الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

لا تفاوت بين الثقافات

Share

حضرة السيدة رئيسة الجامعة (*) .      أيها الزملاء والزميلات ،   أيتها السيدات ، أيها السادة ،

انه لا مناص لى من ان اعترف - وانا فى هذا الموقف الذى يتوجب

فيه الشكر - بأننى اشعر بالامتنان وآيات العرفان نحو والدي ، ونحو كل من علمنى ، منذ ان كنت صبيا بالمدرسة الابتدائية فى المنستير الى أن وصلت الى رحاب ( الصربون ) ، وكذلك الى أصدقائى سواء كانوا بتونس أم بفرنسا أو بسائر انحاء العالم . وبعبارة أخرى فانى لشاكر ومدين لكل الذين جعلوا منى ما انا عليه الآن ، وهيؤونى الى ان أكون عند حسن ظنكم وجديرا بلفتتكم الكريمة .

وان ما احظى به من تقدير واكبار ليملأ قلبى بهجة ويدفعنى الى العصير عما أشعر به من اعتراف بالجميل ايمانا مني بأن هذا التكريم يتجاوز شخصى ليشمل كل المثقفين فى بلدى .

وانه حقا بالنسبة الى مفكر تونسى لشرف اثيل ان اكون أول مواطن فى العالم العربى تسند اليه ميدالية الصربون ، وهى أسمى استحقاق أكاديمية باريس ، ولكنه شرف قمين بأن يدخل الارتباك على من هم أرفع مني منزلة وأكثر معرفة وأقوم قيلا .

وانى اذ استمد من هذا التشريف النخوة والاعتزاز لبلادى لأوكد لكم مع ذلك انه لا ينتابنى اى شعور بالخيلاء وهل من غرابة فى ذلك وقد اخترت على الدوام كمعلم لى وصفي حميم فى حوار خفي متجدد ذلك العبقرى الذى جادت به اليونان على البشرية ، وذلك الفيلسوف الحكيم الذى ساعدنى أساتذتى فى تونس وباريس على اكتشافه ، وذلك المفكر السامى الذى سوف يبقى مدى الاحقاب والقرون أميرا لجمهورية الفكر العالمى وأعنى به سقراط ! فبمخالطة مثل هذا الرقيب الحسيب على الفكر تعلمت كيف ارفض على الدوام دعة التفكير وركوده وما فتئت اتدرب على تقدير الامور حق قدرها من خلال التساؤل الايجابى لأنه بناء فى آخر الامر !.

وانكم لتدركون دون عناء فى مثل هذه الحال كيف اتمسك بشعار سقراط المقتبس من معبد ابولو بمدينة ( دالف ) والذى يقول : (( اعرف نفسك بنفسك )) .

ثم أليست معرفة النفس الحقيقية هى قبل كل شئ الاعتراف بما يكون المرء مدينا به لغيره ؟ وفى هذا اليوم الممتاز كنت أود أن أعبر لأساتذتى المأسوف عليهم عما أحمله عنهم فى قرارة نفسى من ذكرى عظيمة وما احتفظ به الى اليوم من أثر لا يقدر بثمن تركته فى نفسى دروسهم بالصربون ، وأذكر من بينهم الاساتذة : غسطون باشلار وجان فاهل وبيار مكسيم شوهل .

ومن حسن الحظ ان بعض شيوخى الاجلاء ما زالوا على قيد الحياة وانى اعبر عن تقديرى الخاص للاستاذ هنرى غوهى عضو المجمع الفرنسى ، كما ابادر بتقديم تحية بالغة التاثر مشفوعة باحر العرفان للاستاذ بيار تيي الذى فتح فى وجهى بالقسم النهائى بالمدرسة الصادقية أبواب الطلب الفلسفى ، والاستاذ باترونى دوغوندياك الذى تفضل بالاشراف سنة 1954 على اعدادى لدبلوم الدراسات العليا . وكلاهما يعلم اننى بوفائى لسقراط انما احافظ على وفائى للاصول الحقيقية للثقافة العربية وللحضارة الاسلامية . وبما ان بعض الاباطيل لا يمكن القضاء عليها بسهولة فانى أود ان اغتنم هذه الفرصة ، إذا سمحتم ، للتذكير بأن الفكر العربى الاسلامى انما تغذى من الينابيع السقراطية وذلك من خلال افلاطون وخصوصا عن طريق ارسطو . على انه ينبغى الا نبخس حق اسهامه الذاتى الطريف الذى لا يجسمه فحسب ابن سينا وابن رشد ( المشهود لهما عادة بالفضل ) بل والفاربى أيضا والغزالى اللذان كان نصيبهما فى أوربا الغبن أو

النسيان حتى فى ايامنا هذه ، فى حين ان معاشرتهما لمن شأنها ان تدرب المرء على ان يبقى الفكر لديه يقظا والعقل وقادا .

وان هذه الحقيقة بالذات تلقى أحيانا شيئا من الانكار والمكابرة من قبل تاريخ الفكر والفلسفة المعاصرة . ومع ذلك فانه ينبغى لنا اذا ما أردنا تفادى عدد من المخاطر الثقافية ان نصل فى خاتمة المطاف الى عدم الرضى بضروب التفاوت فى تاريخ الفكر والى نبذ عدد من مفاهيم التحيز والحصر والتحديد .

