بدت السحب فى السماء فى ذلك اليوم الكئيب المتملص من قبضة الشيطان ، بدت كالحة ، سوداء توصم وجه الصباح المغيم بنذر الشر والابادة .
عصفت الرياح حينا وهي تحاول ان تقول شيئا ما . لطمتها عواصف الجماهير الهائجة ، فاستكانت وجلة ترمق بوادر الهزيمة بصمت . ها هو الشعب الجائع يخرج الى الشوارع صارخا مهددا . الرعية تتحدى . تعلن العصيان على الكهنة ولصوص المعابد .
زلزلت الارض الثكلى ، وخرجت المردة من أوكارها تحصد الرعب فى مواسم الغضب تكدست السحب في مكان قصى من سمائها . اختفت الرياح نافرة من الهدير الثائر الذي لم تلمح مثله قبلا . لم يبق غير الصفيع يشك جسم النهار الحزين يجلد الجموع المنطلقة من قمقم الخضوع والاستسلام .
زحام ، عربدة ، امان دامية ، شرنقة طموحات.. وجوه قضمها الضيم . عيون حاقدة قررت التمرد على الظلم والاستغلال وقد سلخ سوط الجوع جلدها فاندفعت غاضبة ، ناقمة تخوض المعركة .
تتجة الحشود نحو المعبد يدفع خطاها الغضب والنار والخراب . تواصل المسرة الجنونية بغل شرس والحناجر تهدر بعد طول كبت ومعاناة ..
" يسقط الظلم " " يسقط عدو الشعب غاصب الاموال والنفوذ " " الموت للكاهن الاعظم حامى اللصوص " " الموت للكهنة العابثين .. "
رحل الصقيع . اشتعلت النيران فى اجسام والبيوت والمزارع . شهقت الالهة محتجة غاضبة من سفالة الرعاع ، ثم ارتكنت الى السكون وقد رسم العجز والوهن خطوطا قاتمة فى افقها الضبابى .
تزاحمت الجموع امام المعبد المقدس ثائرة ، تائهة الخطى . ضائعة المصير ممزقه القرار . اختلطت الاصوات متوعدة ، مزمجرة لفها الصخب ولا يبارحها الشغب .
هتف صوت انطلق اخيرا من حبه ووجد فى الانطلاق لذة تجاهلته سنينا وتقابلا بعد طول عناء :
- فلنحرق جميع المعابد . نحطم كل الاصنام . الموت للكهنة اللصوص . الموت لمصاصى دماء الشعب .
أجاب صوت آخر أكثر مرارة وتذمرا :
- نكون او لا نكون . نعيش أو لا نعيش عند هذا السؤال توقفت الحياة بنا وما استطعنا مجابهتها .. وهذا الكاهن العجوز الذي يتلاعب بمصائرنا إلى متى نحرق بخور الطاعة والخضوع فى معبده المدنس ؟ الاصوات كثيرة والافكار متضاربة وعديدة ، لكن الغاية واحدة . والرغبة واحدة والامل لا يتغير ، العدل الحق .. العيش بكرامة ..
- انه يوم الحق .. الويل لمن ينحنى ثانية لنزوات كاهن مخبول .
- افتكت اراضينا باسم الالهة . وسلبت اموالنا باسم القرابين فاذا بنا نحن القرابين الحقيقية رحنا فداء لعبث الطغاة .
- الالهة بريئة من عمليات النهب والسلب التى يقومون بها . الكاهن الاعظم وعصابة الرهبان هم سبب فقرنا وتعاستنا .
- لذا ستكون الضربة القاضية على رؤوسهم . اموالنا تنفق سوا على العشيقات هم يخدعوننا بالصلوات وما تسمح به الالهة وما يمنعه الارباب .
- تجبر الكهنة متسترين خلف الالهة فكثر الاعتداء والاختلاس وما عادت لنا قوة على الاحتمال . كاد ان يقضى علينا بالاكل مرة فى الشهر . يا للمهزلة !
