هل ستصبح مسألة تعريب ( 1 ) المواد العلمية فى التعليم الثانوى بالمغرب العربى قضية مزمنة ، تذكر بقضية ) درفيس : Dreyfus الذى تتبارى أقلام فى الدفاع عنه والتحمس له من جهة ، وتتسابق أخرى فى ادانته والاحتراز منه من جهة ثانية ؟
هذه فئة تؤكد انه من منطق التاريخ وطبيعة الاشياء أن تحسم هذه المسألة ، وتدرس مواد التعليم كل مواد التعليم بلغة البلاد الرسمية استكمالا للسيادة الوطنية ، واتقاء للانفصام ، وتماشيا مع روح النظام التربوى الديمقراطي الاشتراكى . وتلك ترى وقف استعمال العربية فى مواد معينة ومراحل معينة وترفع شعار " تدريس العلوم بلغة العلوم " ) 3 ( .
وقد لخصت الكاتبة نهال شكرى هذا الصراع بايجاز فى جريدة الاهرام لقاهرية بتاريخ 19 - 5 - 1977 حيث قالت : " لقد أصبحت قضيه التعريب في المغرب العربى قضية حياة أو موت بسبب فرض اللغة الفرنسية على المغرب ووجهات النظر فى قضية التعريب بالمغرب متعددة " .
فما هى نسبة الحقيقة فى وجهة نظر هذا الشق أو ذاك ؟ . وهل يجوز اتهام المجموعة الاولى بالتزمت والسلفية المعطلة ( بكسر الطاء ( والشوفينية أو قلة التعقلن أو بأحاية اللغة ورفض التفتح ؟ .
وهل يحل لأحد أن يلصق بالمجموعة الثانية تهمة تكريس الفرنسة لعقول أبناء شعب المغرب العربى منذ ما يناهز ربع قرن ، عن طريق تلقين الحساب والفلاحة والحقوق وغيرها من العلم " الصندى " الصحيح بلغة لافيجرى وجيل فيرى وردنسون ، لا بلغة القلص وابن شباط وابن خلدون ) 5 ( ؛
ثم هل توجد فعلا لغة قومية علمية تصلح لتدريس العلوم ، ولغة قومية اخرى غير علمية لا تصلح لذلك ، ولو على مستوى التعليم الثانوى ؟ ثم ما هو الخطر المحقق أو المحتمل لو يتم تعميم استعمال اللغة العربية فى تدريس جميع مواد التعليم وخاصة فى مرحلتى الابتدائى والثانوى ببلدان المغرب العربي ) 6 ( ؟
هذه الاتهامات والتساؤلات لا تزال تقرأ وتسمع هنا وهناك فى مغربنا العربى وتكاد تطرح كل يوم تقريبا ، ولها فرسانها وممولوها ، وتصل الى المواطن المغربى عن طريق دور الثقافة والندوات والمؤتمرات ) 7 ( والكتب والمحلات وحتى عن طريق الاذاعة والتلفزة ، وربما عن طريق الكتابة على الحيطان والمظاهرات ) 8 (
هذا زيادة على ما يلهج به بعض الأيمة من فوق المنابر وحلقات الوعظ والارشاد ( 9 ) .
