لقد برزت في نصف القرن السادس شخصية موهوبة ذات شعب كثيرة فائقة على الاقران فريدة فى الزمان وهى شخصية ابى عبدالله محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن ابن على التميمى البكرى الطبرستانى الرازى الملقب بفخر الدين المعروف بابن الخطيب .
كانت ولادته سنة ٥٤٤ ه ( ١ ) في مدينة الرى أخذ العلم عن والده ضياء الدين المعروف بخطيب الرى وقرأ الحكمة على المجد الجبيلى وتفقه على الكمال السمعانى وحفظ الشامل في علم الكلام للجويني ( ٢ ) .
كان أحد الفقهاء الشافعية المشاهير بالمؤلفات بين صغيرة وكبيرة حتى بلغت نحو مائتى مصنف(٣).
قال السيوطي : " انه من ذرية ابى بكر الصديق " ولهذا أشتهر بالبكرى (٤)
حليته :
كان مربوع القامة عبل الجسم كبير اللحية
جهورى الصوت صاحب وقار وحشمة له ثروة ومماليك وبزة حسنة وهيئة جميلة .
رحلاته :
ارتحل الى ما وراء النهر لقصد بنى مارة ببخارى ولم يلق منهم أى خير وكان يومئذ فقيرا فخرج من بخارى وقصد خراسان وأتفق ان أجتمع بملك خراسان خوارزم شاه محمد بن تكش فقربه وادناه ورفع منزلته وفتح له باب الرزق فاستوطن مدينة هراة ولقب بشيخ الاسلام وتملك بها أموالا طائلة ورزقه الله عدة أولاد وبارك في ذريته فصاروا من المقربين للملك ( ٥ )
أقام الامام بهراة زمنا طويلا وقد دار بينه وبين أهلها المعتزلة معارك كثيرة وحصل له جدال ومناظرات وكان بقوة استدلاله يغلب الخصوم فيقهرهم ويسكتهم حتى صار اماما لاهل السنة وخشى من العوام ان يمثلوا بجثته بعد موته لما كان يظن فيهم من الانحلال فدفن في داره ( ٦ )
قال الحافظ ابن حجر : كان تموله بسبب مصاهرته لتاجر متمول بمدينة هراة ( ٧ ) . قال الحافظ . : ذكر ابن رجب فى تاريخه انه يقوم على رأسه خمسون مملوكا بمناطق الذهب وحلل العرش ( ٨ )
وقد كان من تقدير السلطان له أنه لما قال له " نحن في ظل سيفك "
قال له السلطان " ونحن في شمع علمك " ( ٩ )
علمه فى الطب :
شرح قانون الطب لابن سينا واستدرك عليه . وكان فى سيره الى ما وراء النهر مر بعبدالرحمن بن عبدالكريم الرخس الطبيب
ونزل عليه ضيفا فاحسن قراه فأراد الامام أن يفيده مما لديه من الطب فشرح له الكلام على قانون الطب وشرح الالفاظ المغلقة فأثنى عليه (١٠)
تعمقه في علم الكلام :
قال الحافظ ابن حجر : كان الامام من الرؤساء في الذكاء والعقليات ( ١١ )
وقد رد على بعض الاقوال لابن سينا واستدرك على مباحثه الكلامية ( ١٢ )
لقد اشتهر الامام بالوعظ والارشاد حتى قيل انه كان يعظ باللسانين العربى والفارسى وكان يعتريه الوجد فى حال الوعظ ويكثر من البكاء (١٣) . وكان يحضر مجلس وعظه الملوك والوزراء والامراء والعلماء والفقهاء وعامة الناس وكانت له عبادات وأوراد (١٤)
مكارم اخلاقه :
كان رحمه الله رقيق القلب . لا يصبر على مكروه اذا أصاب أحدا . حكى الاديب شرف الدين محمد بن عبيد أنه حضر درسه مرة وهو شاب وقد وقع ثلج كبير فسقطت
بالقرب عنه حمامة وقد طردها بعض الجوارح فلم تقدر الحمامة على الطيران من الخوف والبرد ، فقام الامام من الدرس ووقف عليها ورق لها قلبه فقال ابن عنين في الحال :
يا ابن الكرام المطعمين اذا شتوا
في كل مسغبة وثلج خاسف
العاصمين اذا النفوس تطايرت
بين الصوارم والوسيج الراعف
من أنبأ الورقاء أن محلكم
حرم وانك ملجأ للخائف
وفدت عليك وقد تدانى حتفها
فحبوتها ببقائها المستأنف
لو أنها تحيى بمال لانمنت
من راحتيك بنائل متضاعف
جاءت سليمان الزمان بشكوها
والموت يلمع من جناحى خاطف
بدم لواه الموت حتى ظله
بازائه تجرى بقلب واجف
طبقات الشافعية ج ٥ ص ٣٦ )
كان الامام قد بئس من اهل زمانه لما لقى منهم القسوة والانحراف . قال ابو عبدالله الحسين الواسطى سمعت فخرالدين بهراة ينشد على المنبر (١٥)
مأخذ الناس عليه :
كان للامام بعض الزلات فى الامور الدنيوية لكثرة صحبته للسلطان حينذاك ولهذا عاب العلماء عليه تقربه هذا وثراءه الذي لا يليق بالعلماء .
