ايقظوه من نومه ليلا ،
والسيوف تصل فى المبنى
والاصوات تأمر ؛ في مكان ما
تهتز ظلال شبحيه متوعدة .
ودفعوه الى الامام ، فى ممر
طويل اسود ، اسود طويل
يتثاءب بعمق .
ويزعق المزلاج ويئن الباب ،
فيحس السماء السماء والهواء البارد ،
وعربة تنتظر ، خد داو
يدفع فيه بسرعة .
والى جانبه رفاقه الجدد ،
صامتين ، يرسفون فى القيود ،
ووجوههم شاحبة باهته ،
ولا احد يتكلم ،
فكل واحد يشعر ،
الى اين تمضى به العربة ،
وان هذه العجلة الدائرة تحت
تطحن حياتهم بين دفتيها .
وتقف العربة المجلجلة ,
ويصرف الباب :
عبر القضبان المفتوحة تحدق
فيهم قطعة سوداء من العالم
بنظرات ناعسة غائمة .
مربع من البنايات ،
السقوف واطئة يعتليها الصقيع ،
تظلل مكانا مليئا بالظلام والثلج .
السديم يغلف المحكمة العليا
بازار رمادى اللون ،
وحول الكنيسة الذهبية يطوف
الفلق باضواء قارسة دامية .
واصطفوا جميعا فى صمت .
ويتلو الضابط الاحكام :
الموت للخيانة بالبارود والرصاص ،
الموت !
تسقط الكلمة ، كصخرة عظمة ،
فى مرآة الصمت المتجمدة .
ويرن الجرس
بقوة ، كان شيئا يتفتق ,
ثم يفور
الصدى الفارع في القبر الهادئ ،
قبر الصمت الصباحى القارس .
وكانه فى حلم
يشعر بكل شئ يتلاشى فى ذاته
ويعرف فقط ، انه لابد من الموت الآن .
ويتقدم واحد فى صمت ويلبسه
الكفن الابيض المتماوج .
كلمة اخيرة تحيي الرفاق ،
ونظرة حارة ،
وبصراخ صامت ،
يقبل المخلص فوق الصليب ،
الذي قربه منه القس فى وقار وذكرى ،
ثم يغدون
كلهم عشرة ، دوما ثلاث وثلاث ،
تشدهم حبال الى اوتادهم .
ويدخل كوزاكى مسرعا ،
ليعصب عينيه امام البندقية .
عندها تنطلق - انه يعرف ذلك : لآخر مرة ! -
نظرته النهمة ، قبل العمى الاكبر ،
نحو تلك القطعة الصغيرة من العالم ،
التى تعرضها له السماء فى تلك الناحية :
يرى الكنيسة تلتهب فى انوار الفجر :
قبتها تلتمع ، كما فى آخر عشاء ربانى سعيد ،
في فيض فلق الصبح المقدس .
ويهفو اليها في سعادة مفاجئة ,
كانه يتطلع الى حياة الاله بعد الموت .
عندها يلفون الليل حول نظراته .
ولكن في اعماقه
بدأت الدماء تسيل ملونة .
وفي مد عاكس
تتصاعد من دمائه
صور الحياة ،
فيشعر ،
أن هذه اللحظة ، لحظة الموت ،
تغسل الماضى الضائع عبر ذاته :
حياته كلها تصحو من جديد
وتمثل صورا فى صدره ؛
الطفولة ، شاحبة ، ضائعة ورمادية ،
الاب والام ، الاخ والزوجة ،
ثلاث كسرات صداقة ، قد حان مسرة ،
احلام مجد ، رزمة فضيحة ،
ونزوه الشباب الضائع
تسرى عارمة فى عروقه ،
وهو يحس بعد بوجوده فى عمق
حتى اللحظة ،
التى ربطوه فيها الى الوتد .
بعدها تلقى ذكريات ،
ثقيلة قاتمة ،
ظلالها فوق روحه .
