كان البحر هادئا حدوء المستسلم لقدر محتوم ، عندما خطا عمر خطواته الاولى على الرمال الذهبية ، فانغرست اقدامه الحافية وشعر بدغدغة خفيفة بين اصابعه ، ذكرته بعبث جدته عندما كان صبيا . انها ايام حلوة حقا ، لم يكن يعرف لا الحزن ولا القلق ولا الضجر ، عالم " يوتوبى " بحق كانت المعالم تبدو واضحة وضوح الارض والماء والسماء ، الجبل جبل والبحر بحر والسهل سهل ، اما الان فلم يعد يميز هذه المعالم ، انها تتغير من حين الى آخر فاذا هى سراب وعبث .
أخذ مكانه كالعادة على الحجر الاسود ، كان ضخما عندما كان صغيرا ، كسرته الامواج الصاخبة الهادرة بلطماتها المتكررة ، وكان الانكماش وكان الذوبان البطئ . تحسس الحجر ، لقد عهده مأوى لالاف الحشرات البحرية ، تنخره وتعبث به ولكنها بدورها لا تستطيع البقاء فى أمان ، ان الامراج المجنونة تخرجها من مكامنها قسرا فتتبعثر على صفحة الماء من جديد فتغير ماء مأواها وتأتى حشرات أخرى لتأخذ مكانها بالحجر الاسود ، وهكذا فلا شئ يبقى على الساحل ، كل شئ يتغير ، فلا الامواج باقية ولا الصخور ولا الرمال ولا الحشرات انها فى تحول دائب .
يوم فقد ذراعيه على هذا الساحل وهو يتأمل ، يبعثر افكاره عبر الاجيال والازمان ، يشتتها فوق كل حبة حصى ، بين كثبان الرمال ، فى ثنايا كل موجة هادئة وكل موجة هادرة تلاحق طير النورس ، حتى اذا ما تجمعت ازدادت حدة ضجره . كان يوم نحس ، انه يتذكر تفاصيله لحظة بلحظة ، كان كل شئ يبعث على الوحشة وعدم الاطمئنان ، سحب فى بياض صارخ وسحب أخرى فى سواد قاتم موحش ، ريح ثلجية تلسع وجهه والظاهر من جسده ، فتحيل باقى الجسم الى كتلة من جليد . كان الصقيع قاتلا فيما مضى ولكن لم يكن يرتعش ، اما فى ذلك الصباح فأصبح كتلة من الارتعاش والاضطراب .
الكوخ يرتج وكذلك كل ما وقع عليه بصره ، أوانيه التى الفها من زمان والتى أنست لمساته أصابها الجزع والهلع ، لا تريد ان تركن للهدوء وهى فى قبضته ، انها تتمرد عليه فى ارتباك عجيب رجلاه تلمسان الرمال فى تردد غير الواثق من أرضية شاطئ الامان وكأنها ما اعتادت حرثه جيئة وذهابا فى ليالى الشتاء بعواصفها المجنونة الثائرة وفى الصيف فى الليالى المقمرة الساخرة تسرد أسطورة جمال هذا الكون .
كانت حقق المتفجرات ترقص رقصة الموت داخل السلة ، وترتطم ببعضها وكلما حاول تهدئتها ازدادت عنتا وعفرتة ، لطماتها وصفعاتها تسحق هدوءه ، تكبت انفاسه ، تضيق عليه الخناق ، تبعثره على كل حبة حصى ، ترجمه صخور الشاطى الضخمة ، ضحاياها تعد بالعشرات ، مأسيهم لا تزال تتراقص امام عينيه ، تحيط به من كل جانب ، تعتصره داخل احدى الثغرات الصخرية أين تسكن الحشرات البحرية " سعيد وصالح وخليفة " رهط فقدوا حاسة الادراك ، شلت افكارهم ، احيلوا على المعاش بلا معاش ، انزووا فى اركان تبعد عن هذا الشاطئ ، هاماتهم مشلولة ، مشوهة ، يزورون الشاطئ من حين لآخر ، لقد كان أصل البلاء ، ومع هذا يحنون اليه ، يتحسسون خضوائهم والصخور التى حملتهم السنين الطوال وتنزل دموعهم مبللة الشاطئ كل الشاطئ .
