح الثالث أن يكتفوا بالباسه أثوابه مقلوبة .
ولما لم يتوصلوا الى اتفاق بينهم ، علقوا السكين التى ذبحوه بها فى الجيب الأعلى لسترته الغامقة الزرقة ، وافترقوا كل فى اتجاه .
راح الاول الى المقهى الذى اعتاد العم محمد أن يرتاده فى المساء ، ليلعب طرحا من الدمينو فى ( المر ) مع رفاقه القدامى من الشيوخ . وجلس الى نفس الطاولة التى اعتاد العم محمد أن يجلس اليها ، وضرب كفا بكف يطلب قهوة أشطارا كما اعتاد العم محمد أن يفعل .
وحين تقدم النادل منه سأله ما اذا كان العم محمد قد جاء الليلة الى المقهى ، فنفى النادل أن يكون رآه .. لكنه أشار الى جماعة من الشيوخ في الزاوية . قائلا : إنهم فى انتظاره ، ولا بد من أن يأتى بعد حين ليكمل العدة .
وما هى الا لحظات حتى همى النادل على أذن الجالس الى طاولة العم محمد وأشار ناحية منحدر خلفية وزارة الدفاع . قائلا : قلت انه لن يبطئ ... هذا هو وقته .. مع التاسعة ليلا .
وصل الرجل الأشيب مرتديا بدلة زرقاء غامقة الزرقة وعلى فمه ابتسامة وجلس الى نفس الطاولة دون ان يتفطن الى رفاقه غير أنهم أخذوا يصيحون فيه ، فنهض من مقعده وسلم ، وجلس على كرسى فى مواجهة الرجل الجالس الى طاولة العم محمد ، وشبح الابتسامة لا يفارق شفتيه .
كان الثانى قد اتجه مباشرة الى منزل العم محمد ، فهو يعرف المنزل ويعرف أبناء العم محمد وان لم تكن لهم به سابق معرفة .
دق الجرس فأطل من باب الفيلا غلام صغير يستفسر عن الطارق . فاخبره أن مسالة هامة تدعوه لان يرى العم محمد الآن . فدخل الغلام ، ثم أضاء نور الحديقة وفتح باب الصالون أمام الزائر . وأقبل الخادم بعد لحظات بفنجال من القهوة وأخذ فى مجاملته منبئا إياه بأن العم محمد خرج لتوه من الحمام وهو يتهيأ لمقابلته بعد دقائق .
فتح العم محمد باب الصالون مرتديا بدلة زرقاء غامقة الزرقة وشبح ابتسامة على شفتيه ، ودون أن يصافح الزائر جلس على الكرسي قبالته ، وأخذ يستطلع الخبر الذى دفعه لرؤيته .
أما الثالث فتوجه من توه الى منزل ابنة العم محمد التى يعرف انه لا بد من أن يزورها العم محمد فى ذهابه أو ايابه من مقهاه ... منذ تزوجت وسكنت ( باب مناره ) فى منتصف الطريق بين منزله وبين مقهاه المفضلة ... وأنه يمكث عندها برهة من الزمن يلاعب طفلها الصغير ، ويحمل الحلوى اليه . فهى وحيدته بين خمسة ذكور . وقد نشأت مدللة لا تطيق الافتراق عنه يوما واحدا .
طرق باب المنزل فتناهت الى سمعه خطى ثقيلة فى الممر ، وفتح الباب زوجها الذي رحب به وعندما عرف من الطارق أن له أمرا مهما يلح فى مقابلة العم محمد ، استاذن منه لبضع لحظات ثم ادخله الصالون ليجد العم محمد فى الصدارة مرتديا بدلته الزرقاء الغامقة الزرقة وعلى شفتيه ابتسامته المعهودة .
فى مدخل شارع الملاسين المحاذى لمبنى الجامعة التقى ثلاثتهم فى الميعاد وقرروا أن ينتظروا العم محمد . وحينما رأوه يقبل من بعيد ، اعترضوا سبيله وسلموا عليه ، وتبادلوا معه الكلمات ثم اصطحبوه الى حافة البحيرة وجردوا سكاكينهم وذبحوه وتركوه مفتح العينين فى البدلة الزرقاء الغامقة وابتسامته معلقة على شفتيه .