. العصيان ، هذا ما بقى . المعابد تزخر بالخيرات ونحن جياع 644 68
قالت لحية بيضاء يتحسر الشيب فى حناياها :
- تنادون بالتمرد وبعد ساعات لن نلمح الا التقهقر . الحقيقة سوس الجبن والطاعة نخر عظامنا صرخ اكثر من صوت :
- اللعنة على النفوس المتخاذلة .. آن للمهزلة ان تنتهى
الهمسة تصبح صرخة . والصرخة شرارة توقظ النفوس الميتة والهمم الخاشعة دوما للخشوع فهل من جسارة تعيد العدل والكرامة بعد الوهن ؟ الحق هناك في نهاية الطريق . والطريق وعرة ، صعبة كثيرة السهول والمنحدرات لكن لا بد من لحظة للوصول والا لما استطاعت الحياة ممارسة سطوتها لقرون مضت وقرون آتية ضربات قاسبة تنهال على ابواب المعبد الكبير . الحجارة تتساقط على الجدران . الاصوات تزأر والعرق يسيل على الاجسام النازفة بالتحدى . اندحر صقيع القمع وبدا قيظ الامانى طاغيا مستبدا يصهد الابدان والارواح . بريق الاعين يقول لا للاحباط ، لكن فى الجو مرارة غريبة ترشح بالشك والتمزق ...
صرخ الكاهن الاعظم وعيناه تشتعلان غيظا ونظراته القلقة تتسكع وسط القاعة الفسيحة تتساءل بذعر عما يجرى فى الخارج وقد انكمش جسمه الضئيل الملقى فوق كرسيه الفخم المرصع بالزمرد والياقوت ، وازداد ضمورا وارتعاشا . بصوت ضجر يهتف :
- أيها الراهب ، ماذا يحدث فى الخارج !؟
قال الراهب والخوف يقفز من مقلتيه ، يتنقل بين ملامح العجوز الغاضب المتمسك بحافة كرسيه بعناد مجنون ، وبين الاله الجاثم قبالته وقد تدلى بطنه بسخرية شريرة :
- كما ترى يا مولاى .. هذه انتفاضة الرعاع تهدد امننا
- خيانة ، مؤامرة دنيئة تود الاطاحة بمقدساتنا
- بل بمصالحنا يا مولاى .
- لا تتكلم عن المصالح جهرا ايها الاحمق ، بل قل مقدساتنا . اربابنا . معابدنا .
- معابدنا أين هى واأسفاه ، انها تتحطم بيد الرعاع .
- لا لن يكون هذا وانا على قيد الحياة
- بل هذا ما كان يا مولاى . انظر الى الافق .. النار هناك تحرق المعابد ، تلتهم المحاصيل . تنهب ممتلكاتنا . تتحدى الالهة .
- اذن ، ضاعت مصالحنا وانتهكت هيبتنا .. الويل للمتوحشين .
- الاموال والمجوهرات والتحف محفوظة فى مكان امين . والمعبد محصن لن يتجاسروا على اقتحامه وقداستك فيه ، لكننى خائف يا مولاى .
- لقد اعتدوا على أموالى .
- المهم لن يجرؤوا على التعرض لذاتك المقدسة .
الكاهن الشيخ يلهث متقطع الانفاس يعدو نحو العرش محتقن الوجه ، ممزق الثياب وقد تفاقم ارتباكه وذعره . سجد امام الكاهن الاعظم وكل ما فيه يئن ويتوجع :
- هربت الآن من الجحيم . الشعب جائع ايها الكاهن الاعظم ، لابد من اسكانه بهبة ما قبل ان ... الكاهن الاعظم يصرخ مقاطعا :
- بل مؤامرة لئيمة تدفع بهم لا الجوع
- فتحوا اعينهم . كفروا بالارباب والطقوس والاديان وجميع معتقدات اجدادنا . الويل لنا ان لم نواجه الموقف بحزم .
- شعب جاحد ، كافر يستحق الموت . الكلاب اقتلوها حيث تجدونها .
- الكلاب بدأت تعض يا مولاى .
- اقتلعوا اسنانها . رائحة المؤامرة تزكم انفى . اكاد المح وجه ذاك الراهب الاصلع يرمقنى بعينية الخبيثتين وسحنته المقطرة دهاء . اقسم انه خلف هذا الخيانة .
