الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

لغة الصمت

Share

صمت كأنه الفضاء الفسيح لا حد له .. وصمت كأنه المطبق لا منافذ ولا أبواب بيت من حديد ...

الصمت الذى يباشرك فى وحدتك وقد خلوت الى ذاتك واستغرقت فى حضرتها ولا شاغل عنها ولا عائق دونها .. صمت تضطرب ذراته فى حركة دائمة لا قرار لها .. كاضطراب الحب ، كعجيج النمل فتسمع لها آنا خشخشة خفيفة لا تكاد تبين .. حفيفا اخرس يتوارد الى سمعك ، فاذا حاولت تبينه أفلت وامتنع مشوشا عليك انتباهك ، وهو لا يزال يراود مسمعك حاضرا غائبا حتى تحار فى أمره .. أهو شئ واقع أم هو من افتعال الحس ووسواس الوهم والخيال ؟

هذه الضجة المهموسة .. هذه الوشوشة الصاخبة أهى صوت أنباض الحياة فينا ؟ أم صدى الحياة فى الكائنات من حولنا كائنات لا نعرف لها اسما ولا نعلم عنها شيئا ؟

وقد تنضب أمواج الصمت وأنغامه حينا وتتعطل ضجته الغريبة المأنوسة ، وهو جمع ذلك قائم الذات ثابت لا يريم ؛ إلا أنه تجمع وتكاثف كتلة مصمتة تركزت ببيتك ، و لبسته التحام القالب بالمثال ، فاذا هو بيت داخل البيت ، وكأنك به سجين محبسين.

والصمت الذى يساورك وأنت بازاء شخص مجهول .. صمت يثقل ويرين جدارا منتصبا بينك وبينه تضيق له النفس وتحرج توجسا وارتيابا .. فتحس كأن صاحبك يراقبك متجسسا متحسسا طريقه اليك من حيث لا تشعر ، وكأنه يقرأ فى نفسك مباشرة مطلا على ضميرك رأسا ، يقدرك على مهل ويزنك وزنا ليسلط عليك حكما ، وكأنما جردك من أستارك وقد سقط قشرك دونه

أما الصمت فى الموسيقى فضروب وألوان منها ما تحسه نداء جامحا وشوقا ملحاحا الى شىء بعيد قريب .. الى سر ، الى كائن مجهول غريب .. لعله الحياة أو الحب أو الخلود !؟

ومنه - وهو كثير - ما نحسه انتظارا حافلا زاخرا بالوعود والامكانات .. طريقا مفتوحا محجبا الى طريق المفاجآت .. إلا أنه ، مع ذلك ، ترقب لشئ ما .. لمعنى .. لنغم تتمناه النفس وتشتهيه وتتوقعه جهدها وترتجيه حتى تبلغ أقصى توترها ومنتهى تأزمها ، وكأنها ترى فيه غاية الانتظار والحل الأمثل المنشود .

وإنها لتجد متعة أيما متعة فى تحسس سيلان هذا الصمت وجس تياره الدافق المطرد يتمدد ويتضخم ويوشك فى كل لحظة أن يتبدد ويذوب .

ومن الصمت ما يشيع ويمتد خفاء وغموضا .. فاذا هو الفضاء يتسع ويغور حتى لكأنه الهوة البعيدة القرار .. كاللغز الرهيب يحيط بالنفس يلتف حولها بضيق عليها أكثر فأكثر حتى تكاد تصرخ قلقا واختناقا .. ألما لذيذا يملؤها في الآن نفسه حيرة وإكبارا .. كشأن العابد ينحنى على عتبة الغيب خشوعا وإجلالا .

والصمت الحلم يترقرق أو يموج ، ويسرح ويتيه فى رحاب النفس وآفاقها ، فيرسم ويزخرف بديع الرؤى وغريب الصور ، مستوحيا من النغم مقتبسا منه ، متصرفا فى عطائه منافسا إياه .

كذا الصمت فى الموسيقى وفى الفن عامة .. ليس مجرد إطار يستند اليه - أو يقحم فيه - النغم أو الكلام بل جزءا من المعنى وقرينا له لا ينفصل عنه ، لأنه بعض من نسيجه وقطعة من كيانه .. مادة نابضة حية يصطنعها الفنان مستغلا إياها - تصرف الحاذق الخبير - تكييفا وتنسيقا كما يشاء ويشاء له الذوق والخيال .. لغة مكتملة قوامها الهمس والايماء واللمح والاشارة التى قد تكون أحيانا - وخاصة فى الادب والمسرح - أبلغ من العبارة ، واذا الصمت يسمع ويذاق ويفهم ويتدبر تماما كاللفظ والكلام ، واذا الفن الحق ما رسم همسا وإيحاء بالاشارات دون الاصوات والكلمات .

اشترك في نشرتنا البريدية