وللجامعة الفرنسية دور كبير فى اعطاء الحوار بين الثقافات الغربية والعربية بعدا يتماشى مع طموحاتنا البعيدة المدى ويتوازى مع موضوع هذا الحوار العميق عمقا قل نظيره . وحسبنا فى الواقع اننا نعمل على تواصل سنة لم تمح من الذاكرة ولم تنقطع ابدا . ذلك انه عبر جبال الالب لم ينفك العلم والفكر العربيان بارزى الوجود وحتى النمط الجامعى العربى ما زال وارف الظلال فى فرنسا .

ويمكن القول : إن العرب اذا هم استفادوا دائما من الغرب الذى فهموه فهما رائعا فانهم بقوا أولئك القوم الذين حملوا تراثا غنيا وخلقوا أفكارا جعلت أوربا وبالخصوص فرنسا تسحر بهم من غير انقطاع .

وعلى هذا المستوى الرفيع فى فهم الامور يكون من فضول القول البحث عمن هو المدين للآخر وباى شئ هو له مدين . وانه لمن حسن الطالع أن يكون الامر كذلك اذ أن دينا مقتسما قسمة عادلة بهذه الصورة هو أكبر ضمان لاقامة تعاون صادق يمكننا من بناء المستقبل الذى نتوق اليه ، وان فيلسوف الزمن الحاضر حيثما كان ليساهم بدون شك فى تدعيم المعرفة وارادة المعرفة برفضه لاصناف القطيعة والتقسيم وبتنظيمه الخطاب حسب ما يقتضيه الاستمرار والطابع الكونى للامور .

ان من وراء ارادتى الشخصية داعيا آخر يقينى الوقوع فى خطيئة الخيلاء . وهو داع عظيم الاهمية والشأن .

فقد أراد ديوان الجامعات الباريسية بدون شك - بمنحه اياى هذا الامتياز - ان يشرف البلاد التونسية ويعبر عن اكباره لرئيس الدولة العظيم الذى عيننى منذ خمسة اعوام وزيرا اول له ، وهو الرئيس الحبيب بورقيبة رجل الايمان والنزاهة الذى اسس الجمهورية التونسية ورفع مرتبتها عالية بين الامم المعاصرة .

وتاريخ المجاهد الاكبر كزعيم وطنى لا يحتاج الى بيان ، وكذلك خدماته الجليلة كيان لدولة عصرية غنية عن التعريف . وسوف اقتصر امام جمعكم الكريم على التذكير بثلاثة جوانب هى فى نظرى أساسية وجوهرية :

I) ابدأ بالتأكيد على ان هذا الوطنى المخلص المتشدد فى  الحق وهو عميد المجاهدين العرب والافارقة على دروب الحرية ، قد بقى صديقا مثاليا لفرنسا : وقد كان يقول لشعبه وهو على وشك الدخول الى السجن فى عهد الحماية يوم 11 جانفى 1952 : (( ينبغى الا ننسى اننا مدينون لفرنسا بجزء هام من ثقافتنا . فالاستقلال لا يمكن أن يكون بالنسبة الينا انجرافا نحو الحقد ولا تأكيدا لارادة فى القطيعة . بل انه ينبغى ان يسجل على عكس ذلك نقطة انطلاق لقفزة عارمة نحو تعاون حر وتضامن دائم بين تونس وفرنسا . )) وبمجرد ان استقلت تونس لم يتردد الرئيس الحبيب بورقيبة فى وصف التعاون بانه عمل عظيم كفيل بان يعيد لفرنسا وجهها الناصع ومجدها وعظمتها ووزنها فى العالم  .

وقد كان يحرص دوما - سواء اثناء استقباله فى زياراته الرسمية لباريس من قبل المأسوف عليه الرئيس بومبدو او خلال استضافته بتونس للرئيس فرنسوا ميتران - على ان يحيى فى فرنسا علنا ذلك البلد الذي يعد ؛ (( مهدا لحضارة عظيمة )) وان يعبر لها من تقديره واكباره باعتبارها (( موطن الحرية وحقوق الانسان والقيم البشرية )) .

2 ) ثم ان رئيس الجمهورية التونسية كان القدوة بالنظر الى شعوب افريقيا وآسيا باعتباره محررا من نمط جديد . وفعلا فان هذا الرجل السياسى لم يقصر همه على الكفاح من أجل التحرر الوطنى بل انه قد جعل من سكان بلاده مواطنين لجمهورية عتيدة اذ هو حررهم من اغلال الجهل واعباء الخضوع للاقدار ، وخلصهم من قيود الظلامية والاستكانة .

وهكذا اقدم ، ولما تمض على الاستقلا . سوى خمسة اشهر او تكاد ، وفى عالم اسلامى ما زال يعانى الركود والجمود على اقتراح تأويل عادل منصف لتعاليم الاسلام وعلى اقتحام ابواب ثورة اجتماعية حقيقية سليمة ومباركة .