وقد حاولنا فيما يلى عرض جرد لتصريحات الأوساط الرسمية والشبيهة بالرسمية ، ولاهل العلم أنفسهم من بيداغوجيين ولغويين وأساتذة فى العلوم الصحيحة ، كما عرضنا نماذج من تصريحات الكتاب والصحافيين ، وقدمنا بذلك ما يمكن اعتباره شريطا وثائقيا يعطى " فكرة " عن واقع استعمال اللغة العربية في المواد العلمية بالمغرب العربى الى حين احالة هذا الجرد على النشر
وقد بقينا عمدا فى حيز بلدان المغرب العربى من حيث الاعتماد على التصريحات والمراجع ، عملا بالمبدأ الذى يقول : " أهل مكة أدرى بشعابها "
تصريحات المسؤولين فى الحزب والحكومة ببلدان المغرب العربى
ان تصريحات المسؤولين فى المغرب العربى الخاصة الخاصة ، بقضية التعريب قد كترت وتعددت منذ الاحراز على الاستقلال حتى لا تكاد تخلو وسائل الاعلام المكتوبة أو المسموعة أو المرئية ، من التعرض أسبوعيا لهذا الموضوع
ويقدر ما كانت هذه التصريحات حارة ، مشحونة بالوعود ، ومعبرة عن صادق العزم وخالص الوطنية ، بقدر ما كان التنفيذ معطلا أو بطيئا وجزئيا ) 10 (
ومهما كان الامر فانه يمكن رد ما جاء على السنة المسؤولين السياسيين فى المغرب العربى الى المحاور التالية :
1 - احلال اللغة الوطنية المحل الذى اغتصب منها أيام الاستعمار :
يقول السيد الحبيب بورقيبة ، مؤسس الحزب الحر الاشتراكى الدستورى منذ 2 مارس 1934 ، والرئيس الحالى للجمهورية التونسية منذ جويلية 1957 . " لقد كان هدفنا الأكبر منذ تأسيسنا للحزب الجديد ، أن تنقذ البلاد من الفرنسة التى كانت تهدد قوانيننا الحية فى لسانها وتفكيرها وثرواتها ، وناضنا اذذاك ، ولا نزال من أجل حماية الذاتية التونسية ومقوماتها ، من أشكال الاستلاب الثقافي والعقائدى " ) 11 (
وقال فى نفس المعنى ، السيد الشاذلى بن جديد الامين العام لحزب جبهة التحرير الوطنى ، والرئيس الحالى للجمهورية الجزائرية منذ سنة 1978 . " ان وضع اللغة الوطنية فى مكانها الجدير بها ، وتطويرها واثرائها
لتعود كما كانت لغة علم وعمل وحضارة ، هو أمر لا يقبله الاستعمار ، ويحاول محاربته بكل الوسائل وهذا يجب أن يجعلنا نحرص أكثر من أى : وقت مضى ، على تحقيق التعريب ، الذى نادى به الشعب ، وأقره الميثاق ( الوطني " ) ( 12 )
أما بالنسبة للمملكة المغربية ، فقد جاء بالملحق الثقافى لجريدة " لوموند " فى هذا المعنى ما يلى Le Monde de I' Education
" ان حزب الاستغلال المغربى ، الذى تمكن من تقلد مهام وزارة التربية القومية بالمملكة المغربية ، اثر الانتخابات التشريعية ، التى جرت سنة 1977 ، والذي عرف بتمسكه بالاصول والمقومات الوطنية ، قد عمد الى تقليص دور اللغة الفرنسية فى المغرب ، والشروع فى احلال اللغة العربية حلها فى تدريس المواد العلمية ، وقد بدأ بعد ، تلامذة السنة الثالثة من التعليم الابتدائى ، يدرسون الحساب باللغة العربية ، بداية من فاتح السنة الدراسية الحالية 1980-1981. وتنص خطة حزب الاستقلال ، على مواصلة تعريب المواد العلمية ، على هذا المنوال ، سنة بعد سنة ، حتى يصبح التعليم المغربى معربا كليا فى جميع مراحله وجميع مواده سنة 1990 " ) 13 ( .
2 - طبيعة الواقع بالمغرب العربى تحتم استعمال العربية فى التربية والعلوم والثقافة .
