- 3 -(*)
وعندما كنت اتحدث عن شعر احمد عبد المعطى حجازى كنت احس كاننى أتحدث كذلك بنفس الكلمات عن سعدى يوسف ، استشعر بين هذين الشاعرين قرابة فنية كبيرة ، لآخر الطابع التاريخى الحكائى الدرامى الغنائى العام لشعر هذا التيار وانما للملامسة الحسية لاشياء الوجود التى استشعرهما فى شعرهما . على انه اذا كان شعر حجازى يتسم بهذا الملاء المتماسك المتصل فان شعر سعدى يوسف يتسم بالفراغ المتوتر . فى اكثر الفرغات الدالة فى بنيته الشعرية المعبرة عن عوالم غير منظورة لا يمكن للغة ان تعبر عنها الا بفراغات لغة الشعر . ولست اقصد بالفراغات ، تلك الفراغات المكانية فحسب التى تترك بين كلمات او ابيات او تمتلى بنقاط او فواصل وانما أقصد كذلك الفراغ ، الصمت ، السكوت ، الانتظار ، التعلق فى بنية المعنى المشكل فى القصيدة ، والذى قد يعبر عنه احيانا بتكرار بعض الكلمات او بالانتقال الهادىء جدا ، والمفاجئ جدا ، كانه الانسحاب ، او نزول الستار ، او قفل شباك ، او انقطاع مطر ، فى حدث واقعى - شعرى - على ان ما يميز شعر سعدى يوسف كذلك هو هذا الغوص فى حسيات ، محسوسات وملموسات الوجود الواقعى الحى ، والتعبير البسيط البسيط عنها بالرحلة الافقية ، بالحكاية ، بالصورة المتطورة الناهية ، بالفراغ الصامت ، بالغنائية التى تشتد احيانا نادرة لدرجة الضجيج ، وتخفف فى اغلب الاحيان لدرجة ما يشبه العدم دون ان تفقد وجودها وفاعليتها ابدا ، فى حكايته سرد مباشر تقريرى احيانا ، ورمزية مغرقة احيانا اخرى ، ومزج بينها فى اكثر الاحيان لديه حس طبقى بالواقع ورؤية واضحة لصراعيته
الاجتماعية الحادة ، وقد اكتفى بفقرتين من قصيدته : ( قصيدة للجبهة (24) تحت جدارية فائق حسن ) التى تتبين فيها بعض تلك الملامح الفنية والدلالية التى اشرنا اليها :
( تطير الحمامات فى ساحة الطيران . البنادق تتبعها ،
وتطير الحمامات . تسقط دافئة فوق اذرع من جلسوا
فى الرصيف يبيعون اذرعهم . للحمامة وجها :
تملا خلق ظهرها العمودا . )
تسالنى لفافة :
( لم يترك الشرطى ..
واحدة من تبغها الليلى )
تسالنى ان كنت امضى ليلتى ... وحيدا
وعندما ارفع وجهى نحوها ...
ابصر خلف ظهرها ، شهيدا
معلقا على الحائط ، ناصع الجبهه
تغوص عيناه .. كنصلين رصاصيين
اصرخ من رهافة الحدين
... امضى بلا وجهه ..
او نقرأ هذه الصلاة فى مطلع ديوانه ( العهد الآتى ) (25)
ابا الذى فى المباحث ، نحن رعاياك ، باق لك الجبروت
وباق لك الملكوت ، وباق لمن تحرص الرهبوت
تفردت وحدك باليسر . ان اليمينيين لفى الخسر .
اما اليسار ففى العسر . الا .. الذين يماشون .
الا الذين يعيشون يحشون بالصحف المشتراة
العيون .. فيعشون . الا الذين يشون
والا الذين يوشون باقات قمصانهم
برباط السكوت .
او نقرا هذا (النقش) فى قصيدته (رسوم فى بهو عربى) من الديوان نفسه :
( الناس سواسية - فى الذل - كاسنان المشط
ينكسرون - كاسنان المشط
فى لحية شيخ النفط . )
حقا لا تكون هذه النماذج الشعرية افضل شعره ، ولكن لعلها تقدم لنا نهجه التعبيري على نحو بارز حاد .