- ما كان يجب ان تطرده من المعبد وتحرمه من نصيبه من الغنائم . كنا نستطيع ان نتقى شره يا مولاى .
- شبع ونسى حجمه وبدأ يزاحمنى فى السلطة فكان لابد من ردعه .
- والآن ، الكلاب ثائرة .
- لها السوط . اجمع الرهبان والكهنة وجميع الموالين لنا وليكن السوط وسيلة التفاهم بيننا . هؤلاء الكفرة يتمردون على الآلهة .
تقدم راهب نحيف واجم النظرات . قال بصوت ضعيف نكرته الارباب ونفر منه الكهنوت :
- مولاى هل اضئ الشيموع واحرق البخور كى اطلب حماية الالهة ؟
صرخ العجوز المرتعش الاطراف الجالس بغطرسة فوق العرش :
- انا الاله ، لا اله غيرى ايها المغفل . لا احد غيرى . فليعلم بذلك جميع الحراشيف والرعاع والسفلة .
لن يعبد بعد اليوم سواى .
هتف الكاهن الشيخ بغل مكبوت :
- اننا محاصرون يا مولاى فما العمل ؟ ها نحن عند مفترق الطرق بين التحدى والاستسلام . بين التقدم والانهيار تسخر منا القوة ويتلاعب بنا الهوان .
- سأخرج لمواجهتهم . سأرى ما هم فاعلون .
وقع الحارس ارضا وهو يسمع ما قاله الكاهن الاعظم مجنون السلطة والتحدى . قال وقطرات من الدم تسيل من انفه المفلطح :
- بحق الارباب ايها الكاهن الاعظم لا تفكر فى ذلك .. انها الكارثة .
- هل من جديد فى الخارج ؟
- فتحت جهنم ارحامها . انكسرت السلاسل وتفككت القيود وخرجت الابالسة بلا رادع ولا وعى .
- ماذا يريدون ؟
- الرغيف يا مولاى
- تبا لهذه الامة الجائعة كم اخجل من الانتساب اليها . هل كتب على ان اكون اله الجائعين ؟ 71 647
لو عرفوا بمدى تنازلى اذ قبلت اكرامهم بعبادة ذاتى المقدسة لماتوا ندما على ما فعلوه اليوم .. لكنها امة لا تقدر هيبة ولا تحترم حرمة .
- شعب ضال يسيره الحقد والرغيف .
سأل الراهب الشيخ :
- ماذا يقول الاوغاد ؟
- يلعنون الالهة .
- الويل لهم .
- يهددون بهدم المعبد الأكبر فوق رؤوسنا .
- النار لهم .
- انهم يتوعدونك ايها الكاهن الاعظم .
- الموت لهم . لم يعد الامر كفرا بل جريمة تستدعى العقاب .
- والحل يا مولاى ؟
- سأخرج لمواجهتهم كما قلت .
صرخ الرهبان جميعا :
- مولاى ، انه البحر الهائج ، ستبتلعنا الامواج .
- لن يمنعنى ذلك من الخروج لمواجهتهم . لن اتنازل عن مكانتى ولن اعيد لهم ما سلبناه منهم ، عليهم بقبول ذلك صاغرين . يحاربوننى بطيشهم فلأحاربهم بدهائى وحنكتى لن يفقد معركة من تمنطق بالمكر والدهاء .
- الخضوع إلى مطالب الشعب هزيمة منكرة لا يقبلها عقل لكن الحكمة ننصح بالتروى .
- من استسلم مرة خسر هيبته الى الابد . لن يدفعنى الى التراجع شعب ضال . ستكون هزيمة الكهنوت وانتصار الرعاع لو انحنيت وتخليت عن عرشى ومعبدى . لذا لن ينتصر الشعب ابدا ولن اذل .. 648 72
- الوقت يمر ..
- الى بجوالين من القمع ، او ثلاثة ..
سأل الشيخ وفزعه ينقلب دهشة :
- ما الامر يا مولاى ؟
- نفذوا الاوامر دون سؤال .. ايها الخائفون هل رأيتم ذبابة تصارع ثعبانا وتنتصر عليه ؟
- عدهم يا مولاى بما يحلمون ، بعدها .