بقول السيد الحبيب بورقيبة : " ولكن تونس فى كل ذلك ، سواء نظرنا إلى أبعادها المتوسطية أو الى انتسابها الافريقى ، أو الى انتمائها الاسلامى ، انما هى عربية اللغة وعربية الثقافة وعربية المصير " ) 14 (
وقال فى نفس المعنى الدكتور أحمد طالب الابراهيمى وزير الاعلام والثقافة بالجزائر :
بعد عشر سنوت من الاستقلال ، أصبح التعليم الجزائرى حقيقة مائلة للعيان ، بهياكله وبرامجه واتجاهاته
أما الازدواجية اللغوية الباقية فى جزء من تعليمنا ، فهي ليست ازدواجية مذهبية فنحن لم نتوقف استعمال العربية على المواد الادبية . ولم نميز اللغة الفرنسية ونقرر استعمالها فى المواد العلمية ، وهذا ما دعانا الى رفض الانضمام الى التجمع الفرانكفونى ، لانه لا يمثل وحدة سياسية ولا اقتصادية ولا حتى جغرافية ، بل هو تجمع يشتم منه ريح الاستعمار الجديد ، ونحن لنا لغتنا الوطنية الرسمية ، التى هى اللغة العربية ، ذات الاشعاع الانسانى ) 15 ( والعالمى " ) 16 ( .
وقال فى نفس المعنى عضو أكادمية المملكة المغربية والمدير العام لمكتب تنسيق التعريب بالرباط السيد عبد العزيز بن عبد الله :
" لقد استطاعت اللغة العربية ، بالرغم من دسائس الحساسين وتلفيقات المغرضين ، أن تستعيد مركزها ، انسانيا وعالميا كأداة للتعليم والعمل ولغة للتخاطب ، فى المحافل الدولية ، والمشرق والمغرب العربيين "
3 - تدريس المواد العلمية باللغة العربية :
يقول السيد الحبيب بورقيبة : " أريد أن ألاحظ لكم ، أن التعليم بالمعاهد الثانوية سيكون متجها الى التعريب ، واستعمال اللغة العربية ، حيث تكون لغة التدريس لجميع المواد ، الا اذا اقتضت الضرورة والظروف استعمال الفرنسية لاجل مؤقت وذلك للاستفادة من الامكانيات التى بين أيدينا ، ريثما تعد المدارس التكوينية ، الاطر الضرورية للتعليم باللغة العربية ، فى جميع المواد " ) 17 (
وقال فى نفس المعنى السيد محمد مزالي الوزير الاول للحكومة التونسية " لقد عربنا المواد العلمية تعريبا كاملا بالتعليم الابتدائى وكذلك بالتعليم الثانوى الخاص بتكوين المعلمين ، ونحن سائرين في طريق تعريب سائر شعب التعليم الاخرى ، بمجرد توفر الاطار " ) 18 ( .
وقال فى نفس المعنى ، السيد المنصف بلحاج عمر الوزير المعتمد لدى الوزير الاول المكلف بالاصلاح الادارى ، والوزير الحالى للاسكان بتونس :
" لقد تم الشروع فى تعريب المواد العلمية بالمدرسة القومية للادارة وشمل بالخصوص : المحاسبة العمومية ، والتقنيات الجبائية ، والاقتصاد العام ، واقتصاد التنمية ، واقتصاد المؤسسات ، والعلاقات الاقتصادية العالمية ، والقانون التجارى ، والمسائل الفلاحية ، والمسائل النقدية " ) 19 (
هذا مع العلم أن ملتقى الرياضيات الذى التأم ، فيما بين 14-15 جانفى " 108 بالمعهد القومى لعلوم التربية ، قد قرر بالاجماع فى لائحة رفعت الى وزير التربية القومية ، تعريب الرياضيات وسائر المواد العلميه ، فى التعليم الثانوى الخاص بشعبة الآداب ، وشعب التكوين المهنى ، وذلك بداية من السنة الدراسية المقبلة ) 20 (
أما فى الجزائر فقد نصب رئيس الجمهورية المجلس الاعلى من أجل تعميم استعمال اللغة الوطنية ، فى مختلف مواد التعليم ، ومجالات الحياة العامة بالجزائر ، ويضم هذا المجلس السادة وزراء الداخلية والتربية والتعليم الاساسى ، والتهيئة العمرانية والشبيبة والرياضة ، والشؤون الدينية والعمل والتكوين المهنى ، ومستشارا برئاسة الجمهورية ، والمدير المركزى للمحافظة السياسية للجيش الوطنى الشعبى ، ورئيس كل من قسم الاعلام والنقافة ، وقسم التنظيم ، والامناء العامين للمنظمات الجماهيرية
هذا مع العلم ان هذا المجلس سيسهر على تطبيق خطة علمية مدروسة للتعريب الشامل ، انبثقت عن قرارات اللجنة المركزية للحزب ، وذلك حتى لا تبقى عملية التعريب أسيرة التفسيرات الفردية أو الاجتهادات المحدودة ) 21 (
ويقول ، فى نفس المعنى ، الوفد الرسمى للمملكة المغربية ، فى مؤتمر التعريب الثالث ، بليبيا ، سنة 1977:
" وفى التعليم الثانوى تمكنا الى حد الآن من تعريب جميع المواد من تاريخ وجغرافيا وفلسفة ، واحتفظنا فقط باللغة الفرنسية ، لتدريس الرياضيات والمواد التقنية ، ريثما يتم اعداد الاطر المعربة ، أما التعليم العالى ، فقد عربت به جميع الكليات ، الا كلية العلوم ، والمدارس العليا للتقنية " ) 22 ( .
