تمهيد :
يعتقد بعض المؤرخين وعلماء الاجتماع أن الحضارة تأخذ فى البداية طابع اللعب وعلى هذا الاساس كان اللعب أسبق من الحضارة لأنه جزء من وجود الانسان ذاته ارتبط به وتطور معه . والانسان يلعب حين يقوم بنشاط حر دون قصد صحيح فيشعر خلال اللعب بروح المتعة والمرح حتى اذا أصابه الاعياء أو الملل كف عن ممارسته بمحض اختياره بعد أن يكون قد شعر بلذة حسية وعقلية وجهت رغائبه وحددت ميوله . وفى هذا النطاق كانت لعبة الشطرنج منذ القديم رياضة الفكر وربطها بعضهم بالمنطق والحساب والذكاء والتدبير مما جعل الاولياء والمربين يحبذونها ويرغبون الناس فى ممارستها خلال أوقات الفراغ واللهو ، حتى شاع الشطرنج شيوعا واسعا لدى مختلف الاوساط الاجتماعية منذ القرون الوسطى الى عصرنا الحاضر
وقد عرف العرب لعبة الشطرنج وشغفوا بها شغفا عظيما ومارسوها ممارسة طويلة لم تخل من الطرافة والتشويق . وسنحاول فى هذا البحث أن نكشف عن علاقة العرب بتلك الرياضة الفكرية وعن الدور الحاسم الذي اضطلعوا به لتطويرها وازدهارها
وقبل ذلك سنبين الأصل اللغوي لكلمة شطرنج ونشرح خصائصها المعنوية ونستعرض ظروف اختراع اللعبة عند الهنود ثم نقف على قضية نسبتها ورحلتها الى الفرس والعرب فالأوربيين
أصل كلمة شطرنج وخصائصها :
ذكر جمهور اللغويين أن كلمة ) شطرنج ( معربة ونصت طائفة منهم على أن تعريبها كان عن الفارسية ) شترنك ( أى ستة ألوان وذلك لأن له ستة أصناف
من القطع التى يلعب بها فيه وهى فى الرقعة من اليمين الى اليسار : ) الشاه ، الفرزان ، الفيل ، الفرس ، الرخ ، البيدق ( ) 1 ( إلا أن بعض اللغويين يرى أن كلمة ) شطرنج ( Tscnaturanga سنكسرية الأصل وتعني جيشا مركبا من اربعة أجزاء : فيلة وعربات وأفراس ورجالة ، وعلى هذه الصورة كان تركيب الجيش الهندى وعلى منواله قيست لعبة الشطرنج ، وقد جوزوا فى نطق الشين الفتح اتباعا للأصل المنقول عنه وبالكسر الحاقا له بالاوزان العربية . وتجمع كلمة شطرنج على شطرنجات اما الشطرنجى فهو الحاذق بلعبها والماهر فيها ) 2 (
قضية نسبة الشطرنج :
تنسب المصادر العربية القديمة الى الهنود اختراع لعبة الشطرنج وتنقل روايات عديدة عن دواعي ذلك الاختراع والظروف التى حفت به والنتائج التى انتهت اليه ، من ذلك ان الرواية الاولى تذكر أن صصه ) 3 ) ابن داهر وضع الشطرنج فى أيام الملك شهرام ) 4 ( لبيان ما تحتاج اليه الحرب من تدبير واحتياط وتعبئة واحتراس وصبر وشجاعة . . ( .