وثمة
يحس اقتراب واحد منه ،
يحس خطى سوداء صامته ،
قريبة ، جد قريبة ،
وحين يضع يده على قلبه ،
يحس انه اضعف . . . واضعف . . .
وانه لم يعد يدق بتاتا -
لحظة واحدة . . ثم ينتهى .
الكوزاكيون
يشكلون فى الناحية الاخرى
صفوفا متلألئة ،
فتهتز السيور وتنطق الازندة . . .
والطبول تشطر الفضاء .
اللحظة تغدو آلاف السنين .
وهناك تعلو صيحة :
انتظر !
الضابط
يتقدم ، تنفتح صفحة بيضاء
ويقطع صوته الواضح الجلى
رداء الصمت الملح :
القيصر
عفو ارادته المقدسة
ابطل الحكم ،
وحوله الى عقاب اخف .
ترن الكلمات
غريبة بعد :
انه لا يستطيع فهم معناها ،
ولكن الدماء
تحمر فى عروقه من جديد ،
تتصاعد وتأخذ فى الغناء بصوت خفيض .
والموت
ينسل فى تردد من المفاصل المتجمدة ،
وتحس عيناه ، بعد فى لجة الظلام ،
انهما تحتضنان تحية النور الخالد
الموظف
يحل له الحبل فى صمت ،
يداه تقشران العصابة البيضاء
كقشرة البتولا المشققة
من صدغيه الملتهبين .
وتغادر عيناه اللحد
وتتلمسان في ضعف وخور
معالم وجوده المنهار .
عندها يرى
سقف الكنيسة المذهب
ينتصب وتلتهب فى صوفية
عبر انوار الفجر المتصاعدة .
زهور الفلق المنداة
تلتف حوله كصلاة وروعة ،
وتاج العمود الملتمع
يشير بيده المصلوبة ،
كسيف مقدس ، الى حافة
السحب المحمرة فرحا .
وهناك ينتصب برج الله
فوق الكنيسة يحف به الالق
تيار
من النور يرسل اموجه الملتهبة
الى كل السماوات الرنانة .
وابخرة السديم
ترتفع دخانا ، كانها مثقلة
بظلام الارض كله ،
فى ضياء الصبح الالهى ،
والنغمات تنطلق فى الاعماق
كما لو صاحت
آلاف الاصوات فى جوق
وعندها سمع لاول مرة
كيف يجتاز العذاب الدنيوى
والالم الموقد
سطح الارض فى خيلاء .
فيسمع اصوات الصغار والضعفاء
النساء اللواتى وهبن انفسهن عبثا ،
البغايا اللواتي يسخرن من انفسهن ،
وحقد الغاضبين الاسود دوما
والوحيدين الذين لا تعرفهم البسمة .
يسمع الاطفال وشكاوى البكاة ،
يسمع الاغماء الصارخ ، اغماء
المأخوذين سرا .
انه يسمعهم كلهم ، هم المعذبون
المطرودون ، البلداء والهزاة ،
غير المتوجين
شهداء كل الايام والدروب ،
انه يسمع اصواتهم ، يسمعها
وهي ترتفع فى اغنية ازلية
الى ابواب السماء المفتوحة .
ويرى ،
ان الالم وحده يصعد الى الله ،
بينما الحياة الشاقة تلصق
الآخرين فى الارض بنعيم رصاصى .
ولكن النور يمتد فوق بلا نهاية
تحت فيض
الالحان والنغمات المتصاعدة
من سعير العذابات الارضية ؛
انه يعرف ، أن الله سيسمعهم
سيستجيب لهم كلهم ،
فالرحمة ترن فى سماواته !
ان الله لا يحاسب المساكين
فالرحمة اللانهائية
تضى ردهاته بنور خالد .
صور الطاعون والحرب والموت
والطغيان تتطاير شررا
فيغدو الالم لذة والنعيم عذابا
لذلك الذى يعيش الحياة فى الموت .
وينطلق ملك نارى

