شاعر العرب الكبير أو شاعر القومية العربية فى هذا العصر الحديث ، منذ ان أتيح لهذه القومية العربية ان تظهر فى الوجود ، كفكرة استقلالية تقدمية . . ذات مبادىء وأهداف وخطط . . شأنها فى ذلك شأن غيرها من الحركات القومية الاستقلالية الأخرى ..
شاعر العرب الكبير ، او الشاعر الأول بين جماعة الشعراء الأحرار ، اولئك الذين طالما غنوا على وبر الدعوة الى حرية الشعوب العربية ، وطالما هتفوا باناشيد الاستقلال وأهابوا بالعرب جميعا - على اختلاف الديار - الى وجوب التحفز والنهوض ، والى السعى الحثيث المتواصل لبناء حياة جديدة صالحة . . حياة تليق بامة عظيمة كالأمة العربية ، حياة ذات طابع خاص هو طابع الكرامة . . وذات مطلب واحد هو الحرية والاستقلال !
شاعر العرب الكبير ، أو شاعر القومية العربية ، او الشاعر السياسي المرموق بحق الذي بشهد له شعره السياسي الذائع بكل هذا الذى نقول . . والواقع ان السيد فؤاد الخطيب ، يقف مرفوع الرأس ، كشاعر سياسي واجتماعي من الطراز الأول ، الى جانب الأوائل من اعلام الشعر السياسى والاجتماعى فى هذا العصر . . الى جانب " احمد شوقى " و " معروف الرصافى " و " حافظ ابراهيم " !
فى الحفلة التى اقامها فى الشهر الماضى احتفاء بسمو ولي العهد المعظم سعادة الأستاذ محمد سرور الصبان ، استمع الحاضرون الى الشاعر الكبير ، وهو يلقى شعره الرائع فى تحية الضيف الكبير ، فما كنت تحس الا إعجابا من الجميع ، صادرا من اعماق القلوب .
وما أروع شاعر العرب الكبير حين بدأ قصيده بقوله :
من مهبطا لوحي ، حول البيت والحرم تبترى البشائر من خير ومن نعم
والدار قد شهد العهد الجديد لها بالفجر منبلجا ، عن نهضة عمم
فبت من روعة الآثار اشهدها فى حيرة ، وكأني كنت فى حلم
فالبر يترعه العمران منتشرا كأنما البر غير البر من قدم !
وهكذا ، الى آن يقول :
ومن اراد " حياة الشعب " جد لها ومن أراد " نهوض الشعب " لم ينم
أجل . أيها الشاعر الكبير ! ما اروعها من حقيقة تقال فى مثل هذا المجال . بل ما اروع " الحقائق " حين يتلقاها السامعون والقارئون مياسة في ثوب من الفن الرفيع او حين تبدو أمامهم مزهوة فى بيت من الشعر الصادق الجميل !
وان احسن بيت أنت قائله بيت ، يقال . إذا انشدته : صدقا !
وإنه لأحدى الحقائق الكبرى . هذا الذى تعنيه من إرادة حياة الشعب ، وإرادة نهوض الشعب ، وما ينبغى لهما . . فما من انسان ينكر ذلك ، ابدا !
إذن . . ما سر الأبداع فى هذا الذى أسمعتنا إياه ؟ !
إنها " دولة الشعر " او " عبقرية الشعر " تستطيع وحدها أن تحيل ما يسمونه " الحقائق العادية " الى " حقائق غير عادية " وهي حينئذ آحرى ان تبدو للسامعين او القارئين ، أكثر وضوحا وإشراقا ، وأكثر روعة وقوة . . ومن ثم اقوى تأثير فى النفوس
وهذا الذى افصح عنه اليوم شاعر العروبة ، هو نفسه ما طالما عبر عنه فى مختلف المواقف وهو نفسه ما لهج به فى شعره منذ أكثر من اربعين عاما . . فالروح هي الروح ، علوا وسموا ، والنزعة هي النزعة قومية وعروبة ، والهدف هو الهدف ، من
حيث اهتمام الشاعر اهتماما وجدانيا خالصا بكل ما يمس حياة بلاده العربية اسمعه فى أولى قصائده فى الجزء الاول من ديوانه ، وهي " بعنوان آمال وآلام " يقول :
رفعت صوتي ، فهل من يشرئب له أم غفلة بعد هذا الصوت ، أم صمم ؟
لم أخش من جاهل يبدى نواجذه غيظا ، وان كلمته ( ١ ) تلكم الكلم
لكن أرى امة فى اللهو سادرة وخير ما يستفز " اللأهي " الألم
وأقتل الداء ما تفضي مجاملة عليه والضعف يخفيه فينكتم
غدا يقولون " رجعي " وكل فتى في العرب يرجو نهوضا فهو متهم
ذرهم وان جازفوا فى الحكم وافتأتوا فلست إلا الى شيئين أحتكم
الى " الضمير " الذى لم يغشه دنس الى " الفؤاد " الذي لم يعره سقم
ففي هذه الأبيات الطليقة هذه الأبيات المتسمة بروح الحرية والصراحة والأخلاص المحض للأمة . . وفى غير هذه الابيات ايضا مما سيأتيك لن ترى من شاعرنا الخطيب سوى ذلك الشاعر العملاق . . ذى البزعة العربية المتحررة ، والذى لا يعنيه أن يحتكم سوى الى ضميره النقى ، والى فؤاده الصادق الحب لبلاده العربية هذه هي روح الشاعر متجلية دائما فى كل ما ابدعه من شعره فى الماضي والحاضر وهذه هي نفس الروح المتوثبة فى شعره الذى أسمعناه أياه أخيرا فى حفلة تكريم الأمير الجليل .
