انه احد شعراء المهجر ، ولد فى قرية المحيدثة من لبنان سنة ١٨٩٠ م وتوفى سنة ١٩٥٧ . عاش حياته مهاجرا بالولايات المتحدة الامريكية ، بعيدا عن وطنه ( لبنان) فكان بلبلا غريدا نظم من الشعر اغاريده الحسان وقلائده الروائع وهو بحق احد رواد المدرسة الرومانسية . أحدث " تجديدا فى الكلمة الشعرية . " جعلها تتسع لمضامين الحياة الاجتماعية والفكرية والنفسية من غيران تخرج عن البساطة والوضوح " . من آثاره الشعرية الخالدة : " الجداول " و " الخمائل " و " تبر وتراب ".
" الشعر الذاتى مرآة تعكس نفسية الشاعر ليس من شك ان الشعر الذاتى هو منهج رومانسى النزعة وهذ اللون من الشعر مرآة صافية تعكس نفسية الشاعر ، وتصور خوالجه واحاسيسه وآماله وامانيه ، وكلها يعتمل فى سويداء قلبه ، أصدق تصوير واحسنه . وبين يدينا الآن قصيدة ذاتية للشاعر بعنوان : " أنا " ؟ مطلعها :
حر ومذهب كل حر مذهبى
ما كنت بالغاوى ولا المتعصب
انى لأغضب للكريم ينوشه
من دونه وألوم من لم يغضب
وأحب كل مهذب ولو انه
خصمى وارحم كل غير مهذب
هذا جانب من مذهبه فى الحياة ، وهو من الوضوح والبيان بمكان . . بقيت هناك جوانب اخرى للموضوع سنحاول استعراضها شيئا فشيئا فى هذه العجالة بقصد ان نعطى القارئ الكريم صورة متكاملة الجوانب عن مذهب ايليا هذا حتى يسلم القارىء بفلسفة
الشاعر فى مذهبه . هناك استمع اليه منشدا عن نظرته وما يراه فى كل ما يبهر العين المجردة منظره ومرآه :
انا لا تغشنى الطيالس والحلى
كم فى الطيالس من سقيم اجرب
عيناك من أثوابه فى جنة
ويداك من اخلاقه فى سبسب
واذا بصرت به بصرت بأشمط
واذا تحدثه تكشف عن صبى
وهو فى هذا المعنى يماثل الشاعر على الجارم بك على ما أذكر حيث قال :
كم رأينا فى الناس من يبهر العين
وما فيه غير حسن ثيابه
يملأ الارض والسماء رياء
وعيوب الزمان ملء اهابه
وذلك من قصيدة مطلعها :
مل من وجده ومن فرط ما به
وأراق الشراب من أكوابه
وقد قالها فى رثاء قاسم امين ان صدقت الذاكرة .
" عود على بدء " نعود بعد هذا الى القصيدة المار ذكرها آنفا انها سبيلنا الى اطلاعنا على ما قاله عن صلته باصحابه ومبدئه فى معاملته لهم وموقفه من نازلة اذا مانزلت بأحدهم وكيفية تقبله لمساوئهم ومدى ١ ذلك فى نفسه ، فله فى هذا كله منهج و دى وقول ، حيث يقول :
انى إذا نزل البلاء بصاحب
دافعت عنه بناجذى وبمخلبى
وشددت ساعده الضعيف بساعدى
وشددت منكبه العريض بمنكبى
وارى مساوئه كأنى لا أرى
وأرى محاسنه وان لم تكتب
وألوم نفسى قبله ان اخطأت
واذا اساء الى لم اتعتب
متقرب من صاحبى فاذا مشت
فى عطفه الغلواء لم اتقرب
وهنا نريد أن نقف برهة تجاه قوله :
متقرب من صاحبى فاذا مشت
فى عطفه الغلواء لم اتقرب
هذه هى اذن وسيلته فى تباعده من صاحبه او صديقه فهو من اجل رابطة الصداقة التى تجمعه بصديقه ، يتحمل فى سبيل ذلك كل اساءة قد تصدر منه اليه ، معترفا بحماسته . وان كانت لا توجد له محاسن ، ولكن مع قوة هذا الاحتمال لا يطيق ان يتقرب الى صاحبه اذا لاحظ الغنواء بدأت تتسرب الى عطفه ويقصد بها الخيلاء والغرور اعاذنا الله منهما .
