الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

لاني ما انتفعت بأن أبالي *، (المتنبي)

Share

" قولى يا عزيزتى ولا تخجلى ، فما أتعس من يتنكر لماضيه ، وأن أعلم من شفتيك الساحرتين لاهون على من أن أعلم من غيرك .. "

ولكنها اكتفت بأن زوت ما بين عينيها الحائرتين ، فثار ثائرى وصحت وهددت وتوسلت واستعملت جل الحيل لانطقها فما نبست بحرف واحد مما أريد أن أعرف ٠٠٠

أعرف ؟! - لما أتعس المحبين ينقبون عن الحقيقة التى تفقا عيونهم ، يتمزقون بين الرجاء والخوف ثم بين الانكار والتصديق ، وأخيرا يخرون جثاة يمزقون الشعور ، يندبون الخدود ، وأجسادهم تتلوى ألما وحرقة تحت سياط من نار لحقيقة من لهب .

" نعم قولى يا عزيزتى ولا خوف على من الألم . . أترى الابصار معذبى وقد كابدت من الاهوال ما كابدت ... "

وعاودها العبوس فتاهت عيناها وقد صلب على أهدابها الدمع فى عوالم شتى ، وجاش نفسى بشعور من الغربية حاد وأحسست كأنما ما عرفتها قط .

وخامرتني النفس بأن استعمل آخر سلاح ، فاما أن أفوز بما أريد منها ، واما أن تكون القطيعة ، فالحياة مع دلال فتاة مما لا يطيقها الفضوليون من الرجال يريدون أن يعرفوا عن محبوباتهم كل شئ حتى ما يخامر أذهانهن فى ساعات الجموح العاطفي والتوق ، يغارون من الصور ومن احاديث الضمائر حيرى ، ويشكون اذا ما تواردت الخواطر ارضاء لحاجيات النفوس .

وخطر لى أن أتريث فعدت أهذى بكلام التسامحيين وفي داخلى تضطرم نيران الشك والحيرة والخوف . ولكنها وضعت يدها على كتفى وتمتمت فى شبه آهة مكبوتة رطبها مجرى الدمع " أحبك .. أحبك " فكان أن عاودتني كبريائى فظللت صامدا كالبرج وانفى الى السماء أطالع على صفحتها الغيوم

وأستقبل المطر رذاذا يدغدغ الحمى فى وجنتى وعلى جبهتى . وأحسست برأسها يهوى على صدرى فتصورتها تنشج من الاعماق بصمت ، وكدت أحوى خديها براحتى لارسم على شفتيها الشهيتين قبلا طويلا تنسينى العالم والهموم وتغيبنى فى دنى الاختلاجات الساحرة الندية ، ولكنني لم أفعل خشية أن يفسد على الضعف انتصارى فبقيت جامدا كالتمثال أتنفس بتكلف وأخنق التنهدات بعسر . وأسرعت يدى الى جيبى تبحث عن بطاقة بريد نقشت عليها كلمات سامة كنت انتقيتها لمثل تلك اللحظة : " اذهبى وليعاودنى الضياع " فلااقس ، ولتنهر ، ولا عرف ، وليكن الدمار . فما أتفه حياة نعيشها على الخديعة والزيف .

القسوة ! ما أحوحنا إلى تعهد الشدة في بعض الاحبان ، فالقوة تغذت من نفسها أم آلت الى رماد تذروه الرياح هرما وضعفا ، لما تقاس بها ضمائر العظماء : والجبروت ، آل الى العدل أم الى الطغيان ، لما يحقق للكون رسالة الحياة ..

رفعت رأسها براحتين محمومتين لاطالع وجها سترسم قسوتى على صفحته مختلف الانفعالات ، وتأملت العينين المحمرتين تورمت فيهما العروق القانية ، وكان أن حمل على الحنان حملات ، وعاودتني الرأفة فانحنيت ولثمت الجبهة الضيقة بشفاه من نار ، ثم مددت لها البطاقة فتخطفتها وقد عاودها الاشراق والابتسام ثم أطرقت ثانية وانهارت بين يدى بأنفاس مخنوقة :

الاجرام ! - وأحسست بقلبي يسحق بين جنبى تحت وزن لا أعرف مأتاه . التمثيل ! واستبدت بى عناصر السخط .

ما أروع الساعة التى نحفظ فيها الجسد والروح من كل تسلط أو اباء ، لقد كانت بين ذراعي في شبهة بجسدها النحيل الخفيف ، بصدرها الناهد الناعم ، برأسها الصغير ذلك الذى حوى من الخواطر ما أبأسنى . وعفرت وجهى فى عنقها قبلات فوضوية ، وعاودني شعورى بالعجز ، فاللغز ما انحل بعد ، والابهام ما اتضح ، وما تقدمت خطوة قط ، وانما هو عذاب الحقته بالنفس التى أعز .

وعاودتها بعد لاى القوى ، فتنفست ثم جعلت تهذى بمعميات الالفاظ أول الامر ، ثم بكلمات مسموعة واضحة وقالت : ٠٠٠٠٠

ألقيت بها علي السرير بعنف وانتصبت وحشا أثارته رائحة الخطر ، وجعلت أذرع الحجرة بغيظ ، بعصبية وعذاب ، وامتلكني الضحك فجعلت أقهقه وما عدت أفكر فى شىء .

" التفكير . . المعرفة . . والمبالاة " ما أبعدني عن هذا العالم المفقود ؟ أنا اليوم رجل تملكه الشك فغار من ظله وعمى عن فضول صاحبته ، وسيطر عليه التوهم فأصبح يرى فى كل ما هو آخر مزاحما له على هوى " قريدة " بشمئز منها كل صاحب ذوق ... ولكنها تعقدات الحياة تجبرنا على ألا نحب بحق الا الذى يبعث فى أعماقنا الحيرة والخوف ، والالم والضعف .