- بعدها لن تكون هناك آلهة تعبد . انا الاله الجديد . سأعلن هذا على الملا الساعة ..
ايها الشيخ الجليل ، اسبقنى بالخروج الى ملاقاة الحشود .. فلننثر الوعود ولنروج الاخبار .
- كيف التفاهم مع هذه الوحوش الضاربة ؟
اتكأ الكاهن الداهية على كتف الراهب الشيخ . التحم الرأسان الاشيبان فى حديث طويل ، مريب النوايا . ضحك الرهبان سرورا . عربد التواطؤ فى الاعين . ركض التلاعب وترعرعت الدسائس فى ظل الانتهاكات ذات الطابع الودى . سار متخايلا يترنح غضبا وكبرا لكن بارادة متماسكة وعزم لئيم لا يمل المثابرة . وقف فى احدى شرف المعبد والحاشية الخاشعة حوله . تزاحمت الجموع فى الخارج . تصادمت ببعضها البعض . سكتت الافواه واختنق الشغب فى الحناجر . بقيت الاعين تتطلع الى الكاهن الوقور فى ترقب صامت وقد بدأ التراجع يغزو الصفوف . هتف الكاهن الاعظم وهو يرفع يدا بضة متوعدة فة حزم خرافى وصرامة اسطورية لم تفقد بريقها مع الزمن :
" لقد تألهنا فاعبدونا ايها الرعاع "
صفق الجميع وحبوب القمح المحفوظة فى الاجولة تتساقط امامهم كالمطر الغزير تقذف بها ايدى الرهبان النشطة . تشابكت الاذرع واختلطت الادعية . اختطف كل نصيبه والهتاف يعلو . يعلو .. " القمح بركة " انه روح الرغيف . روح الحياة فليحى الكاهن الاعظم " عاش الاله المنتصر " تبدد القلق . تبعثر 73 649
الوجوم فى الطرق المتسائلة . زقزق عصفور جريح ، مكسور الجناحين يتلوى الما فوق افنان شجرة عالية .. ما دام الطيش والجبن يسيطران على النفوس لن تكون الحياة غير مهزلة سخيفة ينمقها التشرذم ويتوجها التقاعس ..
تدحرجت حتى الجموع مدحورة في هوان صرخ منه الجبن غيظا واشمئزازا . ازدادت ابتسامة الكاهن الاله اتساعا واشراقا . ضحك ساخرا وهو يعود ليجلس فوق عرشه والطمأنينة تزحف نحوه كعادتها لاهية ، لا مبالية .
- ارأيتم ايها الكهنة كيف ينقلب السخط تأييدا والعصيان طاعة والتذمر دعاء يسبح لسمو قداستنا ؟ ليست القوة وحدها التى تردع المتمردين وتذل الشعوب ، انما الدهاء والمكر ، انهما ابتر السيوف واحنك السياسات .
- نفوس ضالة يمزقها التذبذب والطمع
- لذلك يمكن الجامها ويسهل التحكم فيها راهب صغير ينحني امام العرش :
- مولاى الاله ، جاء كبار القوم ليقدموا فروض الولاء والطاعة لقداستكم .
- آه ، استيقظ العقل اخيرا .. اعلم الجميع ايها الراهب اننا قبلنا توبتهم ورحبنا بولائهم ، لكننا لن نرضى ان يقبلوا يدنا الطاهرة . سنحرمهم هذه النعمة لن ندنس ذاتنا المقدسة بنفاق الرعاع . فليرحلوا ، حسبهم اننا قبلنا توبتهم ..
ابتسم الكهنة فى ارتياح . ابتسم المعبد غبطة وزغردت الاركان فى استهانة . عادت الحياة تسير الهوينى ساخرة ، ضجرة . بعين ملؤها الحذر والتشفى تتابع تقهقر الرعاع وهم يعودون الى عتمة المجهول . يسابقون العبث والجنون تجذبهم من اعناقهم لحظة الانحدار التى احتوت اقدارهم ..

