الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

لشعر التونسي من الشابي إلى 1977

Share

برغم كل الظروف السيئة التى يعيشها الشعر والثقافة الوطنية بتونس ورغم الامكانيات الفردية التى يحركها الشاعر وجميع التحديات والمراهنات فلم يتقهقر هذا اللون الذى يعد أهم أرصدة العرب الثقافية اذ شكل قبل القرآن حلقة التواصل بين القبائل المتناحرة كما ربطهم روحيا ووحد اللهجات ونمى التفاعل الحي وخلق القاعدة الفكرية

ومسيرة الشعر الحديث بدأت بالشابى وأنفصلت عنه فى حركات تصاعديه تضيف الجديد . . فالاسماء اليوم كثيرة وهناك اجيال من الشعراء تولد وتموت ولا ينشر انتاجها واذا كان اولهم الشابى توفى سنة 1934 فلن يكون اخرهم المختار اللغماني ( توفى سنة 1977 ) الذى ارتحل فى عنفوان الشباب وجدية العطاء والشعر التونسى تمخض عن الصراع الدائر بين الكلاسيكية التى تزعمها محمد الشاذلى خزندار وبين الكلاسيكية الجديدة عند الشابي وجماعته محمد الفائز القيروانى وسعيد أبو بكر . . والطاهر الحداد

انتصب الشعر العمودى السلفى فى أواخر القرن الماضي مدافعا عن امتيازات الحكام والحاشية الاقطاعية المدعمة بالاستعمار وقد ربطا بعلاقة المحافظة على المصالح الاستغالية المشتركة وان ظهر بعض التململ فى أوساط الاقطاع وتحالفه المؤقت مع طبقات الشعب فليس ذلك الا من باب المساومة الضغط على المستعمر لتقاسم المكاسب ولهذه الفئة ثقافتها القشرية الملفقة وطواقم الشعراء تدور فى فلكها .

ومن هنا لا نستغرب الاصوات الشعرية الكلاسيكية وقد بدأت تندد بالاستعمار وتنادى بالتحرر وتربطه بالرجوع الى الخلافة العثمانية كان هذا

كله من استراتيجية الطبقة الحاكمة الاستغلالية قبل تحالفها النهائى مع الاستعمار ، ونشأ الشعر فى احضان النفعية والفراغ العقائدى فكان تابعا أمينا للقصور والصالونات والمجالس الموقرة ، وانعكست فيه انماط وسلوكية النخبة ، ولم يستنكف بعض الشعراء حتى من تدبيح المدائح فى الحاكم العام الفرنسى لم لا والحاكم يحرس مصالح الاقطاعيين ويربطها بفلك فرنسا " الحامية " .

فكنت تسمع عند هؤلاء الشعراء نغمة اصلاحية وطنية ولكنها تسلم فى النهاية بالامر الواقع وتعد الاستعمار من بلاء الله وقدره الذي لا دافع له ولا مرد وتنادى بالرجوع الى السلف الصالح واعادة المجتمع الآبق الى حضبرة الدين ، ولم نسمع عندها طرحا لقضية التحرر القومى ولا تحريك الطبقة الشعبية ضد النظم المتخلفة والمتعاونة مع الاستعمار انها ظاهرة مفرغة من زمانها ومتراجعة الى الخلف فى مراسيم بكائية ناشزة وارتبطت الكلاسيكية القديمة . بمجد الشاذلى خزنة دار ومصطفى اغا ، وكلاهما ينتمى الى الطبقة الاولى " فخزنة دار أمير الامراء بالدولة الحسينية ، ومصطفى آغا ولد بقصر جده مصطفى آغا الكبير مؤسس العائلة ووزير الحربية فى المملكة التونسية ونشأ فى جو من البذخ ومظاهر العناية والتجمل ( 1 ) وبحكم الفرص المادية والثقافية المتاحة لهاته الطبقة فقد نشأ الشعر فى احضانها وتلون برؤيتها للاحداث وهي رؤية سلفية كلاسيكية تنادى بالرجوع الى الخلافة العثمانية وتند بكمال أتاتورك عندما الغي الخلافة ، وفي ظل هذا المفهوم نشأ أغلب الشعراء بقطع النظر عن أصولهم الطبقية ، ولم يخرج عن هذا المفهوم والطبقة الاجتماعية الشابى .