ولقد كنت اتمنى ان اقف طويلا مع عمل او اكثر لهؤلاء الشعراء او لغيرهم محللا مكوناته ومكنوناته ، محددا من داخل البنية الشعرية نفسها الطبيعة الفنية لهذا التيار الشعرى . الا ان المجال قد لا يسمح لغير هذا العرض السريع العام لبعض ظواهره العامة وبعض خصائصه التى تختلف من شاعر الى الآخر .
ان هذا التيار - كما اشرنا من قبل - هو امتداد معمق لحركة الشعر الجديد يواصل تجديد لغة التعبير الشعرى وتطويرها فى استبصار عميق بحقائق واقعنا ، وبوعى موضوعى مسؤول بضرورة تغييره وتثويره .
وبرغم ما فى هذا الشعر من غموض كذلك ، وان اختلفت مستوياته ، هو فى اغلب الاحيان غموض التعبير الشعرى نفسه ، وغموض الخروج عن المالوف كشفا للجديد المتخلق فى واقع الخبرة الاجتماعية والانسانية الجديدة ، فضلا عن الغموض الذى تفرضه الاوضاع غير الديمقراطية التى يعانيها المبدع العربى وما يواجهه من عسف وقمع فى مختلف البلاد العربية ، فان هذا التيار الشعرى بما يحمله من دلالات وطنية واجتماعية وقومية وخبرات ذاتية حية ، يشق طريقة - بيسر احيانا وبقدر من المعاناة والجهد فى احيان اخرى - الى وجدانات الناس ويحقق فعاليته الخلاقة ببنيته الشعرية نفسها .
فى ضوء هذا العرض السريع لهذه التيارات الشعرية الثلاثة ، التى لا تشكل تصنيفا عازلا لكل منها ، ولا تعنى كذلك تنميطا جامدا للابداع فى الشعر الحديث ، وانها تسعى فحسب لتحديد بعض الظواهر السائدة فيه ، اقول فى ضوء هذا العرض ، نستطيع ان نتبين ان قضية الغموض والتوصيل فى الشعر الحديث ، تكاد ترتبط اساسا بالدلالة الشعرية او المضمون الشعرى عامة . فلقد راينا ان الدلالات الميتافيزيقية والصوفية المجردة ابعد عن التوصيل والابانة شعريا من الدلالات المعبرة عن خبرات ذاتية حية ومواقف وطنية واجتماعية وقومية وإنسانية عامة .
اننا ندرك كما ذكرنا من قبل ان الغموض صفة ذاتية فى البلاغة الشعرية من حيث انها تعبير بلاغي تخيلى ، وخروج ببنية الشعر عن مألوف اللغة العادية . وتذكر كذلك كما ذكرنا من قبل ان التوصيل الشعرى ليس هو مجرد التوصيل التقريرى او الاعلامى او التثقيفى او التعليمى او الاصطلاحى الى غير ذلك ،وانما هو التوصيل الايحائى وهو الفاعلية الجمالية الدلالية بلغة البنية الشعرية نفسها . وندرك اخيرا كما ذكرنا من قبل كذلك ان تذوق الشعر يستلزم قدرا ومستوى من الثقافة .
على ان ما نلاحظه من غموض بل تعقيد ايضا فى بعض ظواهر الشعر الحديث ومن عدم القدرة على التوصيل ، لا تدخل فى هذا المعنى الخاص للغوص الشعرى ولا فى هذا المعنى الخاص للتوصيل الشعرى ، ولا تقف عند حدود الجماهير غير المثقفة شعريا ، او الامية عامة وانما تمتد الى جماهير المثقفين كذلك (26) .
وهذا ما يجعلنا نؤكد ان القضية فى التحليل الاخير تتعلق اساسا بفلسفة خاصة فى الابداع الشعرى مؤسسة على موقف خاص من الحياة والواقع .
وقد تستحق هذه القضية ان تكرس لها الفقرة الاخيرة من هذه الدراسة .
كلمة اخيرة حول الشعر والثورة :
للشاعر ادونيس نظرية نقدية فى الشعر - كما أشرنا من قبل - تكاد أن تعبر عن - كما تعبر عنها - تجربته الشعرية الابداعية .