هذا مع العليم ان الملحق الثقافي لجريدة " لومند " الفرنسية ، الصادر فى شهر حوان 1980 عدد 62 يؤكد ان المغرب شرع فى تعريب الرياضيات المواد العلمية بالتعليم الابتدائى ، بداية من السنة الدراسية الجارية 1980 / : 1981 ، على أن يتواصل تعريب العلوم ، سنة بعد سنة ، ليشمل التعليم الثانوى والعالى ويصبح تاما كليا سنة 1990
4 - العلاقة بين لغة تدريس العلوم وتوطينها وتجذيرها .
لقد تعرض المسؤولون فى قطاع التربية والثقافة ، أكثر من مرة ، الى أهمية تدريس العلوم باللغة الوطنية ، وأثرها البالغ فى توطين العلوم وأهلها بالوطن الأم ونظرا لطبيعة هذه الدراسة ، فانى أكتفى بهذه المقتطفات المعبرة ، لبعض أعلام الفكر والثقافة بمغربنا العربى
يقول السيد البشير بن سلامة ، الكاتب التونسى ، ورئيس تحرير مجلة " الفكر " والوزير الحالى للثقافة :
" . . الكردينال لافيجرى 23 ) La gerie ) كان يوصى بتعليم صبيان المستعمرين ) بفتح الميم ( باللغة الفرنسية حتى ينفصموا عن أصلهم وأحمد بيرم التونسى كان يقول سنة 1931 إذا علمت شخصا بلغته ، فقد نقلت العلم الى تلك اللغة وأما إذا علمته بلغة أخرى ، فلم تزد على أنك نقلت ذلك الشخص اليها " ) 24 (
ويقول البشير بن يحمد مدير مجلة " افريقيا الفتاة : Jeune Afrique > بتاريخ 13 أوت 1980 عدد 1024-1023 . فى دراسة بعنوان : العلوم فى العالم الاسلامى .