فى مقابل الشعر الفصيح نشأت الازجال والشعر الشعبى فى الاوساط المحرومة وبقيت خلفيته الفكرية ساذجة متآكلة وان كانت مواجهته للاستعمار أكثر وضوحا وحسما

ثم بدأ المستعمر وحكومة البايات يشعرون بالحاجة الى الاطارات الوسطى لادارة الوظائف فانتشر التعليم الجزئى فى الطبقة الوسطى وتبعه الشعر كأداة تعبير ومواجهة ، وبعد ان كان التعليم يقتصر على ابناء العاصمة وبعض المدن الكبيرة والعائلات الغنية بدأ " الآفاقيون " - حسب اصطلاح العائلات العريقة فى العاصمه - يتواجدون فى مراكز العلم والوظيفة وأغلبهم من ابناء الريف

والمزارعين الصغار ، والطبقات الوسطى ، وكان للتعليم الزيتونى خاصة دورا رائد فى نشر الثقافة العربية بين الطبقات الشعبية ونظرا لامكانياتهم المادية المعدومة فقد فتحت فروع زيتونية فى أغلب المدن حتى وصلت الى آخر نقطة فى الجنوب مثلا وانتشرت فى الريف التونسى والمدن الصغرى ، كان التعليم الزيتوني برغم كلاسيكيته المفرطة وميله الى علوم الدين تعليما قوميا اصيلا ،

ربط الاحبال العربية بتراثها الضخم وحضارتها الحية على مر السنين ومكن من المحافظة على العربية امام التتريك والفرنسة والبعثات التبشيرية وتعدى اشعاعه القطر التونسي فحافظ على عروبة الجزائر وليبيا وكانت وفود الطلاب الجزائريين تناضل إلى جانب الطلاب التونسيين فى مواجهة الاستعمار والتحدى الحضارى الفرنكفوني ، وتغلغل التعليم الزيتونى فى اوساط الشعب بحكم النفور من المدارس الفرنسية رغم التشجيعات ومحاربة التعليم القومى والثقافة العربية فمثلا من تحصل على الشهادة الابتدائية ( الفرنسية ) يعفى من الجندية ، بينما لا يعفى حامل التحصيل ( البكلوريا ) الزيتونى من العمل فى جيش الغزو الاستعمارى وظل التعليم القومى الزيتونى عقبة وشوكه أمام الاستعمار وثقافته وكان ثورة دائمة ترتبط عضويا بالطبقة الشعبية وهناك حقيقة ينبغي ابرازها وهي ان الكلاسيكية والكلاسيكية الجديدة وكل التفاعلات الشعرية والادبية نشأت في ظل التعليم الزيتونى ، وبمقدار أقل من التعليم الصادقي ( الذي كان يوازي بين اللغتين )  وما عدا ذلك فلم تخرج المدارس الفرنسية غير موظفين ومترجمين يتفانون فى خدمة المستعمر وتقليد سلوكه وانماط حياته ، وتراجعت فيهم امكانيات الخلق والدفع المستمر ، ولم ينفصل الابداع عن اللغة القومية وبإمكاننا ان نقارن تجربة الزيتونة بتجربة فترة طويلة من الاستقلال حيث صار التعليم وطنيا شكليا وبمفهوم غريب فلم تأخذ العربية حظها وتم انهاء الزيتونة والصادقية وعوضتا تكتيكيا بشعة - أ -

التى كانت تطورا مهما لدراسة جميع المواد بالعربية وسرعان ما انهيت بعد التاكد من القضاء على الزيتونة والصادقية وانتصبت الفرنسية سيدة للموقف ورجع التعليم التونسي الى اذيال التبعية فصار التلميذ يدرس من السنة الاولى ابتدائى لغتين ، وتواصل الاصرار على ذلك رغم اعتراض المربين وسوء المردود الذهنى ، وابتلعت الفرنسية كامل مواد الدراسة بمافيها الرياضة البدنية والتصوير وحتى الموسيقى ، وفي فترة طويلة كنا نرى تلميذ الثانوى من الاقسام النهائية لا يدرس العربية ولم تعد تربطه بلغته القومية الا مادة التربية الدينية والتي ربما لم تفرنس لنقص الاطار ، وما عدا ذلك فالعربى مستشرق فى بلاده أو قل مستغربا وفي أوائل السبعينات مثلا لاحظت فى قسم البكالوريا آداب أن

للعربية حصتين فى الاسبوع وللدين مثلها ولا شئ آخر كيف كانت النتيجة ان الاحصائيات تقول لم يبرز عندنا كاتب أو شاعر أو مفكر مرموق اثناء كل هذه الحقبة ( من فترة الاستقلال ) وان النسبة العظمى من كتابنا وشعرائنا اما من اصول زيتونية او صادقية او من شعبة - أ - المطورة عن الزيتونة . ( * )

أوليات الشعر الحديث :

بدأ الصراع يحتد بين ممثلى الكلاسيكية واتباعهم من الطبقة الحاكمة ، وبين الكلاسيكية الجديدة المتأتية من الطبقات الشعبية وابناء المزارعين وصغار التجار وأوساط الموظفين صراعا على مراكز القوى والسلطة والوجه العربى والموقف من الاستعمار واتباعه فى المنطقة وبإمكاننا ان نلاحظ محاصرة الشاب ومدرسته ورؤياه الفنية والقومية المتطورة انها محاصرة سياسية واجتماعية وصراع بين الابداع القومى والتخلف السلفى التابع وحين حوصر تسرب انتاجه الى المشرق فكان لهم من الوعى ما لفت انتباههم الى التجربة الجديدة ولم يلتفت الشابى الى دعاة الاقليمية فنشر اشعاره فى مجلة " زكى أبوشادى " المصري ولم يكن ضمير الشابى غير شعبه المطحون المستلب طرحت الكلاسيكية الاشكال العمودية مترسمة خطر الخليل وانفاسه ، ونظمت الشعر فى اغراض تافهة كتواريخ الولايات ، والوفيات ، والالغاز ، والتشطير ، والتخميس ، والمعارضة والتصوف ، والمدح مع العزف على النغمة الوطنية والاصلاحية المثالية ، وكانت وسائلها بالية متآكلة ( 1) .

