الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

لعنة الوشاح المقدس

Share

أطلت عذراء قرطاجة من معبد تانيت ، يتبعها الكهنة بأرديتهم البيضاء شاحبى الوجوه محلوقى الرؤوس ، فبانت تلمع تحت أشعة الشمس الذهبية وبانت بينهم عذراء قرطاجة كأبهى ما تكون ، فتنة وطهارة وقداسة ، وكان لظهورها أمر وأي أمر . ان مرتزقة قرطاجة الذين جندوا للدفاع عن امن المدينة وتجارتها ، يحدثون الفوضى والصخب ، فقد اقتلعوا الاشجار وحطموا حوض السمك المقدس مطالبين بأجورهم المتأخرة ، ولكن من اين ستدفع قرطاجة وخزانتها افرغت فى خزائن روما بعد انتصارها الاخير على قرطاجة ، ولم يكن فى مقدور احد كبح جماح ثورتهم الا قضاء الالهة تانيت ربة القمر .

 ما ان أطلت صلامبو من ذلك العلو الشاهق ، من معبد الربة تانيت حيث مخبأ سر وعلة نجاح قرطاجة وانتصاراتها المتكررة على اعدائها انه الوشاح المقدس الذى حاكته انامل الالهة ، وان ارادت قرطاجة المحافظة على بقائها فعليها بالمحافظة على الوشاح والا ذهب ريحها .

اشرأبت الاعناق وتسمرت الاقدام فى اماكنها ، وجحظت الاعين لعذراء قرطاجة ، انها اشرف واقدس انسان بالمدينة بعد الالهة ، ولقد منحتها الربة شيئا من هذه القداسة والشرف ، وما ان وصلت الى جموعهم والكؤوس لا تزال بأيديهم حتى صبت عليهم صواعق عتاب ، فاكتسحت اجسادها قشعريرة كقشعريرة الذى يجابه امرا جليلا ، امرا من لدن السماء والالهة .

اقتربت من احد الجنود الذين اشتهروا بالقوة والبسالة وهوليبى ، وصبت له فى كأسه خمرا بينما كان هو مشدوها ومسحورا بجمالها ، وقد كان يهيم بها عشقا ، وما ان اتاحت له الفرصة للمثول امامها عن قرب ، ولاول مرة حتى ازداد لهيبه ، فمد يده محاولا مسكها من معصمها ، وفى تلك اللحظة صوب القائد النوميدى (( نارهوى )) سهما الى ذراع العاشق (( ماتو)) فأصابته مباشرة ، وما كان من ماتو الا ان انتزع السهم بشراسة وحمل المائدة .

الكبيرة ورماها على نارهوى يريد الفتك به ، واختفت صلامبو وكهنة المعبد واختفى القائد النوميدى .

   بعد هذا الحادث ، شعر اشراف قرطاجة وحكامها والمرتزقة انهم لن يصلوا الى نتيجة تحقن بها الدماء ، واستطاعت قرطاجة تخديرهم بتقديم تسبقة الى حين على ان يبتعدوا عن قرطاجة ، وكان ما اتفق عليه ، ولكن الاتفاقية فشلت بعد قتل قادة قرطجة لبعض المرتزقة ، وعادت الجحافل من جديد الى قرطاجة تبتغى الفتك والفتك الذريع ..

ممس الاغريقى (( سبنديوس )) الاحدب وقد كان يعمل فى قصر صلامبو فى اذن ماتو ببعض كلمات كانت منعرجا خطيرا فى هذه الملحمه . تسلل ماتو والاحدب من قناة توصل المياه الى داخل ( المدينة )، وبعد صراع رهيب مع القناة والماء كانا داخل المدينة يسترهم ليل بهيم . اندفع ماتو داخل معبد تانيت وانتزع الوشاح المقدس عن تمثال ربة القمر تاركا لها العراء وغادر المعبد ، بعد ان جندل احد الكهنة بطعنة مميتة ، واجتاز المسافة بين المعبد وقصر صلامبو فى ثوان ، وفجأة وجد نفسه فى مخدع حارسة الوشاح ، فاقترب منها وادنى منها المصباح ، وما ان افاقت حتى رأت الربة تانيت امامها مرتدية وشاحها ، فما قدرت على النطق والحركة ، ولم يذهب عنها ذلك الجمود الا بعد ان اصغت الى كلمات ماتو وهى تلهبها بنار العالم السفلى ، فاذا بها تارة تستعطف وطورا تتوعد ، وكانت قوية الارادة لا تخاف الموت امام النيل من حرمة الالهة فتقدمت منه صارخة به .. هات الوشاح .. ولكن هيهات ان تلبى لها رغبة من ماتو الصخرة الصماء الناتئة ، وهرع الخدم والعسس اليها بغية الفتك ، فصرخت فيهم فزعا ورهبة . .

- لا تلمسوه ، انه يحمل وشاح الربة ، انه يحمل لعنته بنفسه ... ان للوشاح ربة وهى كفيلة بالقضاء عليه .. فلها الامر ولها القضاء . اتركوه . ايها الملعون لتنزل عليك صواعق الالهة كالجبال وتطحنك طحنا .. عليك اللعنة يا سارق تانيت .. عليك الف لعنة ولعنة .