فأن أكون أنا بخواطرى وأحلامى ، بآمالي وتهاويلى ، وأن أتعشق الفن فلا سياط العذاب تلسعنى ولا خوازيق الشك تخرب نفسى : لا قيمة له ولا جدوى وأن أعيش كالعاديين من الناس بقليل من المسرة فى النهار ، وبقليل آخر فى الليل وأن أحافظ على سلامة الجسم ، وأن أعايش الآخرين بابتسام التملق والحذر وبعديد المضحكات ، لتفاهة من الترهات ، وحصاة فى أكداس من رمال الصحراء تلهو بها الرياح حينا من الزمن وتدعها بلطف لشمس البلى .. لا ! .. لن أكون سخافة يمجها الذوق وتنفر منها المسامع ، فوجودى قصة سطرها الاذى على صفحة المكتوب ، وحياتى مأساة طموح وخرافة أجيال ترددها الافواه انشودة عزاء وسلوى .

الذنب ذنب .. فأنا دعوت الانس والجان وأثرت الآلهة ليلة جلست بين المقابر أستلهم أرواح الموتى وأدعو لنفسى البقاء ، وأنا وقفت عدوا للطبيعة والمجتمع أمحو مارسوا ، أسخر مما أرادوا ، وأتحدى لا منظور القوى لا صنع الطهارة فى جسم قذر .

وأنا أنرت لها البصيرة فرأت ومع الرؤية تولدت الجريمة .

ويشاء الضياع فى كل نفس أن تتولد معظم سعاداتنا مما قد يحيط بنا من ارزاء ، فكان أن قهقهت فى وجه الحقيقة ساعة ، وكان أن تلويت من الالم ساعات ، ثم كان أن انهرت على نفس السرير فركبنا الجموح وطارت بنا آمال من النشوة حتى الحلول فى مالا أدرى من الارواح الهائمة ...

واها للانسان مما جنى عليه فرويد ( Freud ) ومن نحا منحاه من المفكرين ، أغرونا بالنفس فجاريناهم فى شعابها الملتوية وأصبحنا نبصر ما خفى على ملايين الاعين المبصرات ، فاذا الشك على أحد ما تكون الشكوك ، واذا الغيرة ننطلق سهاما من الضمير ، تخترق العضلات لتخلق لانفسها دروبا فى الدم وتعض الحساس من كل جسم عضات تذهلنا عن الواقع والصياح . ما عساه يحدث للانسان اذا ما علم أن للفتاة التى أحب فى العهر تاريخ ، وان الهالة المبهمة ننسجها شبكات توهم وخيال فى ساعات الحنين والتوق ، ونحيطها بها قداسية لحظة انعدام الثقة فى النفس واجتياح الملل لذات أضرت بها

الوحدة ، والضياع انهكها فى لا متناهى الاكوان ، ليست فى الحقيقة الا جزءا من ذاتنا ما خرج منها قط ، وما وجد فى الآخر المحبوب لحظة من الزمن .

أو ليس الضر يولد فى أعماقنا مع الحيرة ، وينمو حين نسلطه على كل ما يحيط بنا من الاجسام والاشياء ، فنحب مبدئيا الام التى أنجبتنا ، ونحب مسقط الرأس ، نحب لعبنا واخوتنا وجيراننا ودروب الطفولة ، نحب أول قسم وأول معلم والزملاء الاولين ، ثم يتجمع الجنان الذي في النفوس ليضطرب فى الاعماق ويهتز ثائرا صاخبا متمردا ، ويتسلط من تلقائه شؤبوب نور على جسم معين يضيئ لنا منه الجوانب وينير لنا فيه الاعماق ، ففهم أو نتوهم الفهم ، ونحن الى ذلك الجسم ثم نحبه اذا ما الهمنا الخوف عقالا تشد اليه العواطف فى غالب الاحيان وتصبح بتلاشيه فوضى كما كانت ، ونبحث عما فهمنا فى من عشقنا ونفتش عن الرسم المبهم الذى كونناه له فى أذهاننا وتبدأ الفروق فى الاتضاح ، فاذا الخوف واذا الشك واذا الحيرة من جديد ، ثم تصعقنا السفالة حقيقة مرة حادة قاسية تذهلنا عن العالم والنفس ، نحاول ذكر انها بالتشبث بمختلق المزاعم نصنعها رجاء وأملا ، ويعيينا التعلق بالخيوط الواهية فننهار حديثا عن ضآلة الانسان ونغوص فى السويداء واليأس ، أو فى الجنون والموت .

كنت وقد ركبت الجموح والمتعة ، كمن يتقلب على مقلى امتد لسان اللهب الى زيته ، تعصف بى خواطر ملتهبة فى هيكل ملتهب وتغمزنى الغيرة غمزات مطردة ، فأقسو وألين ، واتنهد سعادة والتذاذا ، واتأوه شقاوة وعذابا ، والهيكل النحيف المذنب ، تلاعبت به الايدى الغريبة ، خدره لقاح لقاح غريب وشواه على نار الرغبة غاز أجنبى ، يتلوى من تحتى اختلاجات نابضة بالموت فى غضون الحياة .

" رمانى الدهر بالأرزاء حتى        فؤادى فى غشاء من نبال

فصرت اذا أصابتنى سهام          تكسرت النصال على النصال

وهان فما أبالى بالرزايا              لأني ما انتفعت بأن أبالى "

اشترك في نشرتنا البريدية