ونرى فى المقابل مدرسه الشابى الغنائية الرمزية - والثورية فى نفس الوقت - تطرح نظرة فنية مطورة تستلهم تراث الامة وتعصر المنظورات الفنية بوسائل حديثة ورؤية متقدمة على مستوى الجملة الشعرية والصورة مع الالتزام بالقضايا الوطنية والاجتماعية ومواجهة الاستعمار ورفض الاشكال وما يتبعها من تمسح ومدح ووصولية وكان تعاملهم مع ما يجوز الخليل ارهاصا للشعر

الحر . وقد حلوا قيود الشعر وعادة النظم ، وادخلوا الاوزان الجديدة ( 2 ) من التشطير ، وتنويع القافية وتوتر اللغة واستمر الصراع على هذا النسق الى أن خرج الاستعمار .

ولم يجسم الصراع لصالح القومية والطبقة الكادحة ولا لصالح التعريب والثقافة الوطنية وصارت الفرنسية اللغة الاولى بدون منازع ودخلت فى حياة الناس ومعاملاتهم وتعليمهم وثقافتهم وشوارعهم كشئ عادى بل وكاحدى علامات الانجاز الكبرى ، وهو مطلب طالما تمنته فرنسا المستعمرة فحققت فرنسا الصديقة ، وبدأنا عصر التجريب وعدم الوضوح لا فى التربية السياسية والتعليم والادارة بل وفي الحياة الاجتماعية . . وتبقى الاقتباس والتقليد والتبعية من مشاغلنا الحقيقية فى مرحلة البحث عن الذات وقد طالت المرحلة لافتقادنا النظرة التحليلية والمفهوم الحضارى الواعي ودوره فى بناء الشخصية المميزة والتى يتبعها حتما الانفصال عن كل مخلفات المستعمل وثقافته الدخيلة وتبقى مسؤولية الجيل ونضاله " فى الادراك ان الطريق الى بناء انسانية جديدة هو فى المعاناة لا فى الاقتباس ، فى تحمل المسؤوليات لا فى التسلق على جهود الامم ولغاتها " واذا اخترنا ان لا نعيش على الترجمة فكيف نقبل أن نعيش على الذوبان والنقل والمسخ وفقدان المقومات الحضارية

وقطع الصلة بالتاريخ وفصل الماضى عن الحاضر وكم كان " فانون " واقعيا حين أطلق صيحة الفزع عام 61 " اتحدى أيتها البلدان المتخلفة " ان يفصل الصراع القومى عن الصراع مع الاستعمار والصراع مع التخلف فاخراج الاستعمار قد يكون سهلا - بحكم الحتمية التاريخية - ولكن الصراع الاصعب هو ضد مخلفات الاستعمار وتحالفاته وضد قوى التخلف . ولذلك لا بد ان يربط الصراع القومى بالصراع الطبقى وان تقترن الحرية بالاشتراكية . وهذه هي القضايا المطروحة امام البلدان المتخلفة عقب خروج المستعمر وسوء فهمهما لا يؤجل فقط فى المداواة بل ويعمل على تفشى المرض واستفحاله فى غياب المنهج القومى الشامل نشأ جيل الشعر الجديد او ما بعد مدرسة الشابى اشتاتا من بقايا الزيتونة والصادقية وشعبة - أ - المنقرضة وخريجى المدارس الذين قرؤوا العربية كلغة حية وخريجي معاهد التبشير والبعثة الفرنسية وهم لا يسمعون بالعربية بل واعرف البعض الذي يجهل حتى العامية . وخريجي الجامعة وقد انقطعوا عن العربية حتى كلغة حية فيما عدا

" قسم العربية من جامعة تونس والمشرق " ومنهم جل الادباء والشعراء الجدد ومن منطلق تربوى تبعي وجهنا الاجيال وحددنا مداركهم وقدراتهم الابداعية وعوض ان نتفادى الترجمة نسينا الاصل وعشنا على التغريب والفرنكفونية