ونستطيع - توخيا للدقة - ان نحدد معالم هذه النظرية ببعض فقرات من كتابات أدونيس نفسه . يقول ادونيس (27) " إذا كانت الثورة تغييرا شاملا لبنية المجتمع ، فان الشعر الثورى هو بالضرورة صورة بل الصورة العليا لهذا التغيير ، ويعني ذلك أننا كما نتخلص فى الثورة السياسية والاقتصادية والاجتماعية من البنى القديمة ، فان علينا فى الشعر والثقافة ان نتخلص كذلك من أشكال التعبير القديمة " ويقول (28) " ما يسمى بشعر المقاومة لم يكن شعرا بواكب المقاومة ، بل كان شعرا يتفيأ بها ويستظل بظلها ... ان شعر المقاومة الحقيقي.. (هو الذى) يخلق جبهة ابداع باللغة ، تواكب جبهة الابداع بالعمل " ويقول (29) " شعراء الحداثة العميقة يفرغون اللغة من شحنتها هذه (الافرازات الاغترابية) ويضعون القارئ امام هاوية ، لا يرى فيها عادة أو تقليدا أو أى اقرار استلابى ، وانما يرى فيها ذاته العميقة الاصيلة "
ويقول " الممارسة الكتابية الحديثة ممارسة استباقية ، ولهذه الاستباقية وجهان : سلبى وايجابى . يعنى قطعا مع ايديولوجية الكتابة السائدة على مستوى النظام الثقافى السائد ، ويعنى الثانى اندفاعا فى معانقة المجهول رؤى وطرق تعبير " (30)
ويمكننا الاكتفاء بهذه النصوص التى تكاد تلخص بالفعل جوهر نظريته النقدية على أنها فى الحقيقة تكاد تقدم كذلك رؤيا محددة لاكثر من علاقة ، علاقة الشعر بنفسه اى دلالة التجديد والتثوير فيه ، وعلاقة الشعر بالثورة الاجتماعية ، وعلاقة الشعر بقارئه . ان الثورة فى الشعر اولا هى قطيعته مع الايديولوجية السائدة ، وما تتجسد فيه من لغة وأبنية تعبيرية ، هو تغيير بنيوى اساسا يخرج الشعر من الذاكرة التراثية السائدة فى التعبير . أما علاقة الثورة الشعرية بالثورة الاجتماعية فهى علاقة توازن لا أكثر . الثورة
الاجتماعية تغير البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، والشعر يغير أبنيته التعبيرية ، أما علاقة الشعر بقارئه فهى عزلة هذا القارىء عن تراثه التقليدى السائد ووحدته المطلقة مع ذاته فى مغامرة اكتشاف للمجهول .
ولا شك ان الثورة فى الكتابة وفى الفكر هى القطيعة مع الايديولوجية الرجعية السائدة ، عل انها ليست بالقطيعة الآلية المطلقة ، وانما هى القطيعة الجدلية ، التى لا تفقد او تتخلى عن ذاكرتها التراثية ، ولا تنعزل عما فى قلب الايدولوجية السائدة من صراعات محتدمة . ان التجاوز الخلاق لا يعنى القطيعة المطلقة والا كان انقطاعا وانعزالا وشطحا واغترابا متعاليا عن حقائق الواقع والحياة . عل ان الثورة فى الكتابة كذلك لا تكون بمجرد القطيعة مع اساليب التعبير السائدة . حقا ، اننا لا نقلقل ايديولوجية سلطة سائدة بغير ان نمس رموزها او شفرتها اللغوية (31)، ولكن العكس غير صحيح ، فان تدمير هذه الروز او تغيرها لا يعنى اننا قد قلبنا السلطة او خرجنا عليها ، بل قد يعنى هذا احيانا تغذية لنورة موهومة مزعومة تسد الطريق أمام الثورة الحقيقية . والثورية فى الكتابة او فى الشعر خاصة لا تكون بمجرد تغيير بنيته اللغوية ، والخروج على موروثاته وذاكرته اللغوية ، بل الثورية فى الكتابة وفى الشعر هى فى الصياغة المتحدة للوعى الثورى والخبرات الانسانية المتجددة . " ان العمل على تثوير اللغة ، بمعزل عن حركة الواقع ، بمعزل عما تنقله هذه اللغة إلى الوعى ، يؤدى ... الى الانفصال عن الثورة ، والى الوقوع فى شباك النقيض الايديولجى ، الرجعى ، لهذه الثورة (32) " . وفضلا عن هذا فان الثورية فى الكتابة وفي الشعر قد تكون فى حماية الموروثات وتطويرها وتعميق الذاكرة التراثية واضاءتها بالوعى النقدى والاستيعاب الخلاق ، الثورة فى الكتابه وفى الشعر ليست فقدانا للذاكرة ، وتوازيا شكليا مع ثورة الواقع بل هى امتداد ترائي بتتجاوز نفسه باستمرار تجاوزا جدليا ، وهى فاعلية ايجابية فى تغذيه الوعى بالواقع وبارادة تغييره وتثويره وليس فى تغذية الرؤى الغيبية والشطحات الاغترابية ، والمشاعر الذاتية المتعالية والعدمية ، باسم التحرر من استلاب الواقع ، وتجاوز ايديولوجيته السائدة .
