وانتظرت ، انتظرت حتى تضخمت الساعات ورسمت الايام المتثاقله على جبيني آثار مرورها البطئ المرهق . وبدأت أمسيات الريف تحاصرني ثقيلة الواقع ، شاسعة كالصحراء التى تطوق القرية . كان الماضي - فى الايام الاولى - وجودا رحبا وحسا دافئا ثم ما لبث أن استحال الى سراب فأجع . الايام المضيئة تعتمت ، شربت ألقها سباخ الغربة الآسنة . قبل هذا الانتظار القاتل كنت قوى الخيال كمحضرى الارواح .
أسكر يعطر الشعر وهفهفة الخصلات الداكنة ولا شعر ولا عطر ولا هفهفات !
استرخي في سواد العين الفرائى وأنا أحدق فى السطح تذرعه هوام الليل وأسراب الذباب ! وكنت أمسك اليد الناعمة وهي ترف كأجنحة النوارس ويدى فارغة ، مجوفة القبضة ! وكنت أسمع دقات الكعب الموقعة والصمت الريفى يحفرني ! كنت مكتفيا بذاتي في قرية يحاصرها الحرمان وأخال أن ما اختزنته من نسخ الذكرى لن يجف .
وهذا الصباح أفقت باكرا . الجارات الريفيات أغلقن الابواب فى وجه هذا الوقح الذي وقف مسمرا أمام باب منزله . كنت انتظر ساعي البريد . وبعد نصف ساعة سيمر من هنا ، وفي حقيبته زهر وموت!
" متى ينظر المرء خلفه ؟ متى يقول للأشياء المبحرة عودي ؟ لماذا نظر " أورفيوس " خلفه ؟
قالت" هانية" واحد تلميذاتي الخاملات : - عندما تسجنه قضبان الغربة - واتسعت جدران الفصل وامتدت السبورة السوداء امامي بحرا مظلما
معتما . رحلت الطاولات والكراسات والاقلام وعيون الاطفال المكحلة بالبراءة. الاشياء تتفكك وتندمج مادة ولونا وحركة . أخذت قطعة طباشير لارسم على السبورة وجه امرأة غائم القسمات وكنت أريد أن أكتب : الغريب لا مبدأ له. ومرت لحظات قبل أن يعود " سيدى العاشق " من غيبوبته وتحديقه الجنوني. كان أمامي بستان تزهر فى أرجائه أربعون ابتسامة صغيرة ساخرة . " هانية " وحدها مكثت مرتخية ، تقلب نظراتها فى الفراغ !
" لم تخدع نفسك ؟ " سهام قبل المبدأ . وأمس تحدثتما فى الحب والمبدأ " . قال أحمد :
- " الأولوية فى هذا الريف لجسد المرأة . وأقول " جسد" لان الحب هنا ترف . ولا يعتنق الفكر المبدأ الا اذا ارتوى الجسد . المبدأ ثقافة وكسب والمرأة غريزة . ونحن نلد بغرائز لا بمبادئ . الاصل هو الجسد والباقى أعلاق وأحساك ".
وعندما قلت له اني لا ارى فى " سهام " جسدا فائرا فحسب ابتسم وقال : - أنت غر ورومنطيقى ... المثالية شبح الجسد الممنوع . ولا دخان يرتفع الى السماء دون نار . قل لى : ما الذى يلح على ذاكرتك من هذه المرأة ؟
قلت : - تلك اللحظات المشبعة بالاطمئنان . كنت اذا رأيتها قادمة أحسست أني اتمدد على مرج أخضر أو أركب طيف حصان ...
قال : - ما اتعبك الا الجسد ، الجسد اللعين. واندفع يصفر صفيرا حادا رددت صداه جدران القرية الوحشية.
" كنت و ." سهام " على البحر . "سهام" حمامة ملتهبة الجناحين ، نهداها النافران يضربان الموج . يزحف البحر ، شرسا غاضبا وعند صدرها الرحيب يكظم غيظه ويمتص زبده وينداح حول خصرها الرهيف كأنه فراء القطط الاليفة النائمة ."
" لا بد من مرور وقت طويل قبل أن تألف العين الظلام ويلتئم الجرح الراعف بالالم ."
هذا ساعي البريد يمر كعادته فى موعده المعهود ، هز رأسه بالتحيه المجهدة ومضي ! حقيبته تلوح من بعيد فارغة لا قيمة لها ، وخطواته المثقله تشى بالضجر لم يكن يدرك معنى مروره أمام بابي كل صباح . لا يرى فى ذلك سوى روتين تفرضه المهنة التى أكلت شبابه وأحنت ظهره.