الانفجارات تتوالى فى كل مكان وفى كل انفجار تهتز أفئدة وتهلع نفوس ... يا ساتر يا رب ... خير يا رب ... يا حافظ يا رب ... الاعين تراقب صفحة الماء تخرق ... آلاف الثقب وعندما تبصر الطريدة تمتد اليد الى الحقة وتشعل " الفتيل " ويكون الانتظار ، تلك اللحظة الرهيبة ، تضيع فيها نفوس وتسرع دقات القلب ويتكهرب الجسم والشاطئ والبحر والسماء ويرتج كل شئ ، حتى طيور النورس تصفع الماء وتنطلق هاربة جزعة .
تكثر طيور النورس فى ذلك الشاطئ وهى لا تفتأ تقوم بعروضها التى كانت تجذب انتباهه ، فيبقى ساكنا محدقا فيها بلا حراك فينسى ما أتى من أجله ، لما أصابه الدهر بما أصابه أصبحت مجموعات طيور النورس تسليته الوحيدة ، الصور الثابتة والمتحركة تهرب من واقع مرير قاتل الى عالم المرح الحرية والنظام ، الى عالم النسق والتناسق ، ها هى تنطلق من اسفل الى أعلى زعامة محنك صنف ، وهاهى تحجب صفحة الماء عن السماء فى شكل ، فى أشكال الطائرات الحديثة ، تسبح فى خيلاء ، مطمئنة ، مرتاحة البال ،
تمخر الفضاء فى سيادة السيد الواثق من نفسه وتشرف على آخر خبط للرؤية المجردة وتعود فى سرعة الغازى الكاسح وتصعد لبلوغ الهدف وتهدأ ، ولكنها تنطلق فى سرعة جنونية نحو الهاوية تريد المحق وقبل .. وقبل .. تصفق وتزوغ بعد ان تلطم البحر بأطراف الاجنحة . يريد ان ينادى طيور النورس الطليقة ، يريد مناجاتها ، مشاركتها عبثها وجدها ، وتمتد ذراعاه فيصدم بالبتر .. كسير الجناح ، مهدم الكيان ، تنخره الهوامش وتلطمه الحياة وقد سلبته حبل النجاة من السقوط الى التحت والبقاء مع من تحت ..... ودلو بتسلق هذه الصخرة الشماء ويصرخ فى هذا الفضاء الواسع ، فى الكائنات الحية منها والميتة بأن كل شئ زائل .... الفناء وهو يتقبل هذا الامر أحب أم كره ، وليست هذه هى علته أو شكواه ولكنه يسأل : ما الذى نطلبه الحياة من تشبثها بكائنات منقوصة .
هناك حيث تحت .. تستقر صخور ناتئة تطل بصلابتها وشراستها ، وهى قادرة على تحطيم أى شئ يقع عليها ، انه يود لو يكون من قرابينها ، لنزول آثاره بعد لاى كما تزول آثار الحشرات المائية عندما تبعثرها الامواج الصاخبة لتستقر فى مكان آخر .
الشاطئ هادىء الا من صخب الامواج الذى بدأ يزداد بازدياد سرعة الريح ، وطيور النورس والصخور والحشرات وكل الكائنات الحية والمبتة ترمقه جهرا وخفية باحداق حمراء وصفراء وسوداء ألوان اختلط ببعضها ببعض فعجز عن تبينها احداق من شرر ، أراد ان يسخر منها وأن يهز كتفيه فى غير اكتراث فخانته كتفاه ، انها تفتقر الى شىء يجعلها مسؤولة عن الاكتراث أو عن عدم الاكتراب ، بحث عن طيور النورس فاذا بها تنتشر على كامل الشاطئ وقد أضاعت نسقها ، فتبعثرت لا تلوى على شئ . كل شئ إلى زوال كل شئ الى زوال ، حتى النظام حتى المشاهد الجميلة ، حتى آيات الرحمة الالهية الى زوال ، وكان لابد أن يتضخم فيه الحقد الاعمى على كل شئ تطأه رجلاه ونقع عليه عيناه ، لقد استحال الى كتلة من الغيظ والارتعاش والاضطراب ، اصبح نشازا فى لحن حزين .
لقد كان التحدى كبيرا ، انه لا يريد التزحزح قيد انملة ، انغرس فى الرمال ، تشبث باليابسة وكأنه اصبح يهاب البحر وأمواجه الصاخبة ولكن بعد جهد ، استطاع دفعه الى الداخل ، ابتلت ثيابه والتصقت بجسده المرتعش وكأنها تلوذ به ، تستعطفه فى تضرع .
