مهداة إلى روجي غارودي
- 1 -
- لأنك لم تكن سوى ((سبينوزا)) الذي أردت أن تكون. - لأنك لم تكن (( نوتة)) موسيقية في همهمات صخبهم الاسرائيلي .. - لأنك آمنت بالعقل وعشت للفلسفة .. فها قومك ، بنو اسرائیل ، بقرار « ملائكتهم ، وحكم قديسيهم يحرمونك ويلعنونك ويصبون جام نقمتهم عليك ...
اصغ ، يا سبينوزا بهدوئك المعتاد ، وبلطفك المعهود ، الى أبناء جلدتك وهم يحاكمونك بكتبهم ذات الستمئة والثلاثة عشر ناموسا المكتوبة بها . راجين من ربهم طردك دون سابق اعلان من غفرانه السماوي.....
انظر اليهم ، يا عزيزى ، وهم يحاصرون نظراتك بلهاثهم ، و (يصادررون) نبضات قلبك بأذرعتهم وأصابع اتهامهم ........ وقديسيهم ورؤساء مجلسهم الملى يقولون :
- (( ليكن مغضوبا عليه وملعونا ، نهارا وليلا ، في نومه وصحوه ، ملعونا في ذهابه وايابه ، وخروجه ودخوله ...)) ألا ما أجمل كبريائك أيها الفيلسوف ! وأنت تتحداهم بصمتك الكبير...... ورجال شريعتهم يصرخون قائلين :
- ((نرجو من الرب أن ينزل عليه غضبه وسخطه دائما ، ويحمله جميع اللعنات المدونة في سفر الشريعة . ونسأل الله أن يخلص أولي الطاعة منكم وينقذكم . وأن لا يتحدث معه أحد بكلمة ، أو يتصل به كتابة ، وأن لا يتقدم له أحد بمساعدة .. أو بمعروف ، وأن لا يعيش أحد معه تحت سقف واحد ، وأن لا يقترب أحد منه على مسافة أربعة أذرع ، وأن لا يقرأ أحد شيئا جرى به قلمه .. أو أملاه لسانه)) .
- 2 -
ثم ها أنت تخرج مطرودا من هؤلاء ، ومن الأب والأخت ، ومن الاصدقاء والاحباب ، وحتى عندما ينقض عليك وغد متعصب ويحاول اثبات تدينه بطعنك في عنقك من خلف ، فأنت تواصل الطريق الى الفلسفة ، لا تلوي على شيء ، ثم ـ وبعد رحيلك المبكر - وبدون رغبة منك في فرض مذهب .. أو تیار فلسفی ، تكتشف - وأنت حاضر في الغياب - :
- أن قرار ملائكتهم في لعنتك.... لم يمنع (( نوفاليس))(الشاعر الكاتوليكى) من أن يطلق عليك اسم (الله مسكر الناس)...
- وان لعنة قديسيهم .... لم تمنع (غوته) شاعر الالمان من التأثر بكتابك (الأخلاق) ومن اعتباره (( الفلسفة التى تاقت اليها روحه)) .
- وان كتبهم المقدسة ذات الستمئة والثلاثة عشر ناموسا المكتوبة بها..... لم تمنع ( شوبنهاور) ،( نيتشة) ، و ( برغسون) من الافتتان بفكر العظيم....
- وأن جميع اللعنات المدونة في سفر شريعتهم .. لم تمنع فلسفتك وفلسفة (كانط) ( عن المعرفة والمنطق) من التمهيد للثلاثي الفلسفي (( فخته)) و (( شلنغ)) و (( هيغل)) .. ولبلورة مقولة (( وحدة الوجود)) .....
- وأن طرد أبيك لك ، واحتيال أختك على حقك في الميراث .. لم يمنعا ... انكلترا أثناء الثورة .. من الاهتداء بهدي فلسفتك التي تأثر بها (كوليرج)، و (ویر دسورت ( .. و (شيلي) وغيرهم......
- وأن طعنة ذلك الوغد اليهودى ( من بني قومك ) في عنقك..... لم تمنع ( لاهاي) ، من اقامة تمثال لك بتبرعات من العديد من مثقفي العالم) ، وذلك.. في القرن الثاني بعد رحيلك عن هذا العالم.....
- ( 3 ) - ها قد مر قرن كامل على ازاحة الستار على تمثالك الجميل ( بلاهاي) .... يا ( سبينوزا) العظيم.......
ولعلك تذكر....... ما كنت قد قلته لذلك السيد من مجلس الشورى ، الذي زارك وعاب عليك ... اهمالك لهندامك ، وعدم اهتمامك بملابسك .. هل تذكر ؟
إنك قد قلت له وهو يعرض عليك ثوبا آخر : - ((بأن الثوب الجميل لا يزيدك في قدر الرجال))... وإنك أضفت قائلا له : -(( من غير المعقول لف الاشياء الزهيدة بغلاف ثمين)) .
- 4 - والآن ، يا سبينوزا الخالد وبنو اسرائيل قد تحولوا الى (وغد) بصيغة الجمع ( من طراز ذلك الوغد الذى سفك دمك ) ، ألم يحن الوقت لكي يضيفوا الى كتبهم المقدسة ذات الستمئة والثلاثة عشر ناموسا ، الكلمة التي ألقاها ... (أرنيست رينان) في عام 1882 ، لدى ازاحة الستار عن تمثالك الجميل ... حيث قال :
- (ويل لمن يمر امام هذا التمثال ، ويوجه إهانة أو لعنة لهذا السيد والفيلسوف المفكر ، لانه سيعاقب بخسته كما تعاقب جميع النفوس الخسيسة العاجزة عن تصور الله) .