وبعد مدرسة الشابى النمط انطلق الشعر فى قوالب جديدة ومدارس تتوالد باستمرار وان غلبت عليه التجريبية والخطأ فى مرحلة طويله ، وليس هناك نمط عمر طويلا بعد العمودى ولا شعر التفعيلة بعد تطوره على الشعر الحر . وانتهى عصر الامارة الشعرية والوزارة وعاد الشعر الى انسانيته وبشريته فالتجارب كثيرة والاصوات متنوعة فى تشابهها وكثيرا ما نرى شبانا يقفزون وشيوخا يتقهقرون تبعا للقصور الفني وفي الستينات بدأت الالوان الجديدة وتركز الصراع حول الاشكال والشكلية وذلك أحد الخطايا فى بداية الطليعة الادبية ولا يمكنني الا ان اؤكد أن الاشكال الشعرية لم تات عفوا وانما كانت مرتبطة بظروف ثقافية واجتماعية وحضارية خاصة واننا عشنا فترة الستينات وقبلها منغلقين عن اصولنا منفتحين عن الغرب وتمخض هذا الصراع الحضارى الثقافي والاجتماعى عن ثلاثة اشكال انقسمت بدورها الى انماط وتوابع وحيثيات اخرى

وعمليا ما زال الشعر العمودى فى شكليه الكلاسيكى والكلاسيكى الحديث يلفظ انفاسه عند مجموعة من الشعراء سواء اكانوا بقايا الصراع الاول أو تولدوا من الجيل المدعم للصراع وانهيار الخط العمودى غير ان التشويه الذي يلحق بهذا الشعر انه ما زال فى عمومياته مرتبطا بالتكسب والنفعية ولم نعد نفرق فيه بين الوطنية والنفعية ما دام الشاعر يمدح ويترقب " الهبة " وبما ان القاموس الشعرى للمدح قد توقف واغلق فى كامل الوطن العربي فلم يجدوا تقنيات معاصرة وظلوا مرتبطين بالاشكال القديمة وحتى المضامين ونتعجب أكثر عندما لا نلاحظ مدحيات فى الشكل الحر او القصيدة النثرية ولو وقع لكان حدثا بارزا فى الاتجاه الجديد الا ان الاصرار على العمود ارتباط بالاشكال والمضامين السلفية والتقوقع ومن الصعب التصديق بأن الشكل الخليلى انهار بهذه السهولة وفي أول جولة بعد ان عمر اكثر من سبعة عشر قرنا ، ولكن الواقع والنهاية البائسة لشعر ما زال يستقطب اذهانا واذواقا خلقتها الاختيارات المدرسية ونظام التعليم وتكريس النصوص

وقبل التحول الى الاتجاهات الحديثة أشير الى ان كثيرا من الشعراء سقطوا فى الطريق ولم يفلحوا فى التخطى والدفع المتجدد ، فمنهم من فقد التوازن

ومنهم من ارتد ومنهم من انكفا على نفسه ياكل من زاده المتناقص ويرفض ان يعترف بأن مجال الخلق والابداع اوسع من تصوراته وثقافته

كما أشير الى زوال الحواجز بين الشعر والقصة والفنون الاخرى بدأت تتداخل وتتفاعل ، وبقيت للشعر مكانته رغم تنوع وسائل الابلاغ والتعبير والدخول فى عصر التقنية والعلم

الشعر الحر     بداية على الطريق :

فى أوائل الحمسينات أطل الشعر الحر من البوابة الشرقية للوطن العربى ، ورغم ترويج الدارسين الى زمن اقدم من هذا والى شعراء تونسيين بالذات فان البداية كانت من العراق ، بداية ليست صدفة ولا عرضا وانما عن فلسفة واقتناع بقصور النمط العمودى والحاجة الى تطوير وسائل التعبير ودلالاته خلقها تطور الانسان العربي نفسه واحتياجه الى تعبئة الفراغ المعاصر أمام التطور الشامل . ثم ان التجارب الكثيرة التى مهدت للشعر الحر الممنهج لم تفلح فى الحد من اللون العمودى بعد ان صار صدى وهميا فى التعبير عن احساس الامة الجديد وتطلعاتها الواحدة ورواد الشعر الحر فى تونس تأثروا بتجارب النماذج العربية الرائدة ، وامكنهم متابعة المعارك الاولى عن قرب خاصة ومنهم من درس فى جامعات شرقية فروجوه بسرعة فى الاوساط الثقافية وشكل مع تجارب المشرق ارضية للشعر الجديد فى تونس وان كنت متاكدا من ان التجارب الاولى لم تكن واضحة ولا منفصلة عن العادة العمودية وكثيرا ما رأينا القصيد أو البيت العمودى يقسم على أسطر موهما انه شعر حر . لا أود الحكم على عطاء هذه المرحلة ولكنى استعرض بداية الحدث

وانقسم الشعر فى تونس الى مدرسة قديمة تقف وراءها قوى ، ومواقع ومصالح سلفية معلبة وطبقية متنفذة ومدرسة حديثة جاءت من التعليم الجديد خاصة منه الشرقى والصادقى والزيتونى وينتهى طلابها الى قوى الفلاحين والعمال وصغار الموظفين والى الريف التونسى وقد عبر الميدانى بن صالح عن هذه الهموم والطموحات والتزم بمطالب الطبقة الريفية العمالية وهو المثال المحافظ للشعر الحر فى شكله الاول وتطوره البطئ .