" ان استعمال اللغات الاجنبية ، عوضا عن اللغة الوطنية ، فى تدريس العلوم ، فى بعض البلدان العربية والاسلامية ، هو السبب الرئيسى لنزوح
وهجرة الكفاءات نحو الغرب ، وسيستمر هذا النزيف ، طالما تقاعست الحكومات عن فرض استعمال اللغة الوطنية فى تعليم العلوم بالمدارس ومراكز البحوث العلمية "
وتقول الدكتورة فاطمة زهرة افريحا ، من الجزائر ، والدكتور رضا بوكراع ، من تونس وعبد الكبير الخطيبى من المغرب ، يقولون ما ملخصه :
" إن تعليم العلوم باللغة الاجنبية ، يشكل العامل الاول لاستئصال الثقافة المحليه ، ويؤدى الى عزل فئة المثقفين ، التى لا تبث أن تجد نفسها عن غير وعى ، منحازة الى البلد صاحب اللغة المهيمنة ، وعوضا عن أن تحمل هذه الفئة من المثقفين خميرة التغيير والتحديث والتقدم ، فانها تصبح أسيرة لغة وثقافة غريبتين عنها ، ويؤول الامر بهذه الفئة اما الى فقدان المخيلة والابداع الفكرى ، أو التوجه وجهة البلد المستعمر سابقا " ) 25
موقف النخبة المثقة من تعريب العلوم فى المغرب العربى : ) 26 (
لهذه النخبه موقفان ، أحدهما يخير سرا أو جهرا الاستمرار فى استعمال او جهرا الاستمرار فى استعمال اللغة الفرنسية ، كما كان الحال فى فترة الاستعمار الفرنسى ، وخاصة فى ميدان تدريس العلوم والتقنية ، والملاحظ ان اكثرية أصحاب هذا الموقف يحتلون مناصب ومراكز حساسة ، فى قطاع البنوك والشركات ، والصناعة والتجاره ، والادارة ، والحزب والحكومة ، ومؤسسات التعليم العالى والبحث العلمى ممن تجاوزوا سن الأربعين ، وحتى الستين ، وهم ممن يتصورون القراث العربي ، هو عنترة بن شداد ، وألف ليلة وليلة ، وملوك الطوائف
والجارية الهلالية ، وصاحب الحمار ، واذا عرفوا أو أرادوا أن يعرفوا أكثر من ذلك ، فعن طريق موسوعة " لاروس Larousse الفرنسية ومشتقاتها ، والبرامج الفرنسية التى تعرض دوريا فى اذاعة وتلفزة المغرب
العربى ، أما مستوى معرفتهم للعربية وقواعدها ، فلهم منها ما يمكنهم - اذا اجبرتهم المناسبات - من قراءة أو كتابة فقرة ، لا يفرقون فيها عادة بين عمل ان وكان ، وكثيرا ما يعترفون مع شئ من الاستعلاء والتبجح بأن خطهم ردى بالعربية أو انهم لا يحسنون التعبير بها ، أو انهم لم يتعلموها تماما ، وهم لا يترددون فى التعليق على حاشية أى مكتوب أو وثيقة معربة تصل اليهم في نطاق عملهم باللغة الفرنسية ، كما أنهم يجيبون بها فى معظم الاحيان عما يرد عليهم من بريد معرب ، أما اجتماعاتهم وجلسات عملهم فلا مجال للعربية فيها ، ولعلهم يرددون بينهم وبين أنفسهم : اذا عربت خربت
وثانيهما أصحاب المدرسة العربية ، التى تشكل الجانب الاكثر اعتدالا باعتبار أنها غالبا ما تكون مطلعة على الانتاج الثقافي والعلمى ، بنوعية العربى منه والغربى . وأغلبيتهم من أساتذة التعليم والمحامين والقضاة والكتاب والصحافيين وأعضاء مجلس النواب
والملاحظ أن أصحاب هذه المدرسة لم يكتفوا بالتزامهم الشخصى بالتعبير بالعربية والكتابة بها ، وبالمطالبة بتطبيق اللوائح النقابية والتربوية ، ودستور البلاد ، المنادية جميعها باستعمال اللغة الوطنية فى التعليم والعمل ، بل تجاوزوا ذلك الى وضع الدراسات ، والمناهل المدرسية المعربة ، والمعاجم اللغوية الموحدة ، لاحدث المصطلحات العلمية ، بل انهم تمكنوا حتى من اختراع آلة طبع ، وحاسب الكترونى ، وجهاز للاعلامية خاصة بالاحرف العربية . ويتركز جانب كبير من هذه الدراسات والبحوث على المحاور التالية :
1 - رفض الازدواجية اللغوية فى التربية والعمل :
ويمكن تلخيص هذ الرفض باختصار ، كما يلى : فقد قيل بتساكن لغتين : لغة ثقافة Langue de Culture تكون العربية وتدرس بها المواد الادبية ، ولغة أداة Langue Fonctionnelle ندرس بها المواد العلمية ، تكون الفرنسية . وفي هذا المنزع ما فيه من الغموض الظاهر ، والفصل المفتعل ، بين متلازمين لا يفصلان ، فهل يجوز ان نسمى لغة لا تستعمل أداة لتلقين العلوم لغة ثقافية ؟ .