انسل ماتو من بين الجموع الى الخارج ، وما ان ترك اسوار المدينة وراءه حتى رفع الوشاح الى اعلى ، فهبت عليه ريح خفيفة ، فرف كالراية ، وكانت اشعة الشمس قد اطلت بعد من الافق فدغدغت زخرفته ، فلمعت وكان له بريق واى بريق ، هذا وال قرطاجة من وراء الاسوار ، يبصرون علة

نجاح قرطاجة تنفلت من بين ايديهم ، انها اية من آيات الخسران ، اما المرتزقة فقد هللوا من معسكرهم بالنصر المبين ، اما و الوشاح فى حوزتهم فنصرهم على قرطاجة لا جدال فيه .

تجمع جل ابطال المرتزقة فى خيمة (( ماتو )) وتحالفوا على الوحدة وعلى ان يراس سارق الوشاح الحملة ، وكان نارهوى القائد النوميدى حاضرا ، فهنأ ماتو على شجاعته وتحالف معه على محاربة قرطاجة .

رجع القائد هاميلكار الى قرطاجة بعد الاخبار التى وصلته عن ثورة المرتزقة وأزمع على إفنائهم عن آخرهم اذا هم أصروا على تحدى قرطاجة .

  دخل فارس على ماتو فى خيمته صحبة الحارس وما ان غادر الحارس المكان حتى كشف عن وجهه ، انها صلامبو عذراء قرطاجة وحارسة الوشاح اتت الى عرين الاسد فى شجاعة نادرة وفى تصميم صخرى . انها مقدمه على امر عظيم ، فى سبيل استرجاع الوشاح المقدس ، قد تفقد اثمن شئ في الوجود يمت اليها بصلة الشخصية ، ستفقد حصنها الحصين ، علة طهارتها وشرفها ، ستفقد نظرات الصفاء ومسحة النقاء ، فى سبيل الحصول على الوشاح ستعدم صلامبو الامس لتبعث صلامبو الغد ، ستكسب صفات جديدة وستفقد صفات قديمة انه امر الالهة ، فلها الامر ولها القضاء . كان ماتو يحدق فيها ولا يكاد يصدق ، ان الذى يريده أكثر من الوشاح وأكثر من ثروة قرطاجة ومن حب تحطيم أسوارها على سكانها بين يديه ، تحت قبة خيمته ، تحت سلطانه . عجز عن التعبير بما يجيش به باطنه اضطرب وتاه فى بحر من التخمينات التى بعثرت افكاره فعجز عن المبادرة ، ولكن صلامبو انقذته من ذهوله ، لقد ابصرت الوشاح المقدس يشع نوره السماوى تحت فروة اسد ، فتقدمت منه بكل اصرار وعزم ومسته بيد مرتعشة ، عند ذلك حلت عقدة لسان ماتو وصرخ فى فزع :

- جئت للوشاح أليس كذلك ؟ .. جئت لتتسلمى ، راية القوة ، راية انتصارك على ، فيكون نصرك نصرين . الاول ضمان تحطيمى واتباعى والثانى انتصارك انت على بالذات ، صلامبو عذراء قرطاجة وحارسة الوشاح المقدس ، وشاح الربة تانيت الهة القمر ، على ماتو الجندى المرتزق الذى يبيع وجوده بحفنة من ذهب ... ولكنى اجهل كيف نسيت انك عاجزة وانت فى حوزتى هنا .. فى هذا المكان  .. فى هذه الخيمة التى هى تحت سيطرتى انا لا غير .. قبل ان اسرق الوشاح ، كنت اطمع فى خراب قرطاجة ، اما بعد ذلك والآن فلا حاجة لى بهذا الوشاح

ولا بخراب هذه المدينة الملعونة ، فانت ما اريد ، انت مناى وبغيتى ، انت سبب بقائى الى الآن اتحدى قرطاجة وابطالها واسوارها المنيعة ، اننى منتصر وهالك بك انت لا غير .. وشدها بعنف من كتفيها وضمها اليه ، فاحست بانها هالكة لا محالة ، ارادت ملاطفته فلم تفلح ودفع بها الى الارض وجانبها ممزقا القلادة التى كن القرطاجيون يعلقونها فى رقاب غذاراهم فاذا وقع لها حادث فان الامر قد مضى وان ابنتهم فقدت عذريتها . فى تلك الليلة هجم ... هاميلكار على خيام المرتزقة فاحرقها وافاق ماتو مذهولا وغادر الخيمة ، ولما عاد بعد لحظات كانت صلامبو قد اختفت والوشاح المقدس فاسقط فى يده .