والملاحظ ان هذا الحدث الشعرى استقطب جماهير العمال والطلبة بسرعة كما انه كان المنطلق لشعر التفعيلة والقصيدة المدورة وشبه المدورة كآخر شكل وصل اليه هذا التيار ( رغم احتفاظ الرواد بالمنطلقات الاولى ) وقد افلح فى تحطيم العمود وان لم تزل بقاياه ، فاحتفظ منه بالقافية الجزئية ووزع لتفعيلات على عدة أسطر ( وان بقى وفيا لما يقارب عددها ) محاولا تأنيس

البصر الذي تعود على الشطرين تقابلا او توازيا ، وبشئ من التحفظ أقول ان مناطق الذهنية ظلت وفية لنمط الشعر العمودى ولم يفلحوا فى الانعتاق من الاسر التراثى ولم يستوعبوا التطور لانطلاقة شعر عاش فى قمقم أكثر من سبعة عشر قرنا ومن سلبيات هذه المرحلة ان الرواد مارسوا العمودى الى جانب الحر ليثبتوا تمكنهم من الاثنين وفى هذا دليل على عدم الاقتناع الكلى بالتجربة وممارستها بعيدا عن ظروفها الاجتماعية والطبقية ويبقى الابداع الحقيقى فى فهم المقومات العربية وتطويرها حتى تساهم فى حضارة الانسان

وحتى لا تتوقف الاجيال عن النمو الفنى والخلق والابداع الذي هو احدى خاصيات تراثنا وحضارتنا يقول الدارس جلال الشريف الشعر الحديث تتمثل فى التشكيل الموسيقى ، وتشكيل الصورة - تحطمت الوحدة الموسيقية للست الذي تحول إلى سطر - وتحولت الاسطر الى جملة شعرية ، والجمل الى قصيد وهو بدوره صار وحدة موسيقية متكاملة وصار التشكيل الموسيقى للقصيد ذاتيا لم يحتفظ الا بالتفعيلة - اما الصورة فقد فقدت كل صلة لها بالعالم الخارجى على الرغم من استعارة عناصرها من هذا العالم ، والصورة الحديثة كالعنصر الكيميائى : تفقد كل العناصر خصائصها بعد التفاعل " ( 1 )

وتنطبق هذه المواصفات على شعر التفعيلة المكتمل الذى تطور عندنا فى الستينات وفي السبعينات قطع صلته ببدايات الشعر الحر

جيل التحدى فى الشعر - وقصيد التفعيلة

حيث تمرد جيل جديد لا على اللون العمودى فقط بل نقل الصراع الى اشكال الحر نفسه ، وبعد ان كانت الخصومات تحتد بين العمودى والحر صارت بين مستحدثات الحر بعد ان جسم الصراع لصالح الشعر الجديد وشعر التفعيلة لم يقدس نمطا ولم يحتفظ الا بالتفعيلة كوحدة بناء والتقاء حضارية ولكنه طورها كأداة موسيقية وتعبيرية تملك خصائص التفاعل الحي والتطور المستمر ، وتبعث فى الشاعر انفعالا مشحونا بابعاد اللفظ - والخلفية ( الصورة والفكرة الشعرية التى تنمو باطراد من خلال وسائل التعبير المتطورة ) .

وحرر الشاعر التفعيلة من الوعائية لتكون جدلية متفاعلة مع عناصر التجربة وابعادها وافلح فى التحكم فيها بعد ان كانت التفعيلات تفرض على

الشاعر حدودا من التعبير والتفكير ، ولو حاولنا استكناه الابعاد المثيرة فى تحريرية شعر التفعيلة لوجدنا تحطيم النسق التلقائى للجملة العادية والبعد عن التعسر المتوقع باستعمال خصائص الثراء للجملة الشعرية ولتركيب الكلمة - أى كلمة - فيها فالابداع لا يكمن فى الكلمة وحدها وانما فى موقعها من الجملة الشعرية وصارت الجملة الجديدة متوهجة ، عنيفة تفاجئ الذهن وتربكه ، ويستغل الشاعر فى صورته الحديثة التناقض الظاهرى والايحاء بجمال التباين

بالاضافة الى طول الجمل الشعرية واستخدام الصور المركبة ، ووسيلة الشاعر الحديث تطويع المجاز واستغلال عناصره الحية الخلاقة

عوامل خلقت شعر التفعيلة :

من تتبع المكونات والدوافع الاجتماعية والاقتصادية والحضارية لشعر التفعيلة فى شكله المطور خاصة وانه السائد الآن فى الوطن العربي - نجد مجموعة من العوامل :

1- هو مؤشر لارتفاع نسبة الثقافة العربية والاحساس بالبعد الجمالى عند الشاعر خاصة وان الانسان العربى ظل حقبة سكونية يميل فيها الى الانغلاق والجمود والتجزئة والاجترار وعندما تفاعلت عناصره العربية الحضارية مع الكفاح اليومى ، وجد الشاعر نفسه مدفوعا الى اكتشاف آفاق الابداع فى حضارته ولغته وتراثه وشخصيته الذاتية.