وكذلك صدرت عنه بعض الكلمات التى لا
ينبغي له ان ينطق بها فكان يقول احيانا قال محمد البادى يعنى به رسول الله صلى الله عليه وسلم لنسبته الى البادية (١٦)
كان يفسر الشبهات من جهة الخصوم بعبارات كثيرة ويجيب عنها بأدنى اشارة ( ١٧ ) قال الحافظ ابن حجر " انه يعاب بارادة الشبهة الشديدة وتقصيره في حلها (١٨) .
قال بعض المغاربة " يورد الشبهة نقدا ويحلها نسيئة " (١٩)
قال النجم الطوفي " يورد شبه المخالفين في المذهب والدين على غاية ما يكون من التحقيق ثم يورد مذهب اهل الحق على الغاية من الدهاء " ( ٢٠ )
قال ابن خليل السكوني فى كتابه الرد على الكشاف : " ان ابن الخطيب ( الرازى ) قال في كتبه ان مذهب الجبر هو المذهب الصحيح . وقال ( تفنى الاعراض وتبقى صفات الله الحقيقية ) وزعم أنها مجرد نسب واضافات كفول الفلاسفة وسلك طريق أرسطو في دليل التمانع (٢١)
نقل عنه انه قال " عندى مائة شبهة على القول بحدوث العالم منها :
" أن المتكلم يستدل على القدم بوجوب تأخر الفعل ولزوم أوليته والفيلسوف يستدل على قدمه بأستحالة تعطل الفاعل عن أفعاله " (٢٢)
قال الحافظ : " له تشكيكات على مسائل من دعائم الدين تورث حيرة نسأل الله ان يثبت الايمان في قلوبنا " ( ٢٣ )
توبته من الفلسفة ورجوعه الى هدى القرآن
اثفق المؤرخون على نقل وصيته الخالدة التى تدل على صدق الرجل وحسن نيته وتوجهه الى الله سبحانه وتعالى فهو يرجوه ان يتغمده برحمته وينزله فساح جنانه .
" قال أخبرنا أبو عبدالله الحافظ أخبرنا الكمال عمر بن الياس بن يونس المراغأخبرنا المتقي يوسف بن ابي بكر النسائي بمصر اخبرنا الكمال محمود بن عمر الرازي قال سمعت الامام فخرالدين الرازي يوصى بهذه الوصية ) لما احتضر ( تلميذه أبا بكر ابراهيم بن أبي بكر الاصفهاني " يقول العبد الراجى رحمة ربه الواثق بكرم مولاه محمد ابن عمر بن الحسن الرازي وهو أول عهده بالآخرة وآخر عهده بالدنيا وهو الوقت الذي يلين فيه كل قاس ويتوجه الى مولاه كل أبق ٠٠
فاعلموا أنى كنت رجلا محبا للعلم فكنت اكتب في كل شئ لأقف على كميته وكيفيته سواء اكان حقا أم باطلا . الا أن الذي نطق به في الكتب المعتبرة ان العالم المخصوص تحت تدبير مدبره المنزه عن مماثلته موصوف بكمال قدرته وعلمه ورحمته ولقد اختبرت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيت منها فائدة تساوى الفائدة التى وجدتها فى القرآن لانه يسعى فى تسليم العظمة والجلال لله ويمنع عن التعمق في ايراد المعارضات
البشرية تتلاشى فى تلك المضائق العميقة والمناهج الخفية فلهذا أقول ، كل ما ثبت بالدلائل الظاهرة من وجوب وجوده ووحدته وبراءته عن الشركاء كما في القدم والأزلية والتدبير والفعالية فذاك هو الذي اقول به وأسعى اليه والقي الله به واما ما ينتهى ى ٤ -د ٣٣١٥٣ يحيى الامر فيه الى الدقة والغموض وكل ما ورد فى القرآن والصحاح للمعنى الواحد فهو كما قال ( ٢٤)
قال ابن الصلاح : " أخبرنى القطب الطوعانى أنه سمع من فخرالدين يقول :
" يا ليتنى لم اشتغل بعلم الكلام . . وبكى ( ٢٥ )
وروى عنه أنه قال :
" اختبرت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فلم أجدها تروى غليلا وتشفى عليلا ورأيت أصح الطرق طريقة القرآن .
