قرأنا ، والفرح يغمر قلوبنا ، فى (( مجلة المنهل )) الغراء - ذلك النبأ العظيم ، عن تأليف لجنة من الشخصيات البارزة وذوى المكانة العلمية والأدبية المرموقة بمكة المشرفة ، مهمتها القيام بانشاء شركة لنشر مخطوطات تواريخ الحرمين ؛ من طبع وتصريف ودعاية بحق ، الى معرفة اخبار البلدتين المقدستين ؛ وذلك برئاسة العلامة المحقق والبحاثة المدقق ، فضيلة الشيخ محمد بن مانع مدير المعارف العام ، الذى يمتاز بحسن الشمائل ، وحميد الخصال ، والذى هو اكبر نصير للعلم وأهله ، والذى يقر له الجميع بتواضعه الجم ، وبشره ولطفه .. ولئن كانت هذه اللجنة المحترمة فى بدء تكونها فانها برهان ساطع على النهضة المباركة من الناحية العلمية والأدبية والفنية ، فى هذه المملكة الفتية ، وإن لجنة قوامها هذه الشخصيات المحترمة الجديرة بكل تقدير وإكبار ، وحرية بالنجاح والتوفيق بأذن الله تعالى وفى خطواتها الأولى ما يبشر بتحقيق الامل وحسن النتيجة ؛ وانى أتشرف أن ألفت نظر هذه اللجنة المباركة الى امرين مهمين : (( الامر الاول )) ان تجعل فى كل تاريخ تتولى طبعه رسوما فتوغرافية للأماكن المقدسة والمواقع المهمة والبلدان المشهورة بشكل مفصل موضح ، زيادة فى بيان الحقيقة ، على أن تنبه فى مقدمتها لكل كتاب ان الرسوم الفتوغرافية هى من وضعها هى ، لا من عمل مؤلف الكتاب .
وعندى صور فتوغرافية فريدة لشكل الكعبة المعظمة لكل بناء من بناياتها ، ولخريطة المسجد الحرام تتبين فيها مساحته ، والزيادات الثمانى التى وقعت فيه ؛ مع بيان تواريخها - كل ذلك من عملى على اساس التحقيق ، ومراجع كتب التاريخ المعتمدة ، وانى اتشرف بتقديمها لطبعها فى الكتب التى تقوم بنشرها إن رغبت فى ذلك .
(( الامر الثانى )) حبذا لو جعلت الشركة فى اوائل مطبوعاتها كتاب (( إفادة الأنام بذكر أخبار بلد الله الحرام )) لمؤلفه الشيخ عبد الله بن محمد الغازى الهندى المكى رحمه الله ، المولود بمكة سنة ١٢٩٠ ه او واحد وتسعين والمتوفى فى الخامس من شهر شعبان سنة ( ١٣٦٥ ) ه ، لأن تاريخه هو من أهم التواريخ و أوسعها وأحدثها فمؤلفه رجل معاصر وقد كتب الى أيامنا هذه ، فيعد تاريخه جديدا ، وهو يشتمل على كثير من الاخبار والحوادث فيبحث عن فضل مكة ، وتعظيم الحرم وأخبار العمالقة وجرهم ؛ وجميع ما يتعلق بأمر الكعبة من بنائها وكسوتها وهداياها والمطاف والحجر الاسود والمقام وزمزم والمسجد الحرام والزيادات التى وقعت فيه ، وما احدثه الملوك والسلاطين فيه من العمارات ؛ وجبال مكة ومساجدها وآبارها وعيونها ، وطرقاتها واربطتها ومدارسها ومقابرها ، وما وقع فيها من الامطار والسيول والصواعق والرياح الشديدة وما كان بها من الرخاء والغلاء، والقحط والوباء ؛ وما كان يؤخذ من الحجاج والتجار من المكوس والعشور ؛ وإبطال ذلك . ومن حج من العلماء والملوك ومبراتهم وصدقاتهم بها؛ وذكر أمراء مكة من بدء الاسلام الى اليوم وما وقع من الحروب وتغير الدول وحدود بلاد العرب وذكر بلاد اليمن وبلاد عسير ، وخبر السيد الادريسى ، وذكر بلاد البحرين وأمرائها ، والكويت. وأمرائها ، وذكر آل الرشيد وذكر نجد وما فيها من البلاد والقرى والنواحى وترجمة جلالة الملك عبد العزيز آل سعود وآبائه الكرام ، وذكر أنواع العرب ودياناتهم وأخلاقهم وأنكحتهم وأسواقهم فى الجاهلية - الى غير ذلك من المباحث التاريخية المهمة .
وقد سبق (( للمنهل الأغر )) ان نشر عن حياة مؤلفه فى نبذة لطيفة فى الجزء العاشر لعام ١٣٦٥ه وهو عام وفاته .. ولأنى اطلعت على ترجمته التى كتبها بنفسه ؛ فقد كان جارا لنا فانى اترجمه هنا أيضا باختصار فأقول : إنه دخل المدرسة الصولتية التى هى اولى مدرسة أسست بمكة المشرفة بعد أن
حفظ القرآن الكريم وقرأ مبادئ النحو والصرف ؛ فقرأ بها جميع العلوم الشرعية والعربية ، كما قرأ خارج المدرسة كتب الفقه وكتب الحديث على مشاهير العلماء واجتمع بكثير عن افاضلهم وأخذ عنهم الاجازات وقد ذكر اسماءهم فى ترجمته فلا نطيل المقال بسردهم .
وللمذكور عدة مؤلفات ؛ منها تاريخه ((افادة الانام بذكر اخبار بلد الله الحرام )) وهو فى اربعة مجلدات ؛(( ومجموع الأذكار من احاديث النبى المختار )) . و (( رسالة فى ذم اللعب والملاهى )) ورسالة (( فى الفرائض )) . ورسالة (( فى ذكر اساتيذ السيد حسين الحبشى العلوي )) (( وتنشيط الفؤاد من تذكار الأسناد )) وكتاب (( نظم الدرر )) وفيه تراجم العلماء الافاضل الذين توفوا بمكة من القرن العاشر الى القرن الحادي عشر الهجرى ، وذيله (( نثر الدرر )) وفيه تراجم علماء القرن الثالث عشر والرابع عشر الى زماننا هذا من الموجودين بمكة المكرمة .
ولقد كان الغازى رحمه الله تعالى يكتب ما يؤلفه بخط يده ؛ ويحب العزلة ولا يخالط الناس ؛ وكان صالحا صدوقا عفيفا ، قليل الكلام لا يدخل فيما لا يعنيه ؛ ولم يترك مطالعة الكتب حتى نهاية حياته ؛ وكان قد فرض على نفسه فى كتابة تاريخه : إفادة الانام ، كل ليلة جزءا لا ينام حتى يكمله .
وهذا نظام دقيق فى العمل لا يقدر عليه كل مؤلف ؛ فهذا اشبه بتدوين المذكرات اليومية ؛ وكان يتعيش بكسب يده ؛ وقد سافر الى مصر فى سنة ١٣٤٥ ه ونزل ضيفا عندى بالأزهر حينما كنت طالبا به ومكث معى نحو ثلاثة اشهر ثم رجع الى مكة ؛ توفى رحمه الله وله من العمر سبع وسبعون سنة ؛ وخلف ثلاثة ابناء اكبرهم صديقنا الشيخ عبدالرحمن الغازى .