" لقاء الشاعر بصحبه " يجدر بنا ونحن هنا نتحدث عن الشاعر ايب أبى الحمى - أن نشير الى ناحية هامة تلك هى ان هجرته الى الولايات المتحدة الامريكية وعيشه بعيدا عن الأهل والأحباب
كونت له آلامه النفسية ، وان كان هذا البعاد قد اذكى وألهب شاعريته الفذة بغرر الشعر ودرره نتيجة لتشوقه وتعطشه الشديدين الى وطنه وذويه ، فسكب شعرا اشجى وأفتن ، وسر وأحزن ، كانت من لمراته هذه الثروة الشعرية التى خلفها ، بعد ذهابه .
وليس أدل على ما كان كابده وعاناه فى غربته من ألم النوى والبعاد وجروحه النفسية - مما كان قاله عند لقائه صحبه من اللبنانيين من قصيدة بعنوان : " الرأى الصواب " استهل قصيدته هذه بقوله :
يا نفس هذا منزل الاحباب
فانسي عذابك فى النوى وعذابى
واسترجعى عهد البشاشة والرضى
فالدهر عاد تضاحكا وتصابى
ما أجمل هذا الشعر ، لغة سهلة ومعنى جميل ، وبيان حسن الاداء ، يستهوى الأذان عند سماعه ، ويأخذ بمجامع القلوب ترديده ، والتغنى به لروعة ورقته . وهذه السهولة وذاك المعنى والبيان - ممثلان فى شعره وانت هنا تدرك هذا بكل وضوح مما تقدم . وقصيدته هذه غنية عن البيان ، فقد تحدث فيها الى نفسه ، حديثا مفعما بالغبطة بهذا اللقاء حيث كادت الفرحة البالغة تطفح على شعره ، لتروى عنه مبلغ تأثره فهو لم يتمالك ان يشير لنفسه منها اياها فى مستهل حديثه معها بان المنزل الذى تظله سماؤه الآن هو منزل احبابه الذين طالما تمنى الاجتماع بهم ، فكان له ما تمنى ، ولكن بعد فترة طويلة من الزمن . ولهذا فهو يدعوها هنا بمناسبة وجوده بهذا المنزل بين ظهرانى اجابة على الخصوص ، ان تنسى فى هذه المحطات الحالة ، ما كان سبق ان كابدته وكبده
من جروح وآلام ، ليتمتعا بفرحة اللقاء السعيدة بالاحباب فى هنا ، وصفاء لا تشوبها شائبة من آثار النوى الماضية ، تكدر عليهما لذة الاستمتاع ، كما يرغب اليها من جهة اخرى فى ان تسترجع عهد البشاشة والرضى وأيام الانشراح والسرور وعهد الشباب والفتوة . فالشباب دوما يحمل بين دفتيه زهر الحياة وبهجتها وأريجها الشذى العاطر . ان أيامه هذه وفى غمرة لقائه باصدقائه ، تماثل فى رأيه ايام شبابه وفتوته صفاء وأنسا وهو يود من نفسه استرجاع ايامه الخوالى فى فتوته شبابه ليشعر بمدى فرحته هنا . فالدهر كما قال عاد تضاحكا وتصابيا .
واعرابا منه عن المدى البعيد لغبطته بهذه اللحظات السعيدة قال :
انا بين احبابى الذين أحبهم
ما اجمل الدنيا مع الاصحاب !!
لا ريب في ان الفرح باجتماعه باصدقائه كان بالغا جدا وربما كان مرد الفرح الى ان النوى قد طالت به كثيرا جدا ، وإنه كان يحيى حياة لم يكن راضيا عنها
كليا ، فنفس عن مكنون صدره فى هذه المناسبة فقد كان مثله مثل الطائر الحبيس دواما ولا اختيار له فى الحبس الطافر :
قد كنت مثل الطائر المحبوس فى
قفص ومثل النجم خلف ضباب
يمتد فى جنح الظلام تأوهى
ويطول فى اذن الزمان كتابى
وأهز اقلامى فترشح حدة
وأسى ويندى بالدموع كتابى
حتى لقيتكم فبت كأننى
لمسرتى استرجعت عصر شبابى
ولعل هذا ما يؤيد ما ذهبنا الى الاشادة اليه . . وهكذا كان تصوير الشاعر لمشاعره وعواطفه الجياشة بهذا اللقاء - تصويرا حارا صادقا تشعر بحرارته وصدقه وانت تقرأ قصيدتيه الذاتيتين . . ولولا ضيق المجال لجئت على كل ما جادت به قريحته فى هذا الصدد ولكننى اكتفى بهذا القدر مما اوردته على اعتبار ان شعره كله ممتع ورائع فى مجمله ومفصله .