اقرأ في التنزيه قوله تعالى : ( والله الغني وأنتم الفقراء - ليس كمثله شئ ) .
اقرأ في الاثبات قوله تعالى :(الرحمن على العرش - يخافون ربهم من فوقهم - اليه يصعد الكلم الطيب )
وأقرأ ان الكل من عندالله قوله تعالى ( قل كل من عند الله )
ثم قال : واقول من صميم القلب من داخل الروح انى مقر فكل ما هو الاكمل الافضل الاعظم الاجل فهو لك وكل ما هو عيب ونقص فأنت منزه عنه " ( ٢٦ )
وكان يقول : من لزم مذهب العجائز كان هو الفائز (٢٧)
ومن أشعار الامام فى الرد على الفلسفة : ( ٢٨ )
نهاية أقوام العقول عقال
وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا
وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا
سوى أن جمعنا فيه وقال .
وكم من جبال قد علت شرفاتها
رجال فزالوا والجبال جبال
وكم قد رأينا من رجال ودولة
فبادئوا جميعا مزعجين وزالوا
ومن أرق شعره رحمه الله تعالى (٢٩) :
اليك اله الخلق وجهى ووجهتى
وأنت الذى أدعوه في السر والجهر
وأنت غيائى عند كل ملمة
وأنت ملاذى في حياتي وفي قبرى
وقال الحافظ " وقد قدم وصية طيبة تدل على حسن عقيدته عند الموت (٣٠) وانتقل الى رحمة الله اثر سمه الكرامية في الرى في سنة ٦٠٦ ه (٣١)
من مؤلفاته :
١ - تفسير القرآن المسمى بمفاتيح الغيب . ٢ - تفسير سورة الفاتحة ، ٣ - المطالب العالية ، ٤ - نهاية العقول ، ٥ - كتاب الأربعين ، ٦ - المحصل ٧ - البيان والبرهان ، ٨ - المباحث العمادية في المطالب العادية ، ٩ - تهذيب الدلائل وعيون المسائل ، ١٠- ارشاد النظار الى لطائف الاسرار ، ١١- أجوبة المسائل ، ١٢ - تحصيل الحق ، ١٣ - الزبد ،
١٤ - المعالم ، ١٥ - الملخص ، ١٦ - شرح الاشارات ١٧ - شرح عيون الحكمة ، ١٨ - شرح أسماء الله الحسنى ، ١٩ - شرح الوجيز ، ٢٠ - شرح المفصل للزمخشرى ، ٢١ - شرح سقط الزند لابى العلاء المعرى ، ٢٢ - شرح الكليات ، ٢٣ - مناقب الشافعى ١٤ - مختصر في الاعجاز ( ٣٢ )
وفي ذيل كشف الظنون بعض الاسماء الأخرى وهى :
١ - ابطال القياس ، ٢ - الاحكام الثلاثية فى الاعلام السماوية ، ٣ - الاختيارات السماوية ، ٤ - سرار التزيل وأنوار التأويل ، ٥ - بحر الانساب ٦ - تأسيس التقديس ، ٧ - البحر فى علوم التعبير ٨ - تعجيز الفلاسفة ٩ - تفسير سورة الاخلاص ، ١٠ - جامع العلوم ( بالفارسى ) ، ١١ - جمل في الكلام ، ١٢ - حدائق الانوار ، ١٣ - خمسين في أصول الدين ، ١٤ - دراية ، ١٥ - ذم الدنيا ، ١٦ - رسالة الجواهر ، ١٧ - سداسيات فى الحديث ، ١٨ - شفاء المى من الخلاف ، ١٩ - طريقة الفلاسفة ، ٢٠ - عصمة الانبياء . .
(أسماء المؤلفين ذيل كشف الظنون ج ٦ ص ١٠٧ )
- للبحث صلة -