وتذكر الرواية الثانية ان الملك " باهيت " قد فشا فى عهده لعب النرد والاعتقاد فى التواكل والاستسلام فساءه ذلك وسأل : هل بقى رجل على دين البرهمية ؟ فدل على رجل له عقل ودين فارسل اليه فلما أتاه أكرمه ورفع درجته ثم ذكر له ما قد فشا فى أهل مملكته فقال : أيها الملك ، أنا أقيم
برهانا نعرف به فضل الحازم على العاجز والمجتهد على المقصر والمحتاط على المضيع والعالم على الجاهل ، فوضع الشطرنج وصيرها ثمانية فى ثمانية اي أربعة وستين بيتا وضع لها اثنين وثلاثين قطعة مقسومة بين لونين كل لون ست عشرة قطعة وقسم القطع على ست صور : الشاه فالفرزان فالفيلان فالرخان فالفرسان فالبيادق ) 6 (
اما الرواية الثالث فتذكر انه لما ملكت " حوسر " بنت بلهيت خرج عليها خارحي وكانت جارية عاقلة فوجهت ابنا لها وكان لها اربعه أولاد فقتل ذلك الخارجى ابنها فعظم ذلك على أهل مملكتها وأشفقوا من إخبارها فاجتمعوا على حكيم من حكمائهم يقال له " قفلان " وكان ذا حكمة وفطنة ورأى فذكروا ذلك له فقال : انظروني ثلاثا ! ففعلوا ذلك وخلا مفكرا ثم قال لتلميذ له احضرني نحارا وخشبا من لونين مختلفين أبيض وأسود ففعل . وصور صورة الشطرنج وأمر النجار فنجرها ثم قال له : احضرني جلدا مدبوغا ! وأمره ان يخط فيه أربعة وستين بيتا فلما أتم ذلك نصب ناحية وأخذ يجاول تلميذه وقال : هذه حرب بلا ذهاب أنفس ! ثم حضر أهل مملكته فأخرجها لهم فلما رأوها علموا انها حكمة لا يهتدى اليها أحد . وجعل يجاول تلميذه فيقع شاه مات وشاه غلب فأخبرت الملكة بخبر قفلان فأحضرته وأمرته أن يريها حكمته فأحضر تلميذه ومعه الشطرنج فنصبها بينهما ولعبا فغلب احدهما صاحبه فقال : شاه مات ! فانتبهت وعلمت ما أراده وقالت لقفلان : أقتل ابنى ؟ قال انت قلت ، فقالت لحاحبها : ادخل الناس يعزونى ، فلما فرغت احضرت قفلان وقالت له : سل حاجتك ، فقال : أسأل أن أعطى قمحا بعدد بيوت الشطرنج اعطى فى البيت الاول حبة وفي الثاني اثنتين ثم يضعف ذلك لى فى البيت الثالث على الثاني ثم على هذا الحساب الى آخرها . " ) 7 ( .
ويعتقد المؤرخون أن من عادة الحكماء ان يظهروا آثار حكمتهم فى كل ما قدروا عليه وذلك بأن يجعلوا للامور الغامضة مثالا وصورة تقع تحت المشاهدة والحواس قصد تقريبها الى الافهام ، وكانوا كثيرا ما يحتالون لوضع أشياء
يكون ظاهرها لهوا لحواس العامة وباطنها رياضة لعقول الخاصة8 وفي هذا المجال أعطى حكماء الهند للاعبين آلات متساوية وبنوا الامر فيها على الاختيار والتدبير فشبهوا رقعة الشطرنج بأرض المعركة التى يصطف عليها الجيش للقتال كما شبهوا الصور الست : الشاه ، والفرزان ، والفيل ، والفرس ، والرخ ، والبيدق ، بالمعاني الست التى عليها مداد الحرب ، أولها : الملك الذي سوس ، والثاني : الوزير الذى يدبر ، والثالث : صاحب الجيش الذى يعبئ والرابع : الفرسان ، والخامس : الحصون ، والسادس : الرجالة ، فجعل الشاه بدل الملك ، والفرزان بدل الوزير ، والرخ بدل صاحب الجيش ، والفرس بدل الفرسان ، والفيلة بدل الحصون ، والبيادق بدل الرجالة
اما حكمة الهند في ترتيب آلات الشطرنج فتتمثل فى كونهم وضعوا مكان الشاه في الوسط لأن الملك يوجد فى قلب العسكر ، ووضعوا الوزير يليه لان الوزير يكون قريبا من الملك ، ووضعوا الفيل بعد الفرزان لانه احسن مواضع المعركة حيث يكون الملك ووزيره ، ووضعوا الفرس بين الفيل والرخ لان الفرسان حماة الحصون ، ووضعوا الرخ يلى الفرس لان صاحب الجيش هو مرتب الميمنة والميسرة ، ووضعوا البيادق فى مقدمة الصف لان الرجالة يتقدمون فى الحرب ) 10 ( .
واما حكمتهم في حركة القطع فتتمثل فى كونهم جعلوا حركة البيدق بيتا واحدا من الاستقامة تشبيها بالراجل الذي لا يتعدى موقفه فى المعركة و لا يتقدم إلا زحفا ، وجعلوا أخذ البيدق من جهة الانحراف لانه انما ينال من صاحبه ما ينال على سبل الخسية فى المثاقفة ، وأوجب له ان يصير فرزانا اذا بلغ آخر الرقعة ذلك ان من تقدم فى المحاربة نفاذا الى حيز عدوه ويحترس من ان ينال أو يقدر عليه فقد استحق وزارة الحرب ، وجعلوا الفرس مبعدة لان الفارس تهيأ له الابعاد اذا كان راكبا وتهيأ له الانضمام الى حيزه اذا كان خائفا ، وجعلوا حركته فى التقديم والتأخير والأخذ منحرفا لأن الفارس يحتاج الى أن يطاعن أقرانه وينال منهم مخالسة ومبارزة ، وجعلوا حركة الرخ .