2 - الاحساس بالصفة الثقافية والخاصية الحضارية وتجميع عناصر الخلق فى الرؤيا والتعبير عن البدائل ، فاذا اعتادت ذهنية التخلف والمحافظة والالفة على المذاق الجاهز فذلك لم يعد يرضى الثقافة البديلة لتطوير الامة وتعصيرها

3 - انه دليل على ان الثقافة لم تعد تتحمل التقسيم فهذا شعر شعبى وهذا وطني حماسى ، وهذا نصف أمي ، وهذا جماهيرى ، ان هذه التقسيمات عودت الذهنية على الخمول والبديهيات والتسيح فلذلك لا بد من دلائل جديدة تشد المجتمع العربى لا الى الخلف كما عودنا الشعر العمودى وبدايات الحر بل ندفعه الى تذوق - ولو جمليا - ابنية جديدة وعالم آخر قد يحس بصعوبة الانتماء اليه - لعوامل التخلف التبعية والتجميل - ولكنه يتفاعل معه اذا تخلى صادقا عن التعصب والحكم المسبق عن الاشياء " ان القصيدة الحديثة لم تعد عملا جاهزا ( وزن وقافية ) ولا استيرادا مترجما بل هى تفاعل داخلى وتكيف شامل ، وموقف فكرى وعملى من الحضارة وثقافة الامة ، .

4 - ان هذا الشعر تولد عن مثقفى الطبقة الشعبية بعد ان زالت عن مجموعات منها الامية وتوفرت لهما الثقافة والدراسة حتى تصير اطارات تدير وسائل الانتاج . وبذلك استفادت طليعة هذه الطبقة ثقافيا واحست بأن التعبير الانقلابي لن يشمل الحياة الاقتصادية وحدها بل والثقافية وكل جوانب التطور والتبعية فالمجتمع الجديد الذى نحن احدى شرائحه الصغرى فى حاجة الى التعليم والثقافة القومية وهما اكبر سند له فى كفاحه المتواصل ضد قوى التخلف والاستغلال

5 - ان تطور هذا الشعر وارتباطه العضوى بتراث الامة الحى لهو الرفض لسببيات الحاضر وتقليده وما يرتبط به من عادات طفيلية ليست من مكونات الحضارة العربية انها من بقايا التخلف وآثار التبعية الاجنبيه انه تشكيك وفضح لدعاة التقدم البطئ وبناة الحواجز وما التصعيد فى بناء الشعر الحديث الا مطلبا نضاليا لتخليص الثقافة والذهنية من سلطة المتاجرة والتخلف والنفعية

ان هذه العناصر من ضمن عوامل ودوافع ظهور شعر التفعيلة فى شكله المطور والذي يتهم ظلما بالغموض . وما الغموض الا احدى دلائل الحياة والفعالية فى الشعر ، وليست السهولة المتبعة الا قتلا للخلق والمواهب وردم مناطق الوعى الجديدة فى الانسان العربى . وقصيدة التفعيلة أخيرا - بابداعها - تحاول اثبات الوجه الاصيل لهذا القطر بعد ان عملت كل القوى الغازية وما زالت تعمل على تشويهه واخضاعه بالامر الواقع للحضارات الغازية

والملاحظ ان مجموعة هؤلاء الشعراء حديثة ولكن ما كتبته على قلته يقوم دليلا على الاصالة والوعى واكتشاف الذات لحضارة اللغة والشعر والثقافة الجديدة ، يكفى هذا الجيل انه ارهاص لبدايات القصيد الحديث ، والى ان تعود الوفود المهاجرة إلى الثقافات الدخيلة وتنكفىء على الذات والى ان تأخذ الثقافة الوطنية واللغة الدور والمكان الطبيعى ، عندها يبدأ الشعر التونسى الحديث ولن ينسى مقوماته ودوره

غير العمودى والحر - بعد انحساره ( البداية والنهاية) : هناك اتجاه شعري آخر أود الوقوف عنده خاصة وان ما دبج فيه من مقالات وقصائد تبشيرية ، وما طبع منه فى الصحف يفوق اى اتجاه آخر انه غير العمودى الحر " واحد نتائج التعليم والغزو الثقافي فى الستينات وقد بدأ هذا اللون فى أواخر الستينات وأوائل السبعينات وهي الفترة الكافية لاتمام المرحلة الثانوية ، وأنا أعزو لثقافة هذه الفترة مردود هذا الشعر ، فهو صدى

شرعيا لحقبة حساسة تميزت بانغلاق عن المشرق العربي ، تراجع فى التعريب وفرض اللغة الفرنسية من الاولى ابتدائى ، واستيراد جميع وسائ الثقافة من المدرسة الى المنزل الى السنما ، وتشويه التعريب باعتباره تخلفا وسلفية قاتلة وتعصب أعمى ، وان الحضارة والتقدم والازدهار المطلوب يتمثل فى فتح المجال امام اللغة الفرنسية وتسييدها