وهكذا نلاحظ مرة اخرى ان ما نتبينه من ظواهر الغموض والتعقيد وصعوبة التوصيل بل انعدامه أحيانا فى بعض تيارات الشعر الحديث ، ليست القضية
فيه اساسا هى قضية الغموض التعبيرى او التعقيد فى بنية التعبير التى تحد القدرة على التوصيل . انما هى قضية ما وراء هذا الغموض وهذا التعقيد من فلسفة فنية وحياتية تجعل من هذا الغموض والتعقيد وصعوبة التوصيل نتائج طبيعية للعزلة والاغتراب والتعالى عن الواقع الحى . فلقد طالعنا اشعارا وقصائد تتسم بالغموض كذلك ، ولكنها تمنح شعرها من تجارب الواقع الحى ومن التفاعل معه والفاعلية ، فيه مما يجعل من هذا الغموض نفسه فاعلية ايحائية . مرة أخيرة ، انها ليست قضية غموض او عدم قدرة على التوصيل انها قضية وموقف من الواقع . يقول أدونيس (33) ان الذين يطالبون اليوم بالوضوح فى الشعر - باسم الجماهيرية او الثورية او الواقعية انما يطالبون فى الواقع بنظم الافكار ووصف المواقف ويطلبون من الشاعر - عمليا - ان يبقى ضمن المعانى العقلية . فانهم يطلبون منه ان ينتج ما " ليس للشعر فى جوهره وذاته نصيب " على حد تعبير الجرجانى الذى يقول بان الشعر تخييل .
على ان الامر على خلاف ما يقول ادونيس . فالذين يطالبون بالوضوح فى الشعر لا يطالبون بالخروج عن شعرية الشعر ، ولا يطالبون بنظم الافكار او وصف المواقف والوقوف عند المعانى الفعلية . وادونيس يصور الامر كانما هناك ما هو شعر وهناك ما ليس بشعر ، هناك دعوة الى ابداع الشعر وهناك دعوة اخرى الى ابداع ما ليس بشعر . حقا هناك ما هو شعر وهناك ما ليس بشعر . ولكن داخل ما نعده جميعا شعرا ، هناك شعر وهناك شعر . هناك شعر التجريد الميتافيزيقى والشطح الصوفى (34) والغربة عن هموم الحياة وقضاياها الحية ، وهناك شعر الواقع والحياة النابع من همومنا وقضايانا والتطلع الى تجاوزها تجاوزا خلاقا حقيقيا لا تجوزا موهوبا زائفا .
لا .. ليست القضية قضية غموض الشعر او وضوحه ، وليست قضية قدرته على التوصيل او عدم قدرته على ذلك . فهاتان مسألتان ثانويتان وتابعتان .
انما القضية الاساسية هى مدى ارتباط الشعر بحياة الواقع ، التى بدونها لا يكون للشعر حياة فى الواقع ولا يكون لواقع الشعر حياة متجددة حقا .
(33) أدونيس : صدمة الحداثة . صفحه (290 ) (34) ليس كل استفادة بالرموز الصوفية أو التراث الصوفى عامه ، شطحا . بل تتنوع وتختلف دلالة التصوف ، بل " لكل شاعر تصوفه الخاص " على حد قول د . احسان عباس - راجع كتابه " اتجاهات الشعر المعاصر " ص : 209 عالم المعروفة الكويت 1978 .

