الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

لغة الشعر ورسالته في اواسط العهد الحفصي بتونس

Share

كانت لغة النثر في أواسط العهد الحفصى اثناء القرن الثامن الهجرى تشكو السلاسة وتعوزها الرقة بل لم تسلم قط من التقعر والاجهاد والتكلف الذى منى به الادب العربي انذاك وقد ألف قراء وكتاب ذلك الجيل ذلك الاسلوب المستثقل فى الادب فلم يروا حرجا فى الجرى على منواله وقد يقضى الاديب الساعات الطوال في تنميق الجناس المزخرف يوشى به تحريره وما عليه أن يستقيم المعنى او ينحرف وبمراجعة الرسائل الصادرة عن الملوك الحفصيين والواردة اليهم من المشرق والمغرب يتضح ذلك بلاريب : وما على المتطلع لدراسة النثر فى هذا العهد الا مراجعة الجزء الخامس والسادس من " صبح الاعشى " للقلقشندى ففيهما الادلة والشواهد التي تمكن الدارس من الحكم فى اطمئنان .

ولعل عبد الرحمن بن خلدون المؤرخ التونسى الذائع الصيت أول اديب عربى بتونس بل بالعالم العربى وامـمه ( قاطبة ) أرجع للنثر مكانته حتى أنه لما صمم على الرجوع الى الطريقة الرصينة في التحرير وتخليص الادب العربى وتحريره من هذه القيود والزخرفة اللفظية الفارغة قوبلت طريقته لدى أدباء المغرب بالاستغراب والدهشة لاعتيادهم ذلك الاسلوب ( السجعى ) الثقيل وتمسكهم به وجمودهم عليه .

قال ابن خلدون عن نفسه : عندما عهد اليه السلطان أبو سالم بكتابة سره بالمغرب على ( العهد المرينى ) ما نصه : واستعملني ( يعني أبا سالم المرينى ) فى كتابة سره والترسل عنه والانشاء لمخاطبته وكان أكثرها يصدر عنى بالكلام المرسل أن يشاركني أحد ممن ينتحل الكتابة فى الاسجاع لضعف انتحالها وخفاء العالي منها على اكثر الناس بخلاف المرسل فانفردت به يومئذ وكان مستغربا عندهم بين أهل الصناعة الخ انتهى .

والواقع أن لغة الشعر أشد نقاوة وأقرب الى الفصاحة والسلاسة

من لغة النثر في هذا العهد وشعر أبى القاسم الرحوى الاديب التونسي الذي رحب بأبى الحسن المرينى بقصيده المشهور عند استيلائه على تونس سنة 748 ه . والذى استهله الرحوى بقوله :

أجابك شرق اذ دعوت ومغرب    فمكة هشت للقاء ويثرب

وناداك مصر والعراق وشامة       بدارا فصدع الدين عندك يشعب

وحيتك أو كادت تحيـي منابر       عليها دعاة الحق باسمك تخطب

فسارع منا كل دان وشاسع         الى طاعة من طاعة الله تحسب

وتاقت لك الارواح حبا ورغبة       وأنت على الآمال تنأى وتقرب

ففي البلدة البيضاء لباك معشر     وأنت بأفق الناصرية ترقب

ووافتك من ذات النخيل وفودها    فلقاهم أهل لديك ومرحب

ولم تتلكأ عن اباء بجاية               ولكن تراض الصعب ثم وتركب

تأبت فلما ان أطلت عساكر        ترى الشهب منها تستباح وتنهب

تبادر منهم مذعن ومسلم            وأذعن منهم شاعب ومؤلب

وما تونس الا بمصر مروع             وفي حرم أمست لديك تسرب

وما أهلها الابغاث لصائد             وبالعز منها استنسروا وتعقبوا

رائق ومطبوع وقد سجل لنا علاوة عن ذلك فترة لا يستهان بها من تاريخ تونس ووضعيتها وقد كانت تونس كما قال الرحوى مروعة بالغارات وهدفا للثورات وميدانا للتنافس على السلطان وكان أهلها بغاثا لصائد انذاك وكانت في حاجة الى التكافل مع اخوتها ولو قرأ هذا القصيد رجل أجنبى عنا لعد الرحوى ما رقا عن الوطن وكافرا بأنعمه وحاطبا في حبل العاصب ومتملقا له . ولكن الحقيقة ان القصيدة تستمد قوتها من الرسالة والروح الإسلامية المحضة التى يتلاشى فى محيطها كل تفكير ضيق ووطنية مقيدة . فالإسلام يـحث على حماية الاوطان والمحافظة عليها ضمن الوطنية الكبرى فكل بلد اسلامي حجر في هيكل تلكم الوطنية . وما الوطنية فى نظر الإسلام والمسلمين انذاك الا في الاسلام فهو الوطنية الكبرى الجامعة فلا غرو ان أجاب لابى الحسن المرينى الشرق والغرب وهشت للقائه مكة