-"لا شئ ، يا سيدى " . ما باله نسي أن يلقى جملته الفارغة المألوفه . مر صامتا ، متراخيا .
- "لقد اعيانى التحديق في وجوه الناس ، سيدى ، أنا رجل عجور ، وقريبا سأتقاعد لأتنفس واستريح . . خط ردىء لا تفك طلاسمه الا جنون سيدنا " سليمان" أسماء غريبة ، طوابع ، حبر وورق ، حوالات برقيات زواج ، برقيات وفيات . لم يتزوج الناس ويموتون واتعب أنا . . "
واكاد اصرخ فى وجهه المغضن : " سهام" ؟ لماذا خنقت الصوت الملائكى الى الابد ؟ وما تراه يعرف عن" سهام" ؟ امرأة نكرة تكتب اسمها وعنوانها على الجانب الخلفي من الظرف بخط متسرع وردئ . ومع الايام ستصبح "سهام" فى ذاكرتى نكرة ايضا، ولكنها نكرة كثيرة اللوعة . .
"وذاك المساء، امسكت يدى وحدقت في عينى عميقا حتى لفني الاغماء . ثم قالت: " دائما تسير الامور على هذا النسق : ستقول : سهام حب لا يعدله الا الموت . ثم ستقول : "سهام " فتاة رائعة ولكن الدنيا حظوظ . وسوف تقول: أتذكرها . ثم سوف تقول : هذا الاسم ليس غريبا على تماما . وسوف تنتهى الى القول : "سهام"!! من ؟ لا أذكر امرأة تحمل هذا الاسم " ومسحت دمعة تارجحت على الاهداب . كانت عيناها ذاك المساء مخضلتين كالبحيرات يغرق فيها المساء . وكانت أهدابها ذاك المساء غامقة السواد ، كثيفة ، معجولة بالدمع كسعف النخل المحمل بحب المطر.
وعندما اطمأن رأسها الموتور عند كتفي ملأني شعور قاهر بالعدم . تلك كانت بوادر الشعور بالغربة وبداية نهاية الاشياء . الاغنية التى كنا نسمع استحالت الى صراخ غريق والنغمات النشوى اكتنفها ألم لا حدود له" .
وكتبت لى " سهام حدثتني عن رجل جديد عرفته ذات يوم فى الحافلة كما حدثتني عن وحدتها وسألتني عن النساء فى الريف وعن لون عيني وطول قامتي وقياس حذائى ...
وكتبت اليها " رسائل من الريف " وحدثتها عن تلاميذى والصحراء والصمت والمبدأ . وسألتها عن حذائها الصغير وعن وقع خطواتها وعن معطفها الاصفر الجميل .
رسالتها الاخيرة كانت جدية أكثر من المعهود ، كتبتها بعناية فائقه واسلوب يبدو انه قد كلفها كثيرا من الاجهاد والبحث.
. ." كان المبدأ يزيدك رجولة ، وعندما كنت تتحدث عن الفقراء فى بلدنا كان وجهك يمتلىء بوهج صوفي مشوب بحدة جنسية . لكأنك احتضنت كل هموم كل الذين عاشوا معوزين منذ أن كان الانسان على الارض . وكنت انا ، مثل النساء في بلدنا ، خائفة أبحث عن رجل يحميني ويوفر لى الاطمئنان . ووجدتك لا تعتقد أنك الوحيد ، كان يمكن أن أتعلق بقاتل او لص ، المهم أن أجد من التجيء اليه حين يتحرك الخوف القابع فى أعماقى . ."