ثم هل يجوز أن نحكم على لغتنا الوطنية ، رغم ماضيها المجيد ، وعدد المتكلمين بها اليوم من العرب والمسلمين ، وما كسبته من اعتراف ودخول
الى حيز الاستعمال لدى المنظمات العالمية فى العصر الحديث ، أن نحكم عليها بالشلل والعجز ، فى ميدان حساس دقيق ، كميدان العلوم ، بينما اقتحمته لغات اخرى كانت بالامس القريب مهجورة جامدة ، كالعبرية والمجرية والبولونية واليابانية ؟ .
والرأى الرشيد ان تكون الفرنسية لسانا أجنبيا لا غير ، مثل الانقليزية بالنسبة لاخواننا فى المشرق العربى ، لا أداة فى تدريس العلوم ، والادارة والمحيط .
ويدعون ، تبعا لذلك ، وزراء الثقافة والاعلام بالمغرب العربى دعوة ملحة الى مراجعة ما يسمى " بالاذاعة الدولية " فى بلدان المغرب العربى ، التى اصبحت وكأنها اذاعة قومية ثانية ، تبث معظم برامجها بالفرنسية ، وتطرح من خلالها كل ما يمس الحياة القومية ، والحال ان شعوب المغرب العربى شعب واحد ، يتكلم لغة واحدة ، ويؤمن بالوحدة القومية ، والمصير المشترك .
والصواب ان يقتصر دور هذه الاذاعة على تقديم نشرات الأخبار بأكثر ما يمكن من اللغات العالمية وبعض البلاغات التى تهم الجاليات الاجنبية ، وتحال بقية فقرات البرنامج على الاذاعة الوطنية لتقدم باللغة الام الى المواطنين جميعا بدون تمييز . وقد يروق لبعضهم في هذا المجال أن يسوق بيتا أو بيتين من الشعر للدلالة على ما لحق الشبيبة فى المغرب العربى من تحريف وتشويه . فى نطقها وتعبيرها :
يتكلمون مع الفراغ ، فما همو عجم اذا نطقوا . ولا اعراب "
أو ما لحق الفئات الاجتماعية من عدم التجانس والتقارب أحيانا بسبب عدم انصهارهم فى لغة واحدة وثقافة واحدة موحدة : ) 27 ( بكسر الحاء وفتحها
لن تكسر العيدان مجموعة وانما تكسر اذ تفرد "
كذلك الناس اذا لم تكن اراؤهم مجمعة بددوا
لا نهضة علمية ولا تقنية ، خارج اللغة الوطنية
ان كثرة البحوث والمحاضرات ، والكتب ، المدعمة أحيانا بتقارير الدكاترة فى الطب النفسى ، فى هذا الباب ، مما يجعلنى اقتصر على التذكير بالنقاط الاكثر تكرارا وتداولا
1 ( ان تلقين العلوم باللغة الاجنبية لشبيبة المغرب العربى ، فى شعب التكوين المهنى ، والتعليم الثانوى ، والعالى ، ينجر عنه :
أ - انفصام فكرى ، واستمرار وجود طبقية ثقافية ، بين أبناء الشعب تهدد نموه العلمى (28)
ب - انقلاب الاطار ، الذى تعلم العلوم باللغة الاجنبية الى منبت ( يتضعف التاء لوطنه ، فيتنكر لاصله الاجتماعى ، ويصدر أحكاما مجحفة ، على الثقافة التى ينتمى اليها أصلا ، او التى كان من المفروض ان ينتمى اليها حساب العرف والمنطق ومفهوم المواطنة
ج - هجرة الكفاءات العلمية المتعلقة باللغة الاجنبية الى الخارج في حين يكون الوطن فى اشد الحاجة إلى خدماتها وطاقاتها ، وذلك بسبب ضعف وازع الايمان بالتضامن الاجتماعى والوحدة القومية ، والولاء :