وهكذا أصدر فى 13 أوت 1956 (( مجلة الاحوال الشخصية )) التى منعت تعدد الزوجات ومنحت المرأة التونسية حريتها وكرامتها وممارستها للمساواة الفعلية .

ولئن وجدنا اليوم تونسيا واحدا من كل اربعة على مقاعد اقسام الدراسة او مدارج الكليات ، فانه مما يلفت النظر ان يتعادل عدد الطلبة والطالبات فى الكليات .

وبعبارة أخرى فان المرأة بتونس مواطنة كاملة بدون عائق ولا ميز وهى زميلة للرجل تدرك على الوجه الاكمل معنى تكافؤ الحظوظ للجميع .

3) وأخيرا فلئن اعترف العالم ، بخلة حميدة ذات شأن للرئيس الحبيب بورقيبة بعد تحليه ببعد النظر ، فانه يعتزف له بأنه جمع الى حصافة الرأى الشجاعة . فلقد عرف دوما باعتباره رجل الحوار والاعتدال كيف يتغلب على هجمات المتعصبين واعمال المتطرفين على اختلاف اصنافهم . وانى سوف لن اذكر فى هذا الصدد الا بحادثة بقيت دوما فى جميع الاذهان . فلقد وجد فى نفسه منذ عشرين سنة الشجاعة على المغامرة بحياته فى مدينة اريحا متحدثا بلغة العقل ومقترحا اقامة سلم عادلة لانها مبنية على أسس التسامح انطلاقا من شرعية الامم المتحدة .

لا يجوز ان اختتم كلمتى دون التعبير لك من جديد عن أحر مشاعر عرفانى العميق واريد أن أغتنم هذه الفرصة لابدى اعجابى بشخصك الكريم وبالخدمات الجليلة التى سخرت نفسك لها بصفتك عالمة وبصفتك مربية وبصفتك متصرفة فى حظوظ جامعات فرنسا . وان ما دأبت عليه من درس ذكى لفكر بيزنطة كان له فى ذلك ضلع كبير لا محالة . اذ قد عرفت كيف تحيين حقبة بألف عام من تاريخ مرموق ولكنك فهمت ان بيزنطة قبل ان بتملكها الاسلام كان للمواجهة والمنافسة والتلاقى مجال الفكر فيه بصيغتيه اليونانية والشرقية الى التعايش والتعاون مهما كان الامر . وانى لأعلم مساهمتك الشخصية لتشريف تونس فى شخصى .

وكذلك زملائى التونسيون الذين لبوا دعوتك فانهم يشاطروننى سرورى مدركين ان تونس بأكملها والجامعة التونسية قد نالتا هذا الشرف اذ نالنى . لذا فاننى لا اخفى عنك اننى اشعر بعبء ما اغدقت على من محاسن لا اعرفها والحق يقال بالصورة التى ذكرتها .

وانى اصارحك بانى مدين فى الحقيقة لحسن الطالع بامور كثيرة . فقد كان من حسن حظى اننى ولدت بوطن صهره التاريخ وفى عصر هو عصر

بورقيبة . نعم انه من حسن الحظ ان يطأ الواحد منا تربة احتفظت ذاكرتها بتعاقب القرون فى مواكبها وما زال يهدهدها وقع خطى القديس اغسطينوس والعلامة ابن خلدون .

وليس من باب الصدفة اخيرا ان تكون من اجمل فترات حياتى تلك السنوات التى قضيتها بالذات فى الدراسة بالصربون ، وهى فترة بقيت عندى مطبوعة بجو من صدق العاطفة ومحفوفة بهالة من النور .

انى اجد نفسى اليوم ، عن غير قصد منى فى مقام الشرف ولئن كنت استحق مثل هذا الود منكم فان مرد ذلك بدون شك هو تعلقى بما فطرت عليه بلادى من نزعة انسانية كان قد عبر عنها شاعر قرطاج اللاتينى اللسان (تيرانس) احسن تعبير اذ قال :

((اننى انسان وليس شئ مما يتعلق بالانسان عنى بغريب))

وقد يوجد سبب آخر لهذه الصداقة اكثر صلة بشخصى فقد تعلمت شيئا رائعا من حياتى السياسية ومن خلال نشاطى الادبى وعمل كاستاذ وكذلك بفضل مجلة (الفكر) الادبية الثقافية التى بعثتها الى الوجود واديرها منذ ثلاثين سنة . نعم تعلمت ان حسن الحظ شئ لا بد من ان يكون المرء جديرا به . ولا يكون كذلك حتى يمارس المرء العدل ويرعى فى نفسه البر سواء كان نحو ابويه او اساتذته او وطنه .

واعتقد انى ما برحت متمسكا بهذا المثل الاعلى ، وقد تعلمت اثناء الطريق كيف ارعى نوعا آخر من البر له مسحة من الجمال الا وهو البر بالاصدقاء .

وانه ليسعدنى ان اقتسم معكم جميعا ايها الاصدقاء الاعزاء الحاضرون والغائبون على السواء ، مشاعر سرورى وابتهاجى .

اشترك في نشرتنا البريدية