 التقى الجيشان المتحاربان فى صبيحة يوم الغد ، وكل طرف يمنى نفسه بنصر ساحق وظهر غبار ثائر من ناحية اخرى ، واشرأبت الاعناق الى هذا الفارس القادم ، وظهر اخيرا ، انه القائد النوميدى نارهوى ، وفرح المرتزقة وعلى رأسهم سارق الوشاح بنصر مبين على قرطاجة بحلول مناصر له شأنه . كانت لنارهوى مطامع كثيرة ومتشعبة ، فهو من جهة يحبذ الزواج من صلامبو واكتساب مستعمرات جديدة بالمنطقه ومن جهة أخرى يريد حطام قرطاجة لانه ببقائها وقوتها يبقى دائما فى الصف الثانى وتحت رحمتها ، وعندما استفحل الامر بين قرطاجة والمرتزقة فى حرب ضروس ، بقى مختارا الى اى جانب ينحاز ، واختار المراوغة والحيلة ، وبقى ينتظر فرصة العمر ، واخيرا هاهى تظهر فى الافق ، ان قرطاجة اظهرت تفوقا على المرتزقة ، وعليه بالانحياز الى الجانب الاقوى .

اسقط فى يدى ماتو مرة اخرى ، ان نارهوى اختار الجانب الآخر ، يا له من محتال ، عليه الف لعنة ولعنة .

قدم نارهوى مناصرته الى قرطاجة وفرح هاميلكار وعد هذه البادرة طلائع النصر الكبير ، فضمه الى صدره ثلاث مرات عهد التحالف ، وفى تلك اللحظة وصلت صلامبو الى المعسكر على صهوة جواد ، رافعة الوشاح المقدس الى اعلى ، فلامسته ريح خفيفة ولاعبته امام انظار المرتزقة والقرطاجيين ، فهلل جمع وتوعد جمع ، هذا والقائد هاميلكار يحدق فى رقبة ابنته ، وعرف الحقيقة المرة ، وكان ذكيا سريع الخروج من المآزق ونادى نارهوى وبشره بقبول خطبته لعذراء قرطاجة التى تأخرت كثيرا ، وتمت الخطبة فى ذلك المكان على الطريقة القرطاجية فقدموا الى صلامبو رمحا ، سلمته لخطيبها وربطوا ابهاميهما بسير من جلد البقر ونثروا القمح على رأسيهما ، انه عقد لا ينفصم الا بقضاء من الالهة .

اصطف اهالى المدينة فى الطرق المؤدية من سجن تحت الارض الى شرفة القصر التى تضم فى كنفها صلامبو ونارهوى فى يوم زواجهما ، تحف بهما اشراف قرطاجة ، ان العيد عيدان ، عيد احتفال بزفاف اشرف بنات المدينة بالقائد النوميدى نارهوى ، اما العيد الثاني فهو مشاهدة القائد الليبى ماتو وهو مقيد اليدين الى الخلف ويسير من سجنه حتى شرفة الزفاف والاهالى تتفنن فى تعذيبه على شرط ان لا يقتل حتى تطول مدة العذاب ، لقد تم الانتصار القرطاجى على المرتزقة واسر قائدهم (( ماتو)) ولقد حاول جنود هاميلكار بكل ما أوتوا من جهد وحيلة حتى لا يقتل ، الاوامر تقول : انه لا بد من القبض عليه حيا ، حتى لما هم بقتل نفسه كما فعل بعض رفاقه لم يفلح ، فقد عاجله القائد نارهوى بشباكه ، واقتيد هكذا الى سجن قرطاجة المظلم .

اشرأبت الاعناق ، ان قضبان الحديد ترتفع ، ويظهر ماتو وقد كادت تزول معالمه ، ودفعته الاهالى على السير بينها قسرا ، والحجارة تنهال عليه من كل جانب والوخز والعض والكى بالحديد المحمى ، فتارة يسقط وطورا يتحامل على نفسه للهرب من عذاب لا يطاق ولكن هروبه لا معنى له ، لان الجحيم فى كل مكان سار فيه ، فأهالى قرطاجة اعماهم الحقد والنقمة مما فعله بمديىتهم ، فاستحالوا الى زبانية تصلى بنارها سارق الوشاح والهاتك لحرمة الالهة والمعتدى على شرف اشرف بنات قرطاجة والطامع فى خراب مدينتهم ، وأخيرا وبعد جهد جبار وصل الى شرفة الزفاف حيث تتصدر صلامبو المجلس ، على يمينها أبوها وعلى يسارها زوجها واشراف ... قرطاجة وكهنتها تحف بهم من كل مكان .

انتصب ماتو منهوك القوى والدماء تنزل من جراحه العميقة وتنبعث منه رائحة احتراق لحمه بالكى الذى المه حتى اشرف على الموت ، وامعن النظر فى صلامبو وصلامبو لا غير ، انها هناك تراقب نهايته ، وخذلته رجلاه فسقط وكان لسقوطه دوى واى دوى فى قلب صلامبو ، وكانت نهاية ماتو وتلتها نهاية صلامبو التى هوت بدورها على ارض الشرفة بلا حراك .

اثنان لمسا الوشاح المقدس فكانت نهايتهما فى وقت واحد ، اثنان ضمتهما خيمة واحدة فكانت الخطيئة ، لكن احدهما اساء الى الالهة والى المدينة اما الثانى فقد  اعاد الوشاح الى المعبد الى الهته واعاد الاطمئنان الى المدينة .

تونس

اشترك في نشرتنا البريدية