" لكنك اخترت تذهب إلى الريف ، ولعلك تذكر كلمتك التى كنت ترددها وأنا ألهث من أجل بقائك قربي . كنت تقول : اريد ان أعيش بين الفلاحين لأدرك معنى البؤس في العيون الجائعة . . . " . كان منطقك يثير سخريتى ولكنى أخفيت عنك مشاعرى . فالفقراء ، عزيزى ، يوجدون فى المدينة كما يوجدون في الريف . ولكنك أمعنت في عنادك . وكان العناد لونا آخر من ألوان السحر فيك ... فلم رفضت أن تبقى قريبا منى . لا أجد جوابا آخر عن هذا السؤال سوى انك أحسست بالغرق فى العادة وانعدام الحدث . . "
" أصارحك أني بدأت أتغير . اني امرأة فى عز الشباب وأشعر بالحاجة الى صدر عريض أغوص فيه عندما يزحف البرد على جسدى ويقصف الرعد فى ليالى الشتاء المظلمة . . "
" - ماجد الذي كنت حدثتك عنه في رسائل سابقة يبذل ما فى وسعه لكى يظفر باعجابي . انه رجل جذاب وقوى . عيناه الخضروان الشبيهتان بالشطان الليلية تشعان توقدا وعنفا رغم طيبته المفتعلة والحياء الذي يريد اضفاءه على شخصيته . اني على يقين انه فى أعماقه ثور هائج لا تملأ عينه امرأة واحدة. أمس ذهبنا معا الى السنما . كان المطر يغسل شوارع المدينة وبناياتها . الفلم كان شبيها بما يحدث بيننا هذه الايام ، سأروى لك قصته ولا تضع نفسك موضع الجلاد والضحية فى آن واحد . . .
" منح الجندى الروسى "فلاديمير " اجازة قصيرة بعد بطولات خارقة أنجزها على الجبهة . لم يكن أمامه الا اسبوع ومع ذلك فهو يجد نفسا مجبرا على العودة الى قريته " السيبرية " البعيدة ليرى حبيبته " كلارا " وبدأت الرحلة الطويلة الشاقة . ركب قطارات الجرحي المحجرة والشاحنات المحملة بالمؤن والبغال . ولما وصل ، وجد " كلارا " قد علقت على باب شقتها بطاقة كتبت عليها السيدة ديميتروف " . كانت قد تزوجت . . "
".. قد يخامرك أنني شعرت بالندم وأنا أتابع صور الفيلم الملطخة بالدم والسواد . نعم ، حدث هذا ، ولكن "ماجد " كان كثبان رمل شبيهة بتلك التى تصفها فى رسائلك امتصت كل أملاح الندم . . ."
" انى لا استطيع مصادرة عواطفى ، فهذا يفوق ارادتى . وكلما ازداد " ماجد " مني قربا بعد شبحك . أتعرف أنى أعجز أحيانا عن احياء تلك اللحظات السعيدة التى عشناها معا ، بل انى لا اقدر على استحضار ملامحك الا اذا استعنت بصور من صورك . . " .
سأكتب لك رسالة أخرى وربما اثنتين لاني لا أريد أن اقطع كل الجسور ولان اصداء الماضي وان بدأت تتنادى فانها ما زالت على كل حال اصداء ، ولان اللحظات الرائعة كالياسمين تفقد رائحتها ولكن يبقى منها فى الجو وهم العبير . أن الحياة السوية تفرض حدوث شئ حتى ولو كان خيانة . .".
عاد ساعي البريد من جولته الصباحية . كان الاندهاش يغطى وجهه المكدود وهو يلحظني جالسا حيث تركني منذ ساعتين . تحرك شارباه الكثيفان الابيضان بما ينم عن المشاركة والتعاطف . قال : - " لا شئ ، يا سيدى".
هذه اللاشئ تكبر ، تتسع ، تتحول الى بنزين يزيد في مساحة الحريق ولهيبه نطقها هذا اليوم بلهجة جديدة تماما . تعود أن يضغط حرفى اللام والشين حتى أشعر بهما ينزان فراغا وألما ولكنه ، هذه المرة أجهد عضلات فكيه فكاد يبتلع بعض الحروف ، وفارق آخر : تمهل فى التفوه بكلمة " سيدى" حتى رأيت شفتيه تنفرجان وتستديران وهو يخرج الكسرة . وصمت ، فلاحت السماء خلفه صافية ، موحشة الزرقة وامتد سكون الريف ثقيلا أبديا . قال :
- " وددت لو أحملها لك ، أقصد هذه الرسالة ، مثلك كنت أنتظر تقاعدى ، وهذا الصباح فقط اتصلت بالقرار . . "
أخرج من جيب سترته ورقة زرقاء ، فتحها ثم طواها دون ان يترك لي مهلة قراءتها . قال وهو يهم بالانصراف :
- " غدا اترك الحقيبة العجيبة والوجوه المحتقنة المتوترة ". نظرت فى وجهه . لم يكن صادق الفرحة كان ثمة شعور واحد يملأ ملامحه المتعبة : الشعور بنهاية الاشياء .