على السمت ابعد غاياته المسامتة له ، وابعد الآلات لأنه صاحب الميمنة والميسرة في الحرب وهو الذي يكد ويحمل ما يواجهه من عورات العدو الى حيث يتهيأ واما الشاه فانه جعل حركته بيتا واحدا من أى جهة كانت لان الملك ليس صاحب ركض وهو مخير فى التصرف كيف ما شاء من اقبال وادبار وتقدم وتأخر وحكم الفرزان كذلك الا انه أقل تصرفا من الملك فلذلك جعل أخذه عن عقدة ) 11 ( .
وتؤكد بعض المصادر ان لعبة الشطرنج ظهرت عند الهنود منذ ) القرن الخامس الميلادي ) 12 ( وانتقلت من هناك الى بلاد فارس على عهد كسرى انوشروان في النصف الثاني من القرن السادس الميلادي ) 13 ( فى حين ترى بعض المصادر الاخرى ان لعبة الشطرنج كانت قد عرفت عند قدماء اليونان وهي ينسبون اختراعه الى بلاميدس Plammede فى الوقت الذى كانت تدور فيه حرب طروادة 14 ) Troie ) .
واما محرر فصل شطرنج في دائرة المعارف الاسلامية فقد ذكر ان لعبة الشطرنج خرجت من اليونان وامتدت من هناك الى أمم مختلفة وهو يرى ان المسلمين يزعمون انهم أخذوه عن الهنود لكن الاخبار المتعلقة بذلك أسطورية وهو يرجح انهم عرفوا الشطرنج من بلاد فارس القديمة ) 15 (
ونحن مضطرون هنا إلى مخالفة دائرة المعارف الاسلامية ، ذلك ان جميع العرب الذين تحدثوا عن الشطرنج وأرخوا له فى مؤلفاتهم ) 16 ( ارجعوا اصل وضع الشطرنج الى الهنود وعزوا لهم السبق فى اختراعه وتناقلوا عنهم روايات عديدة ومتنوعة حول ظروف الشطرنج عندهم الشئ الذى لم يثبتوه عند أحاديثهم عن الفرس واليونان بل ان المراجع الاوربية تستند فى أصل ظهور الشطرنج إلى المصادر العربية ) 17 ( وعليه فنحن نميل الى القول بأن العرب أخذوا الشطرنج مباشرة عن الهنود وزادوا شغفا به عند اختلاطهم
بالفرس ثم عمدوا الى نشر تلك اللعبة خارج الحدود الاسلامية حتى وصلت الى اروبا حوالى القرن التاسع الميلادي ) 18 (
ظهور الشطرنج عند العرب وظروف ممارستهم له :
إذا كنا نجهل الفترة التى ظهر فيها الشطرنج عند العرب فان بعض المصادر ترجع ذلك الظهور الى القرن الاول الهجرى ) 19 ( بل وربما حتى قبل ذلك التاريخ ) 20 ( وتذكر بعض المصادر الاخرى ان الصحابة كانت تلعب به كعبد الله ابن جعفر وغيره ) 21 ( وان عمر بن الخطاب قد سئل عن اللعب بالشطرنج فقال : لا بأس إذا كان آلة الحرب ( 22 ( ، وقد روى ابن الجوزية خلال استعراضه لموقف الأئمة من قضية اللعب بالنرد والشطرنج ان على بن ابى طالب شبه اللاعب بالشطرنج بالعاكف على التماثيل ، فقد مر يوما بقوم . يلعبون بها فقال : ما هذه التماثيل التى انتم لها عاكفون ؟ وقلب الرقعة عليهم ) 23 ( ويعلل بعض المؤرخين موقف على بن أبى طالب بانه كان ناتجا عن ظرف خاص لم يزل فيه الشطرنج مذ ذلك العهد الى زمن بني أمية على الصورة التى رسمها الأعاجم فكانت قطعة تذكر العرب بالتماثيل وخاصة ظهورها فى شكل صور للبيادق ، والفيلة ، والافراس . لهذا لما رآها على عليه السلام أنكرها ( 24 (
ويروى كذلك أن العديد من الفقهاء والمحدثين والقضاة قد لعبوا بالشطرنج مثل سفين بن أبى عائشة المحدث وابراهيم بن طلحة بن عبيد الله بن معمر افضل أهل المدينة وكذلك القاضى اياس بن معاوية ( 25 ( والأرجح اذن ان