واستمع اليه فى قصيدة اخرى من قصائد ديوانه الاول يقول فيها مخاطبا قومه العرب ، فى عهد بعيد لم يبلغ فيه الوعي القومي ما بلغه الآن :
فيا قوم ، هل للعرب فى الشرق نهضة فانى اخشى ان تجاوزنا غدا ؟ !
وهل لعيوني قبل - . ان ترى فتى عربيا يأنف الذل مقعدا ؟ !
يرد على " أم اللغات " جلالها ويجعل للمجد الطريق معبدا ؟ !
مد الله فى عمرك ، ايها الشاعر الكبير ، حتى ترى امتك ، العربية فى ازهى عهودها ، وانها لسائرة فى هذا السبيل ان شاء الله !
وكأنما كان ذلك الداء العضال ، داء الحزبية ، العقبة الكادآء فى طريق العرب ، حتى فى مراحل جهادهم الأول . . ولم لا ؟ والبشرهم البشر فى كل زمان ومكان . وهذا ما حدا بشاعرنا ان يقول فى نبرة واضحة من الالم والأشفاق :
ولي أمة حاولت ضم شتاتها فلم ترد " الأحزاب " . الا تمردا
أهبت بهم أن يرفقوا ، فتفرقوا . وقد ضربوا لي " ليلة الحشر " موعدا !
أرى العرب شعبا كلما غالب الكرى سقته دهاقين السياسة مرقدا
وفي وقصيدته الثائرة بعنوان " اين الرجال واين الاسطول ؟ " تراه يقول :
لم يغن تحذير ولا إغراء فقد استوى الأموات والاحياء
إلى صرخت فلم يكن الا صدى مرت به الأرواح والأنواء
يا قوم ما هذا الجود فحسبكم إن الجمود إذا استطال " فناء "
الله اكبر هل جهلتم أنكم نهب القوي ، وانتمو ضعفاء ؛
ساد التنازع فى البقاء فلم يعد فيه لمن نبذ الجهاد بقاء
إلى ان يقول :
ان الرزية أن تكون بلادكم بيد الغريب وانتم الغرباء
وفى هذه القصيدة نفسها يشير الشاعر الى فكرة تعزيز السلام - واظنك ستقول ، بعد ان تتأمل الأبيات التالية ، أنه انما قالها فى هذه الايام ، او فى هذه الأعوام . لأنها تصوير وأي تصوير للواقع الحاضر فى عالم ما بعد الحرب . . ولأنها تدلنا على أن نغمة السلام ، نغمة قديمة . . ولأنها تزيدنا ايقانا بالكلمة المأثورة " التاريخ
يعيد نفسه " وهذه هي الابيات :
هتفوا بتعزيز السلام ، وإنما هي خدعة يرضى بها الجهلاء
افلم تروا سفنا تنوء بجهدهم ضاق الفضاء بها وغص الماء
ركبوا البخار فادركوا . ما املوا سيان ارض عندهم وسماء
ثم فى قصيدة " الامتيازات " يقول مخاطبا الشرق :
أيها الشرق أنت فى خدمة الغر ب ، كما يخدم اليتيم الوصيا
فهو يمتص من دمائك ما شا ء ، وقد عز ان تراه . رضيا
ايه يا شرق ! حان ان تتفانى فى المعالي لا أن تكون دعيا
أفنجني منك القتاد ولكن يجد الغرب فيك زهرا جنيا ؟ !
وبعد فان هذه النماذج القوية الحية من شعر السيد الخطيب . لست اراها تعطى سوى صورة مصغرة جدا عن هذه الشاعرية الفذة ، وقد لا تكون هذه النماذج اجود ما حواه الديوان الأول للشاعر ..
فهل آن الأوان لكى تحظى المكتبة العربية بالاجزاء الأخرى من " ديوان الخطيب " ؟
ذلك ما نرجوه : ويرجوه القارئون جميعا - على ما نعتقد - من شاعرهم العربي الكبير ! ( ١ )