ما ان وقع وسط القارب وتحامل على نفسه منتصبا على رجليه حتى شرع فى التهام كل ما يدور حوله بتلك النظرات المحدقة الجاحظة . يحتقر كل شئ لان كل شئ تافه ، سراب فى سراب فى سراب . يضم فى لا مبالاة ، يحتضن فى ازدراء ، يراقب فى نفور ، يداعب بالبلايا والكروب ، يناجى بالصواعق والبروق والرعود ، أراد أن يصرخ وأن يكون لصراخه دوى ... وأى دوى ، لكن رغم حنقه وحقده الاعمى ، كان يعرف أن صوته أحقر من أن تصغى اليه كل هذه الكائنات . أمواج البحر التى ابتدأت تثور ثائرتها وكأنها احست بوجوده غير المرغوب فيه ، لم تكن لتفسح له المجال ليقول كلمته ، هى الضخمة والاقوى وهو الضعيف ولا ضعف بعد ضعفه .
اين انت يا آيات الرحمة ... يا صور الجمال وراحة النفس ... يا طيور النورس وشمس الاصيل ... يا أحلام الفرح وليالى ألف ليله وليله .. أين أنت منى وأين أنا منك أراك فى حل منى فاذا كان يريحك عذابى فلتجمعى ما أوتيت من طاقة للعبث بى بين هذه الامواج الثائرة وهذه الرياح النافخه اذا كان هذا يزيد فى تسليتك .
ما كان ليقدر على التوغل بعيدا داخل البحر لقوة لطمات الامواج الزاحفة فى اتجاه الشاطئ فى علو الجبال ، وما كانت هذه الامواج لتعيده الى الشاطئ وقد انحصر قاربه بين الصخور فحالت دونه والشاطئ ولو اأنه لا يرغب فى ذلك . كان القارب يدور حول ذاته ويهتز كانه سيحلق ، وينزل الى أرضية الموجة وكأنه يهم بالغوص ، وهو بين الاهتزاز والنزول يتأرجح فى رقص الشياطين ، ولم لا وقد امتطاه شيطان آدمى فقد احس كل الحس والشعور بأنه كأى كائن فى هذا الوجود ، يهدى السعادة وتسلب منه ، ولا بد له ان يتقبل الامر بصدر رحب ولو رزح تحت جبال من البلايا .
انتصب وسط القارب بهامته ليفرض نوعا من الاصرار على كل هذه الكائنات التى تألبت عليه ليظهر كأى كائن كامل ، وصعق بعد لاى ليعلم بان ما يفعله ما كان ليبتغيه ، لقد سلب ولئن كان له نصيب الاسد فى ذلك مقومات الكائن الفارض ، واذا حدثته نفسه بامر فى لحظة من أحرج اللحظات فذلك لضعف فيه ولبقاء ذرة من حب التشبت باليابسة . ان كل الحيل التى تستعمل لهذا القضاء ، اول ما يراعى فيها قتل تلك البذرة واحباط كل السبل للنجاة حتى إذا ما ابصر النهاية المفزعة لا يقدر على التقهقر وينتهى الامر ، وامام حالة الفزع يشل كل شئ . الموجات المتتالية رغم عظمتها وقوتها ما قدرت الا على
العبث بالقارب وصاحبه وكأنها : تحالفت مع الاقدار لكى ينتهى الف مرة ويتناثر اشلاء وهو منكمش يبصر النهاية قبل النهاية أراد أن يصرخ مرة أخرى لتنطلق أحقاده كل احقاده من عقالها وغضبه ومقته لهذا العالم ، وعند ذلك فقط يمس العالم فى الصميم فيعجل بالنهاية ، ولكن شيئا من هذه لم يقع ، لقد تسرب القارب بين الصخور وأصبح بين رحمتها ، تلطمه الامواج على الصخور وتصفعه باعانة من الموج المتقهقر لتتلقفه الصخور الاخرى . فلا القارب تهشم كليا ولا هو اقتلع منه ، واخذ مكانه فى قاع البحر ، وجمع قواه وارتمى فى اليم .
حاول التخلص من الكابوس الذى اضاع منه الرؤية المجردة فعجز ؛ وكان السعال الذى لا يعرف كيف امسك به ، يهزه هزا ويدفع باعماقه الى الخارج السعال يرجه يزعزع فيه الكيان وكان لابد ان يلتقط الحقيقة التقاطا ، الحقيقة المهزلة حتى الموت . لا خلاص له من نفسه ، وها هو يبلى بعلة ستتشبت بتلابيبه وستعدمه ببطء .
يا للسخرية يا للقضاء العادل ، لا تزال فى العمر بقية وسيوضع على مائة التشريح وليس له فى الامر خيار ، وابتسم ليحتضن كل بلايا العالم ورزاياه .