ثم جاء فى فترة انغلاقنا عن تجارب المشرق وايهامنا باننا مكتملون ، ومتقدمون كثيرا وان لنا شخصية تتميز عن العرب جميعا بالتطور والانفتاح الحضارى ، والاستفادة المبكرة ، اننا باختصار متفوقون فى كل شىء حتى قلنا ان العرب من حولنا ما زالوا فى جاهليتهم يترقبون نبيا جديدا ولا يمكن ان نتناسي فترة التعاضد والتشويه الاشتراكى وفصله عن القومية والحرية ، ان أى بناء اشتراكى يطبق فى النواحى الاقتصادية فقط سوف يفشل كما فشلت تلك التجربة ، فالاشتراكية منهج حياة والخطورة الاولى ليست تطبيق النظام الاشتراكى ، وانما فى ادراك النظرة الاشتراكية " وفهم المقومات

التاريخية التى تسير المجتمع ، فالاشتراكية ليست نظريات ولا مجموعة من القوانين تطبق انها فى حاجة الى جهاز مؤمن بها فى حاجة الى بلد حر فى اختياراته السياسية والاجتماعية والثقافية والفكرية فى حاجة ان تطبق في مجتمعها العربى الواسع فكيف تطبق الاشتراكية فى ظل الاقطاع او الرأسمالية ، والاستعمار الثقافي والاقتصادى والتبعية السياسية ، فى هذا التداخل والخلط نشأ شعر " غير العمودى والحر " وسط ضبابية سياسية وفكرية واجتماعية وثقافية ، وتعطيل القوى الذاتية والشخصية العربية ولقى اصحابه من التشجيع ما جعلهم يعزفون عن أى موقف جدى او ادراك حقيقي لمفهوم العمل الادبى والشعرى ، وجدوا انفسهم فجأة واغلبهم لم يتجاوز المرحلة الثانوية ، وافضلهم طلاب فى قسم اللغة العربية بالجامعة - فجأة صاروا شعراء مرموقين بل مجددين فاتحين ، وشعرهم لم يأت به العرب قديمهم وحديثهم غير العمودى والحر " مكسب وطني وشعبى ، انه دليل على الانتماء الى حضارة قرطاجنية بربرية اعرق من العربية وعلامة على الخط الصحيح . وبدأت طواقم النقاد وبعض أساتذة الجامعة وراء المشروع الضخم وما زال بعضهم على ما أظن ينوه بها ويتأسف على زوالها ووقفت مجلة الفكر " بكل ثقلها وصفحاتها تطرى ينوه بها ويتأسف على زوالها ووقفت " مجلة الفكر " ( * ) بكل ثقلها وصفحاتها تطرى

وتبارك هذا الاتجاه الذي حاء يعبر عن اصالة وجدية الوضع القائم ، ويعبر عن التواصل الابداعى من ابن خلدون وحتى اغصطين الى الشابى مرورا بكل المبدعين المحسوين على هذه الرقعة وانها ادراك النظرة الاشتراكية وان كان إنتماؤهم في ذلك الوقت الى حدود اوسع وامة اكبر وحضارة أكثر اصالة ماذا نطلب من شاعر بدا بنشر المحاولة الاولى وقوبلت بالتصفيق والتمجيد ماذا نترقب من طلاب ما زالت انشاءاتهم افضل بكثير من اشعارهم اعتبارا ان وراء الانشاء استاذا له من الخبرة والرصيد ما يؤهله للحكم على الأشياء وتائر أصحاب الاتجاه بالتجارب والتراجم الغربية - ويقول مردودهم الشعرى . أنهم لم يهضموا التراث ولا المعاصرة فوقعوا فرائس للتقليد والترجمة والشكلية ، والنشاز

وغرر بهم وهم الاصالة والشعبية الى مزج العربية بالعامية كأعظم اكتشاف فني ، بل وانقطع البعض منهم عن العربية الى لغة الشعب العامية ، هكذا يتوهم المبدعون ، انا لا أعارض الكتاب العامية ، ولكنها لن تكون بديلا عن لغة الحضارة والعلم والتراث ، حتى ولو خدعنا المبشرون والمستشرقون بان الاتجاه الى لغة الشارع اسلم وأكثر قربا من قلوب الجماهير الكادحة ولن تكون لغة الجماهير الكادحة غير العربية ( لن يتكلم هذا الشعب بغير اللغة العربية يا امراء الغزو فموتوا - سيكون خرابا - هذى الامة لا بد لها ان تتعلم درسا في التخريب ( 1 )

ومما عمق فى فهمهم هذا الاتجاه ما تمخضت عليه الهزيمة العربية فى 67 - واعتبروا الهزيمة انهاء للحضارة واللغة وتكريسا للاقليمية واللهجات أو الاستعاضة عنها باحدى اللغات الكبرى

