يبدو ان الميدان الاكثر صعوبة فى حالة المفاضلة هو ميدان الشعر .. أى محاولة تفضيل هذا الشعر عن ذاك طبق مواصفات قد تكون مستساغة عند هذا وذاك الا انها ربما لن تكون كذلك عند غيرهما . فالتجربة أكدت ان كل لون من ألوان الشعر يتميز بميزات تجعله محببا عند فريق من الناس .. تماما مثل الالوان الاخرى لذلك يصعب وربما يستحيل اختزال اذواق الناس جميعا باتجاه لون واحد نطلق عليه صفة (( الشعر المفضل )) على الاطلاق .. وبالتالى نعتبره المقياس الذى اذا تمردت عليه ألوان أخرى أصبح شيئا آخر غير الشعر . شخصيا أعتقد ان زمن المفاضلة .. وتنصيب الامبراطوريات وإلباس التاج قد ولت جميعها وبقى فقط الشعر .
هل هناك شعر أم لا ؟ هذا هو السؤال الذى يطرح باستمرار حاضرا من طرف المهتمين .. الذين يجب عليهم معاملة الاشعار كلها على انها مستويات من الابداع .. وبالتالى فان مهمة النقاد والمهتمين عموما هى ملاحظة نسب التطور فى الصورة الشعرية والعلاقات العضوية بين المفردات والجمل لتشكيل الصورة الشعرية .. تماما مثل ملاحظة الدقة فى تجسيد الفكرة لغة وايحاءات .. واعتبار الموضوع فى الدرجة الاخيرة باعتباره فى متناول الجميع.
وهنا يجب أن لا نغفل ملاحظة نقول : ان لا يعتبر الشعر شعرا الا اذا توفرت فيه اللغة السليمة والصورة المحركة الاعماق والتى تحول الجوامد الى متحركات تتراقص فى مسرح الذهن والمخيلة وهو بالتالى - أى الشعر - الذى يمس شغاف الاحاسيس فيفجر فيها براكين لا تهدأ .. ولابد أيضا من اعتبار الشكل الفنى المميز والمناسب لكل لغة حتى لا تختلط الاوراق وتنعدم الهوية . كما أنه لا بد من طرح سؤال بعد قراءة كل عمل حول نسبة الاضاف 848 112
التى قدمها هذا العمل للشعر الانسانى عموما .. ولشعر تلك اللغة بوجه أخص .. لان كل كتابة لا تضيف جديدا احرى بها ان لا تكون ...
هذه الملاحظات حركتها فى ذهنى قراءتى لمجموعة شعرية صدرت مؤخرا تحت عنوان : (( ألواح )) للاستاذ الشاعر منصف الوهايبى احتوت هذه المجموعة ثلاثا وعشرين قصيدة تتراوح بين الطويلة والقصيرة جدا والمتوسطة توزعت على مساحة ورقية عددها 68 صفحة من الحجم العادى لدواوين الشعر .
أول لما يلفت الانتباه فى هذه المجموعة تقسيم الشاعر لها الى عناوين كبيرة تتضمن عناوين القصائد جاءت فى شكل أبواب عامة فكانت كما يلى :
- مراثى الملك - القصيدة العربية - قصائد أولى .
هذا التقسيم لم يكن اعتباطا فالشاعر يعى جيدا مراحل الشعر العربى والتاريخ العربى وكثيرا من الشعر الانسانى وما مر به من بعدى التخلى والامتداد وهو مطلع على الوقائع التى خلفت بصماتها فى الشعر العربى خاصة . ثم ان اهتمامه بالفلسفة الاشراقية قد عمق فيه الوعى بتدرج الفكر العربى عبر مراحله حتى انتكاسات بعض الاطروحات الحالية . يقول :
كنت أعلن للماء والنار والريح
ان البلاد الاريضة واحدة
والبحار الوضيئة واحدة ،
كنت أبحث فى الوطن العربى
عن الوطن العربى
فحاصرنى عسس واقتفوا حلمى
فانسللت الى جسدي واختبأت
( ص : 39 (( ألواح (( )
ولكن ذلك لا يعنى انه تخلى .. فايمانه (( ان البلاد الاريضة واحدة )) لم يتزعزع . انما مؤقتا سكت عن البحث .. وسيستأنفه . وقد حاول ضمن بحثه اسقاط الاحداث التاريخية التى يزخر بها التاريخ العربى على الاحداث التى يعيشها الواقع العربى الحالى فكان يرصد اللحظات ويضعها فى مصفاة اللغة فى عز تجلياتها لينحت منها صوره الشعرية العميقة الجذور والتى تحبل بالاحداث والوقائع .. تلك الصور المشحونة بالافكار والتفاعلات الحضارية .. الضاربة عروقها فى قرارة الحضارة العربية من دون تدحرج فى التقريرية أو الغموض المبهم .. وحتى بعض الغموض الذى يلحق بعض قصائده تشفعه له الومضات التى ترسلها الكوى المفضية بنورها الى قلب الهدف . اما الجو الذى 113 849
قدم فيه قصائده مختارا .. فانه ذلك المتصل بالطقوس والقداسة والرهبة أحيانا :
ها انت تبلغ باب الله مرتبكا
الوجه منخطف والروح مشتعل
( ص : 12 (( ألواح )) )
ولعله بذلك يبحث عن القداسة التى كانت تجلل الشعر العربى .. وهنا ألاحظ بأن التزامه للعروض العربى تأكيد صريح للهوية وايمان بها .
من خلال التقسيم المذكور وبالاطلاع عل قصائده جملة وتفصيلا يتضح ان الشاعر أراد أن يرسم ثلاث مراحل للانسان العربى .. وللثقافة العربية ..
وخاصة للقصيدة العربية .. وهو ايضا يفند القناعة القائلة بالهالات والنموذجية الزائفة .. وهو أراد من خلال شعره تذكيرنا بأن التاريخ العربى يزخر بالبطولات وأشكال الانجازات الا انه يضيف أخيرا ان ذلك وحده لا يكفى .. وان الرجوع الى التاريخ لا يبرر تخلينا عن الاضافة للحضارة الانسانية .. وبالتالى فتلك العظمة لا بد أن تستمر وان دورنا ما زال ينتظرنا .
فى المرحلة الثالثة من مجموعته (( ألواح )) تحت عنوان : (( قصائد أولى )) يبادر الشاعر بعملية التأسيس .. ويتجه الى عصره فاحصا أمراضه من خلال مشاكله اليومية .. والادعاءات المتواصلة حول التطور الحضارى الخ ... ويشير بأسلوب فني - شعري - واضح وسهل / صعب أحيانا الى ما يسببه هذا الادعاء من ضحايا داعيا بشكل خفي عبر الايحاء الى البحث عن مكان وأسباب الخطا والانحرافات .
أشعار الوهايبى فى هذه المجموعة تتميز بقوة لغتها واصالة صورتها وايحائيتها شعرا .. فكانما يدعو الى البحث عن لغة جديدة فى اعماق اللغة العربية من خلال اقحامه لمفردات غير مستعملة حاضرا .. وتشكيله الفني لصوره عبر تلك اللغة الجديدة انما لمعانقة الهم الجماعى عربيا وايضا فى المستوى الانسانى .. وهذا جاء فى ثوب متسم بالسحر والدوران فى فلك التاريخ الطويل من خلال الواقع ، وهذه احدى قصائده الاولى :