2 ( ان المواطنية Citoyennete موقوفة اساسا على الانتساب الى لغة معينة وثقافة معينة والارتباط الذاتى بهما ، وعليه لا بد للعربية ناقلة النسق التربوى فى الشمال الافريقى ان تكون لغة العلوم ، ولغة جميع الانشطة القومية ، بدون استثناء اذ بدونها يبقى مفهوم السيادة ، والوجود والكرامة ، أبتر مطعونا فيه ، وتبقى العبقريات الفكرية المؤملة ، والمواهب التقنية المنتظرة ، سرابا وحلما من احلام اليقظة
أما ما يحتج به بعضهم أحيانا من امكانية ازدهار العلوم والتقنية والثقافة برغم تعدد اللغات فى الوطن الواحد ، كما هو الامر فى الكنفدرالية السويسرية وبلجيكا ، فانه مدحوض ، وباطل من اساسه ، ولا يصل للمقارنة ، فالواقع الجغرافى والجنسى والاجتماعى فى البلدين المذكور الذي سمح بتعايش لغتين او اكثر ( بشئ غير قليل - والحق يقال - من النشاز والتصادم ، والتخلف النسبى فى مجال العلوم والثقافة ( لا يشبه لا من قريب ولا من بعيد واقعنا نحن فى المغرب العربى الكبير
ونجد ، زيادة على ذلك ، فصلا او انفصالا لغويا كاملا ، بل استقلالا تاما فى ميدان اللغة بين الاقليم والاخر فى البلاد
ففى سويسرا مثلا ، نجد ان اقليم " تيتشينو " لا يستعمل الا اللغة الايطالية فى التعليم ) بجميع مراحله وشعبه واختصاصاته ( والادارة والمحيط وفى اقليم " الفودوا وجناف ونوشتان " لا تستعمل الا الفرنسية ، تعليما وادارة ومحيطا ، وفي اقليم " بارن وزوريخ وبازل وليسارن " لا تستعمل الا الالمانية فى التعليم والادارة والمحيط ) 29 ( ونجد تبعا لذلك ، ان لكل اقليم صحافته ، وشبكته الاذاعية والتلفزية الخاصة به ، والتى لا تكتب ولا تتكلم الا بلغته ، فلا اثر بالمرة فى سويسرا للخليط و " الوحل اللغوى " على حد تعبير احمد القديدى ، الذى تعيشه - واى عيش - شعوب المغرب العربي فى تعليمها الواحد ، وادارتها الواحدة ، ومحيطها الواحد ، وصحفها الواحدة واذاعتها وتلفزتها الواحدة ، بل لا اثر خاصة للضيم والغبن والاستبداد اللغوي ، الذي يستفز الاطارات المعربة والمثقفة باللغة الاصيلة والوطنية
للبلاد ، فى مجتمعنا بالمغرب العربى ) 30 ( حيث تسد أبواب المناصب الهامة سدا فى وجه هذه الاطارات وتحال على التعليم والوظائف الهامشيه او البطالة والوسق الى الخارج ، بينما يستأثر المثقفون باللغة الفرنسية بالحكم والادارة ، والمؤسسات والمنظمات العمومية ، وتسيير " دولاب " الحياة بصفة عامة . لا ، أبدا ، لا اثر لهذا الكابوس اللغوى الثقافى الاجتماعى فى سويسرا وبلجيكا
3 - تعريب العلوم مرهون بإرادة المسؤولين السياسيين