ويثرب ونادته مصر واستصرخه العراق والشام في بداية النهاية للحضارة الاسلامية ليلم الشعث ويرأب الصدع ويكتل الامم الاسلامية التي انتثر عقد وحدتها وتداعى بناء جامعتها وتفرقت حول نفسها اوزاعا وعدمت القائد الحكيم فى أدق مواقف تاريخها وفي ساعتها العصيبة فالتتار يمزقها والطغيان التركى يسطو عليها والخطوب تحل بساحتها في كل حين والايام تطاعنها وتبارزها بالمكروه وتتحيف اطرافها ، وزعماؤها وملوكها قد أهملوها واشتغلوا بالترف والنعيم وتفسخت اخلاقهم وتحجبوا عن رعيتهم وقصروا حياتهم على خمر يشربونها ولذة ينعمون بها واصبح المسلمون فى حاجة الى من يسلك بهم مسالك الظفر ويقودهم الى طريق الصواب ووجوده في هذا العهد اصبح متعذرا وهو فى نظر الرحوى طريق الاحسان والعدل والتقى لذلك لم يقم وزنا في قصيدته لهذا الغزو العسكرى المريني لتونس وان عاد على تونس بافدح المصائب والنكبات ولم يحفل الرحوى

بجيش على الالواح والماء يمتطى     وجيش على الضمر السوابق يركب

وضرب عن ذلك صفحا ونوه بالجيش الحقيقي الذي أجمع العقلاء على تفوقه كل في عصر ومصر فقال :

وجيش من الاحسان والعدل والتقى    وذلك لعمر الله أعلى واغلب

ولم يتمالك الرحوى عن التنويه بالعلماء الذين صحبوا ابا الحسن المريني الى تونس وان من جمع خصالا حميدة فى اعزاز العلماء ورفع قدر النساك من الصالحين جدير فى نظر الرحوى بالمدح بل مدحه محتوم على كل حال .

وفي تنظير الرحوى لابى الحسن المرينى بملوك المسلمين انذاك يبدو لك الراى الذى كان يتلهف عليه الخواص ويتجلى المعيار الذى يزنون به القيم فشتان فى نظرهم بين من يشرب الخمور صبوحا وغبوقا وبين من يتلو القرآن صباحا ومساء ويسلك الجادة الاسلامية التي انحرف عنها ملوك المسلمين وقاطعوها وانغمسوا في الملاذ وأهملوا شؤون رعاياهم واحتجبوا عنهم .

اذا لذ للأملاك خمر مدامة          فلذ لك القرآن يتلى ويكتب

وإن حمدوا الشرب الغبوق فإنما     شرابك بالامساء ذكر مرتب

وان خشنت أخلاقهم وتحجبوا (1)     فما انت فظ بل ولا متحجب

وهي مقارنة حقيقية تكشف عن مدى الانحلال الذى أصاب ملوك المسلمين فى أخلاقهم وسلوكهم وفسادهم ومساويهم فى القرن الثامن للهجرة . وتبرهن القصيدة على أن هذا الشمال الافريقى حريص على التمسك بالاسلام وفضائله وهاتف لكل متحل بحلى تعاليمه التى تعصم الامم عن الارتطام فى حماة الرذائل والتفسح الخلقى والانهيار

(1) من أغرب ما يحكى عن ملوك المسلمين وآثامهم ومخازيهم في هذا الصدد انهم يحتجبون عن رعاياهم كما قال الرحوى : بل لا يكلمون الادباء والشعراء الا من وراء حجاب فقد كان بعضهم وهو ادريس ابن يحيى المعتلى ( من بنى حمود ) ويدعى ( العالى ... ) من ملوك الاندلس فى عصور الانحطاط يسبل الحجب عليه ليتشبه بالالوهية . .؟ والشاعر ينشد من وراء الحجاب كما وقع لابن مقاتا الاشبونى فإنه لما أنشد هذا ( العالي) ... قصيده الذى مطلعه : ( كان محتجبا ) وراء الستور ... ؟

ألبرق لائح من أندرين               ذرفت عيناك بالماء المعين

لعبت أسيافه عارية                  كمخاريق بأيدى اللاعبين

ولصوت الرعد زجر وحنين           ولقلبي زفرات وأنين

وأناجي في الدجى عاذلتي           ويك لا أسمع قول العاذلين

الى أن وصل الشاعر من القصيد لقوله

انظرونا نقتبس من نوركم          انه من نور رب العالمين

فأمر هذا السخيف الاثثيم حاجبه برفع الحجاب ؟... وقابل وجهه وجه الشاعر . ولعل هذه من أفدح النكبات التي نزلت بالاسلام والمسلمين واخرتهم عن ركب الحياة ...

وليس هذا (العالى) اول من فعل ذلك فقد كان المستضعفون من خلفاء بنى العباس فى أواخر دولتهم يتالهون ويحتجبون . . ويفتنون في كل ساعة ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون ...

الاجتماعى والاختلال السياسي والنعى على المفسدين والدعوة الى الانصاف بالاخلاق الاسلامية من أهم رسالة الشعر فى هذا العهد .