ولم تدرس ظاهرة الفشل المتكرر فى مواجهة اسرائيل ، ان القصور لا يكمن فى اللغة ولا فى الثقافة انه قصور فردى وتشويه قومى على مستوى الطرح والاستيعاب والتطبيق البدائى والعشوائية ان حركة القومية العربية وامجادها لم تهزم لانها لم تطرح بعلمية معاصرة ، ولم تصل الى اذهان الشعب ، والذي هزم العرب وما زال يهزمهم هو الفردية والفوقية والشعارات الفارغة عوض البناء الحقيقى وتحميل الجماهير الشعبية عبئا ودورا فى البناء والقرار والمواجهة

جاءت قصائد غير العمودى الحر " مزيجا من الثقافات والايديولوجيات فكانت خير تعبير عن سطحية تلك الحقبة من تاريخنا ، وكانت نتاجا للثقافة والتعليم والتعاضد وتكريس الاقليمية والمسخ والانفتاح وبروز الطبقات الطفيلية ، كانت القصائد خير تعبير عن تلك لتلك الفترة المتأزمة والسلبيات الكثيرة ، ابلغ رد عن المروجين والادعياء وليس غريبا ان يصاحب هذه التجربة الادبيه بتراجع عن مشروع التعريب وحذف الشعبة التجريبية المعربة ، ولا الممارسة الاشتراكية الخاطئة ولا الانغلاق عن المشرق ولا الانفتاح عن فرنسا والذي ما زال متواصلا ومتصاعدا يكفى ان نشير الى ما قاله الاستاذ فريسة ان الخطوة المباركة والمحتشمة فى التعريب الآن صاحبها الاعداد لمشروع فتح قناة تلفزية تبث مباشرة من فرنسا حرمنا حتى من الاختيار لبعض البرامج ، اننا سنصير بفضل الله ولاية تابعة ( 1 )

ولكن وبعد ان تراجع رواد الحركة وطواقم نقادها واجمعوا على ادانتها فى نقدهم الذاتي تبقى تجربتهم ملكا للتاريخ والاجيال ، ولا نغالى فى التنديد لان أصحابها - وهذا حق - لم يكن الكثير منهم يعي الملابسات الكثيرة التى كانت مستغلهم وتحركهم وحين وجدوا انفسهم ببادق لما يدعى بالتونسة والاصالة والتفتح تراجعوا فلهم فضيلة الموقف وان جاء متأخرا

قصيدة الثر ( بين الحلم والممكن )

ثم جاءت قصيدة النثر - وان كان " غير العمودى الحر " جزءا مشوها من قصيدة النثر ، وقصيدة النثر تمد جذورها فى النثر الفني ومن محاولات مجلة شعر البيروتية ومن كل الكتابات فى الوطن العربي خاصة منها مجلة الكلمة التى ظهرت في أواخر الستينات واوائل السبعينات وكانت صوت الطليعة الادبية فى العراق ، وقصيدة النثر هى الافراز الواعى للثقافة العربية وتلتقي مع شعر التفعيلة فى تحطيم وحدة البيت وبلورة الصياغة وتفجير العبارة واعادة بناء الجملة الشعرية واصحاب هذا الاتجاه يعدونها تطويرا حيا للقصيدة العربية ، يقول فائز خضور من شعراء التفعيلة وأحد المجددين صراعنا الآن هو الوصول الى تحرير التفعيلة الواحدة ومحاولة التحرر منها ، دون ان نفقد الصياغة موسيقاها

وتنمو نحو قصيدة النثر التى لم تخضع للتطور الجمالى المطلوب بالنسبة للشعر العربى ، ولهذا تبدو قصيدة النثر - بالرغم من وجود القلائل الذين يحسنون كتابتها - مبتورة الاصول مفتقرة حتى الى المرتكزات اللغوية الهامة فى النثر والشعر والغناء ( 1) ، واذا توخيت الموضوعية والصدق فان شعراء قصيدة النثر المبشرين قلة لا يتجاوزون الخمسة وقد أعود الى الحوار مع قصائدهم - فى غير هذا الموضع . - ويواصل فائز خضور شرح دعوته " اننا لم نترك التفعيلة لكن علائقنا الوجودية معها اصبحت مختلفة ، اذ لم يعد يرصدنا قالب التفعيلة ولا نوعها الوزني ، لاننا احتويناها فصارت تابعة . . ( 2) .

فهل نقول ان الشعر الحديث بعد ان حل تناقضه مع العمودى بدأت اشكاله الجديدة تتصارع ؟

وتبقى مشكلة الشعر الحديث بكل اتجاهاته واشكاله تستهدف توترها من قضايا المجتمع ومشاكل التخلف فى الامة العربية والتبعية ، والاستغلال والتجزئة ، ان التحديات الموجهة للشعر تقع ضمن التحديات المطروحة على الثقافة العربية والوجود القومى فلن يتوفر المناخ الثقافي الصحى والنقد المنهجى ، والتجاوز وحركات الابداع ما دامت الشخصية العربية فى الميزان والمزاد ومرحلة الشك

اشترك في نشرتنا البريدية