ويتلخص ذلك فى الاجماع على الاعتقاد ان عدم ادراج التعريب بصفة عامة ، وتعريب العلوم بصفة خاصة ، فى مخططات التنمية الوطنية ، لا بحل ابدا معضلة فقدان الاطار المعرب ( بكسر الراء ( وهو العذر الخالد وشبه المنطقى ، الذى ما انفك يتعلل به المسؤولون السياسيون منذ أكثر من 20 سنة ، فى بلدان المغرب العربى ، كلما واجهوا قضية التعريب ، ولا يخفى على أحد ، أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة ، ولا اطارات تعريب ، ما لم ترسم الحكومات خطة واضحة المعالم تحل هذا المشكل حلا جذريا ) 31 (
ويطرح اصحاب هذا الرأى ، فى هذا المجال ، التساؤل التالى
لماذا لا تعمل حكومات المغرب العربى على تكثيف التعاون التربوى والعلمى والثقافى ، فيما بينها من جهة ، وبقية الاقطار العربية الاخرى من جهة ثانية ، وذلك على غرار ما يتم حاليا من اتفاقيات وعقود والتزامات فى ميدان التعاون والتكامل الاقتصادى والسياحى ؟ كما يتساءلون
ما الذى يمنع حكومات المغرب العربى ان تتخذ اجراءات حمائية ، تحمى الانتاج العلمى ، والثقافى القومى ، من غزو الانتاج الثقافى الاجنبى ، الذى بحتل أكشاكنا ومكتباتنا العمومية والتجارية ، بنسبة 90 % تقريبا ؟ .
لماذا تتخذ كل الاجراءات لحمل المواطن على استهلاك الانتاج الفلاحى والصناعي القومى ، ولا يكاد يتم شئ من ذلك ، لفائدة لغتنا الوطنية وبضاعتنا الفكرية ؟
انه لا شئ يربو وينمو كاللغة والعلم والثقافة بالاستهلاك ، وبكثرة الاستهلاك خاصة ، الذي لا يلبث ان يجعل منها جميعا تجارة رائجة رابحة وقادرة على مجابهة التحديات الاجنبية ، كما وكيفا
ولا شئ كاسته لغتنا وعلمنا وثقافتنا ، يحرك دور نشرنا ومطابعنا الكاسدة ، وأقلامنا الفجة ، ومواهبنا الخاملة ، ويطلق العبقربات فى عقالها ويقحم ثقافتنا ، التى هى تمرنا بما فيه " دقلة النور " و " الكنتيشى " وزيت زيتوننا بما فيه من " دردى وفسفاطنا بنوعياته ، ونفطنا الخام والمكرر يقحمها فى دورة الاقتصاد بالفعل
ولكن هل " يريد " حكامنا بالمغرب العربى ذلك ام لا يريدون ؟ تلك هى المسألة !
ملاحظية : لقد تم الاقتصار عمدا على ذكر عدد محدود جدا من اعلام الفكر والثقافة بالمغرب العربى وعلى ذكر مرجع واحد فقط لكل منهم تحاشيا للسرد الممل ، وأذكر في نفس الوقت انه نشرت الى حد الآن بمجلة الفكر التونسية وحدها 110 دراسة لغوية ، لكتاب مختلفى الاختصاص ، هذا زيادة على الدراسات المماثلة التى نشرت بمجلة الحياة الثقافية التونسية ومجلة الثقافة الجزائرية ، ومجلتي المناهل والبحث العلمي المغربيتين وزيادة على الاطروحتين او الرسالتين الجامعتين ، حول اللغة الوطنية والتعريب اللتين ، نال بهما كل من محمد المنجى الصيادى ، من تونس وأحمد نعمان ، من الجزائر ، شهادة الدكتوراه ، وزيادة على الدراسات اللغوية الاخرى والمختصة جدا ، التى تمت فى نطاق معهد الدراسات والابحاث للتعريب بالمغرب ، ومعهد العلوم الصوتية واللسانية بالجزائر وقسم الالسنية بالجامعة التونسية ، والابحاث التى قدمت في مؤتمرات التعريب بكل من المغرب والجزائر وليبيا ، وبمؤتمر وزراء الثقافة الافارقة . ( lo 0.27 - 1975 بأكرا )