ومنها :

أبالك للدين الحنيفي آية              تعرى بها عن لامع الحق غيهب

فجئت بما يرضى به الله سالكا        سبيلا الى رضوانه بك يذهب

وقمت بأمر الله أهلا وشيعة           لكم ولهم منكم مكان ومنصب

وحل بأهل الفتك ما حل عزمهم      وقام لديهم واعظ مترقب

وجاهدت في الرحمان حق جهاده      فراهب أهل الكفر بأسك يرهب

وأنقذت من أيدى الاغارة أمة         وأولى جهاد كان بل هو أوجب

فأصبحت الدنيا عروسا يزفها         لامرك من جارى المقادير مغرب

فلا مصر الا قد تمناك أهله           ولا أرض الا باد كارك تخصب

وما الارض الا منزل أنت ربه         وما حلها الا الودود المرجب

تملكت شطر الارض كسبا وشطرها   وراثا فطاب الكل ارثا ومكسب

ومنها :

وأعليت قدر العلم اذ كنت عالما       ففيه وفى طلابه لك مأرب

فمدحك محتوم على كل قائل           ومن ذا الذى يحصى الرمال ويحسب

الشعر الشعبى فى هذا العهد

فإذا ما بحثنا عن الادب الشعبى فى هذا الطور ظفرنا ببعض قطع منه دونت بالمناسبة فنجد بها تاريخ الحملة المرينية على تونس في سهولة وطلاوة وابداع وروعة تزرى بانتاج أدباء الحفصيين الذين اشتغلوا بزخرفة القشور واعرضوا عن اللباب بينما كان الشاعر الشعبى يرسل الكلام على سجيته بدون أدنى كلفة فيأتي شعره رائقا واضحا طليا ويحاول هذا الشاعر بدوره أن يستخلص العبر ويبرز

النصائح وان يذكر بالمواعظ ويسلى عن النكبات والمصائب واليكم الشاعر الشعبى يتحدث فى حصافة واتزان واسلوب جذاب عن حملة بني مرين على تونس وينكر على السلطان آبي الحسن المريني الحملة على تونس في تصميم وحزم وتخطئة لابي الحسن في غزوه لتونس فيقول :

أمولاى أبو الحسن خطينا الباب         قضية سيرنا الى تونس  

ونلاحظ أن الادب الشعبي في هذا الطور لم ينزل كثيرا عن الفصحى بل كان يقتفى اسلوبها ويحاول مسايرتها وكان هذا الشاعر الشعبى يتحلى بثقافة تاريخية لا بأس بها كما سنبين شيئا منها فى التعليق واليكم القصيد الذي يتحدث فيه عن الحملة المرينية على تونس قال :

سبحان مالك خواطر الامرا            ونواصيها في كل حين وزمان

ان طعناه عطفهم لنا قسرا             وان عصناه عاقب بكل هوان

الى أن يقول عن جيوش المغرب بعد التخلص :

كن مرعى قل ولا تكن راعي           فالراعي عن رعيته مسؤول

واستفتح بالصلاة على الداعي         للاسلام والرضا السني الكمول

على الخلفاء الراشدين والاتباع        واذكر بعدهم اذا تحب وقول

احجاجا تحللو الصحرا                ودوا سرح البلاد مع سكان

عسكر فاس المنيرة الغرا               وين سارت بو عزائم السلطان

احجاج بالنبي الذي زرتم              وقطعتم لو كلا كل البيدا

عن جيش الغرب حين يسالكم       المتلوف في افريقيا السودا

ومن كان بالعطايا يزودكم             ويدع برية الحجاز رغدا

لو كان ما بين تونس الغربا           وبلاد الغرب سد السكندر

مبني من شرقها الى غربا              طبقا بحديد او ثانيا بصفر

لا بد الطير أن يجيب نبا              أو يأتي الريح عنهم بفرد خبر

ما أعوصها من أمور وما ترى         لو تقرأ كل يوم على الديوان

بحرت بالدم وانصدع حجرا      وهوت الخراب وخافت العزلان

أدر لي بعقلك الفحاص         وتفكر لي بخاطرك جمعا

ان كان تعلم حمام ولا رقاص    عن السلطان شهر وقبله سبعا

تظهر عند المهيمن القصاص    وعلامات تنشر على الصمعا

الا قوم عاريين فلا سترا         مجهوليس لا مكان ولا امكان

ما يدربوا كيف يصورا كسرا     وكيف دخلوا مدينة القيروان

فقنا على الجريد والزاب         واش لك في اعراب افريقيا القويس

ما بلغك من عمر فتى الخطاب   الفاروق فاتح القرى المولس

ملك الشام والحجاز وتاج كسرى وفتح من افريقيا وكان

رد ولدت لو كره ذكرى           ونقل فيها تفرق الاخوان

هذا الفاروق مردى الاعوان       صرح في افريقيا بهذا التضريح (١)

وبقت حمى الى زمن عثمان        وفتحها ابن الزبير عن تصحيح

لمل دخلت غنائمها الديوان       مات عثمان وانقلب علينا الريح

وافترق الناس على ثلاثة أمرا      وبقى ما هو للسكوت عنوان

إذا كان ذا في مدة البررا           اش نعمل في أواخر الازمان ؟

اشترك في نشرتنا البريدية