الفقهاء جوزوا اللعب بالشطرنج ما لم يدفع المسلمين الى المقامرة أو الحلف عليه وما لم يشغهم عن الصلاة ) 26 ( وإن اكد ابن الجوزية ان لا أحد من الصحابة احله ولا لعب به ورأى ان كل ما نسب الى أحد منهم من انه لعب به كأبى هريرة افتراء وبهت على الصحابة لان الشطرنج على حد قوله : " تأخد بفكر لاعبيها وتشغل قلوبهم عن ذكر الله " ) 27 (
ورغم هذه المواقف المتشددة من بعض الفقهاء فان اللعب بالشطرنج قد فشا فشوا فاحشا فى عهد الخليفة الأموى مروان بن محمد مما حمل هذا الاخير على ان يأمر عبد الحميد الكاتب بتحرير رسالة الى ولاة الاقاليم يأمرهم بزجر الناس عن ممارسة " هذه التماثيل من الشطرنج " زجرا رادعا بعد أن بلغ الى علمه "ان أناسا من أهل الاسلام قد ألهجهم الشيطان بها وجمعهم عليها وألف بينهم فيها ، فهم معتكفون عليها من لدن صبحهم الى ممساهم شاغلة لهم عما أمروا به من القيام بسنن دينهم مع مداعبتهم فيها وسوء لفظهم عليها " ) 28 ( .
لكن اقبال العرب على الالعاب والملاهى سيشهد فى عهد العباسيين اعتناء منقطع النظير بفضل ما توفر فى بيئتهم من وسائل الاغراء الاجتماعى والحضارى فمارسوا الشطرنج فى كل المناسبات خاصة وان أولى الامر منهم كانوا من هواة هذه اللعبة والمعتكفين عليها . فهارون الرشيد قد ولع بالشطرنج ولعا شديدا حتى انه كان لا يتخلى عنه حتى فى سفره وتنزهاته من ذلك ما رواه المسعودي نقلا عن ابراهيم بن المهنى انه قال : " كنت مع الرشيد على ظهر حراقة وهو يريد الموصل والمدادون يمدون الشطرنج بين ايدينا " ) 29 ( وقد اهدى الرشيد فى جملة ما اهداه الى الملك شارلمان عظيم الافرنج فى عهده رقعة شطرنج فاخرة صنعت من العاج ) 30 (
اما المأمون فكان بدوره من هواة الشطرنج وكان يقول : " لا اسمعن احدا يقول : تعال حتى نلعب ولكن يقول : تعال نتداول أو نتناقل " كما يروى عنه انه اقترح فى لعب الشطرنج أشياء ) 31 ( وروى السيوطي عن بعض النخاسين انه قد عرضت على المأمون جارية شاعرة فصيحة متأدبة شطرنجية ساومته فى ثمنها بألفي دينار علما منها بحبه الشديد للشطرنج ) 32 (
وقد عقد العرب للشطرنج مجالس خاصة على جانب كبير من المرح والمتعة استعملوا فيها فنون الهزل واللهو وتبادلوا خلالها مختلف الملح والنوادر وتباروا اثناءها فى اللعب وقول الشعر ) 33 ( اعتقادا منهم كما يقول المسعودى بأن ذلك مما يبعث على ممارسة الشطرنج وانصباب المواد وصحيح الافكار فقد قال فى ذلك أحد الشعراء :
كم من ضعيف اللعب كانت له عونا على مستحسن القمر ) 34 (
ومن أجل ذلك نجدهم يكرهون التوقر واصطناع الجدية اثناء اللعب فقد حكى عن المأمون انه كان يشتهى مشاهدة الشطرنج فدعا جماعة من الشطرنجيين يلعبون بين يديه فلعبوا متوقرين ، فقال لهم : ان الشطرنج لا يطيب مع التوقر قولوا ما تقولون إذا خلوتم ) 35 ( وفى هذا يقول الحسن البصرى : " روحوا القلوب وحادثوا النفس فانها سريعة الدثور " ويعرف الحكماء الانسان العاقل بانه من لا يخلى نفسه من أربعة أشياء : من عمل لمعاد واصلاح المعاش وفكر يقف به على ما يصلحه مما يفسده ولذة فى غير محرم يستعين بها على الخلات الثلاث ) 36 ( وقد حاول العرب التوفيق دائما بين الافادة والامتاع فى كل نشاط فكرى أو بدني يقومون به وهم وان استطابوا الشطرنج واستملحوه ومارسوه بكثير من البسط والتأنيس اعتبروه كذلك أداة تثقيفية تشحذ الذهن مثل الكتاب تماما ، فقد ذكر ابن الساعى ان احدى الشخصيات العربية
