صباح من أواخر سبتمبر ... نسمة باردة عذبة ... لعلها بادرة الخريف تزف الى أرض ناشفة غبراء ، شاقها الرى وقتلها الظمأ ؟ !
برد النسيم ومواكب الغيم أسرابا رمادية بيضاء تسير سيرا وثيدا منتظما ! وتلاعب الظل والنور يتتابعان ، يفترقان ويعتنقان حينا بعد حين .
عتمة خفيفة ! ما أحلى النور غربلته الغيوم ، صفته ، لطفت من حدته ، كسرت من عنفوانه وغلمته ، فاذا هو ناعم وادع ، سمح رقيق ، لين ورحمة ، سكون وطمأنينة .
كنت تخرج من بيتك فى متوع النهار فيتلقفك النور يصدمك يشد عليك شدا ، ويختطفك يلتف حولك كأنه اللجة العاتية من خضم زاخر جياش لا حد له . فتترنح لحظة ذاهلا قد بهرك وأسكرك الدفق حتى يضيق منك النفس والفضاء فسيح .
النور ! نور هائل لا يني يتوهج يلفح ويحرق ، يكوى وينضج ، أبدا ظامىء كأنه التنين المسعور يلتهم بلهب أنفاسه كل ما تقع عليه شفاهه حتى لتتساءل فيم هذا الفيض الغامر ، والتبذير الجنونى سرفا مجانا عبثا واعتباطا .
أف من هذا الصيف ! لقد طال وتمطى وجثم على الارض وغطها غطا الى غاية الاختناق والاغماء .
الصحو ! الصحو ! ما أثقل هذا الفراغ الممتد . . رواقا مقفرا . . صحراء من لهب ، الى اللانهاية .
سئمنا السماء صفيحة ملساء تطل علينا كل يوم بضحكتها الصفراء ! سئمنا سجن الحر تلهث فيه النفوس لهاثا رتيبا ، أو تخمد فيه استرخاء كالموت سباتا عنيدا !
ها قد ارتعشت الاشجار . . . كما لو أخذتها رعدة مباغتة . هي ذى تتمايل وتهتز وتنتفض رقصا عنيفا بديعا ، تنفشها الريح تقلب ورقها كل ناحية ، ترفعه ، تحطه ، تتلاعب به كيفما تشاء كأنه شعر الحسناء جدائل فى يد العاشق المفتون .
ويشتد لعب الريح ويغلظ فاذا هي تنقض على الشجر تغير عليه غوصا فتتخلله وتشوشه وتخرجه عن طوره حتى تميد أغصانه وتكاد تصافح الارض .
وتنسحب فجأة ورقة ذابلة متقلبة على الارض بسرعة وتتبعها أخرى فجماعة تطير أسرابا هنا وهناك الى غير غاية لا تنفك تطوف قد ملأ الفضاء بحشرجتها ، عليها ذلة المهمل وحسرة الفطيم ،
واذا النفس تنسجم عفوا وتندمج فى غمرة هذه السنفونية تنهل منها وتعب وتتجاوب مع كآبتها الرقيقة الحلوة تسرى فيها سريان الخمرة المزة حرارة مستجدة ، قوة وليدة طروبا .
ما امتع اللقاء بالطبيعة . . أنسا والتحاما ، ريا وامتلاء بعد الهجر والقطيعة ! هى ذى الارض تدعونا . . . نداء ملحا خفيا لنستقبل دورة جديدة من الحياة !
يا لبهجة الوصال لو دام واسترسل ! لكن مهلا ! أليست هى فرحة سابقة لاوانها ، حلما أو سرابا ؟ كيف انخدع بهذه الرؤيا التى قد تنقطع وتتهافت فى طرفة عين ؟ من يدرى ؟ قد تتبخر هذه السحب وتذوب ويسطع النور وهجا لا يرحم ولا يذر .
لا بأس ! هذه اللذة المهددة هي التى تعنيني بالذات ، هذه النشوة يكتنفها بل يكاد يلتهمها الشك ما أشهاها الى نفسي !
شد ما أتذوق هذه اللحظات الفريدة يزيدنى شغفا بها ولهفة عليها أنها قد نكون مجرد لحظات عابرة ، معدودة ، وإنى لأنساق معها مطلق النفس سادرا كالعاشق الأعمى أتحسس مفتونا هذا السمط الذى توشك أن تنتثر حباته وتضيع .
أليست هى صورة من الحياة ذاتها ، من الوجود كله . . سحره فى خفائه وغيبه ، وحياته فى فنائه ؟ !