كانت له دار مضيف فيها كتب وشطرنج فالعلماء يطالعون الكتب ومن لم يعرف العلم يلعب بالشطرنج ) 37 (
كما اصبح الشطرنج من جملة الاغراض التى اثارت اهتمام الشعراء العرب فتناولوه بالوصف وخصوه بالمدح وأبرزوا ما تميز به من دربة على ترويض العقل وحسن التدبير ورسم الخطط . قال على بن الجهم ) 38 (
أرض مربعة حمراء من أدم ما بين إلفين معروفين بالكرم
تذاكرا الحرب فاحتالا لها فطنا من غير ان ياثما فيها بسفك دم
هذا يغير على هذا وذاك على هذا وعين حليف الحزم لم تنم
فانظر الى بهم جاشت بمعركة فى عسكرين بلا طبل ولا علم ) 39 (
ورد أحد الشعراء ) 40 ( على من يعيب الاقبال على لعبة الشطرنج فى حين يتشاغل عن ذلك بالحديث عن الغيبة والناس فقال :
يا عائب الشطرنج من جهله وليس فى الشطرنج من باس
في فهمه علم ولعبه تشاغل عن الغيبة والناس
وصاحب الحرب بتدبيرها يزداد فى الشدة والباس ) 41 (
وتولى شاعر آخر ترغيب الناس فى ممارسة الشطرنج باعتباره رياضة عقلية تزين صاحبه وتجنبه مجالسة الجهال وغيرهم فقال
انما لعبك بالشط -نج يا صاح رياضه
فاهجر الهجر لديها لا ترد يوما حياضه
وتجنب صاحب الجهل ومن فيه غضاضه
لا تجالس غير ند زانه العقل وراضه ( 42 )
وغالبا ما كان اللاعبون يقضون مدة طويلة فى التفكير يرددون فى الدست انظارهم ويجيلون فيه عقولهم ويقلبون خططهم قبل الاقدام على تحريك القطع وهو ما كان يثير فى نفوس العرب معانى تجيش بها صدورهم فتقذفه على ألسنتهم حتى كان لهم لكل حالة مقام ولكل تصرف كلام ، من ذلك ان أحدهم إذا قدم اقداما يعود فيه عاجلا بلا فائدة أنشد
فان اغتراب المرء فى غير خلة . ولا منة تسمو به لعجيب ( 43 )
واذا وقع له قطعة فى موضع جيد أنشد
فالقت عصاها واستقرت بها النوى كما قر عينا بالاياب المسافر ) 44 (
واذا خلص الشاه من مضيق باعطاء شئ أنشد :
وكل مصيبة فى السلم تهون بهم إن سلم الخصيب (45
واذا قدم شيئا على الخطر أنشد
ساحمل نفسي على آلة فاما عليها وإما لها ( 46 )
واذا أحجم ثم تقدم أنشد :
تأخرت أستبقى الحياة فلم أجد لنفسي حياة مثل أن اتقدما ) 47 (
واذا أحجم انتظارا للفرصة أنشد :
شجاع إذا ما أمكنتني فرصة وان لم تكن فرصة فجبان (
وإذا أراد أن يتناول شيئا ثم أحجم عنه حذرا من سوء العاقبة أنشد :
وما أحجم الاعداء عنك بقية عليك ولكن لم يروا فيك مقدما ) 49 (
واذا أخذ شيئا غير متعتمد به أنشد
لا تحسبوا من أسرتم كان ذا رمق فليس يأكل إلا الجيفة الضبع ) 50 (
وإذا تناول شيئا كان قد أعطاه على محاماة شئ أعظم منه أنشد :
يا رب إن أبقيت لى مالكا فاذهب بمن شئت من الناس ) 51 (
واذا وقع له لعب جيد وهو لا يراه أنشد :
سيوف لعمري يا لؤى بن غالب حداد ولكن أين بالسيف ضارب(52
( يتبع )

