الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "الفكر"

لغز المدينة الخضراء

Share

قصة

إسْتَلْقَى إلى الوَرَاء، وَاقِفا عَلى ظهرِهِ ، رَافِعاً رَأسَهُ إلى أسْفَل، وقَالَ بِعَيْنَيْهِ المُحْمْلِقَتَيْنِ : سَيِّدِي، هَلْ أعْجَبَكُمْ هَذَا؟

وَجْه مُتَقَلِّص الوَجْهُ المُتَقَلِّصُ المتَغَضّنُ المُجَعَّدُ مُنْتَشِرَة عَلَيْهِ الندُوبُ التى لم يُفْلِحِ الطِّلاءُ، و لا الادْهَانُ إخْفَاءَهَا. وَجْه يتَنَفَّسْ في جَهْدٍ. أجَابَهُ وجْهُ سَيِّدهِ فى إجْهَادْ: قد حَطَّمكَ الرَّقْمُ القيَاسِىّ، لكنَّكَ لَمْ تَفعَلْ شَيْئًا.

هَمسَ أحدُ المنبطحينُ على بطونهمْ ، لجَارٍ لَهُ مُسْتَلْقٍ على ظَهْرِه: هل عَلِق بذهْنِكَ شَئْ مِمَّا حَكَاهُ المخَرّفُ البارحَةَ؟

وقف على رَأسِهِ مُشيرا بِرِجْلهِ اليُمْني إلى الغَرْب ، وبِرِجْلهِ اليُسرَى إلى الشّرْق ، غارِزا أصابِعَ يَدَيْهِ فى إسْفَلْتِ القَاعَة ، وعَيْنَيْهِ فى سَقْفِهَا ، ثمّ قال بعيْنية المُحَمْلِقَتَيْن سَيِّدى هلْ أعْجَبَكُم هذَا؟

قالَ أحدُ المٌتَربِّعِيْنَ لجَارٍ لهُ مادّ سَاقَيْهِ ، هامسا ؛ ممَّا حكاه الخَرّافُ البارِحَة ، عندما تنحنح وقال : سَيِّدِى ، سَوّدَكَ الله أبَدا...

أجَابَتْهُ شفَتَا سَيِّدِه المزمُومَتَان المُتَقلِّصَتان : قَدْ حَطَّمَكَ الرقمُ القياسِىّ ، لكنَّك لمْ تَفْعَل شَيْئا.

قال له الجناحُ الايْمَن لسَيِّدِهَ، مُبْتَسِمًا عنْ طاقم أسْنَان من ذهبٍ خالصٍ، دونَ أنْ يَصْرِف نظرَهُ الكسُول المتخاذل (من شدّة النعَاس ؟) عن وَجْه سيده المُتَقَلِّصِ: أظُّنّك تحطِّمُ الرقمَ القياسِىّ لو صَفَّقْت بعيْنَيْك.

همَسَ المُسْتَلْقِي على ظهره فى أذُن المُنْبَطِحِ على بَطْنِهِ : يا سَادَه يا مَادَهْ ياللِّي تَحْبو الصَلاه والعبادَهْ. يُحْكَى والحكايات كثيرة والرّوايَات مُختلِفَة ونَحْنُ قومُ حِكَايَات ونحنُ أصْدَق الحاكِينَ، أن تاجِرا كبِيرا من تجَّار ألْف ليلة وليْلة ولعلها ألف يوم ويوم أوْ ألف عَامٍ وعَام ، رَمَت الرِّيحُ بمَراكِبِه إلى جزيرَة خضراء من بلاد الشَّمس ، يسكُنُها قَوْم لا يعرِفُونَ مَتَى تَبْزُغُ الشَّمْسُ و لا مَتَى تَغيبُ. وسَوَّدَ القَوْمُ الذين كانُوا يَبْحثُون عَن بَطلٍ التَّاجِر علَيْهِم فى يوم غَابت شمْسُه وليلَة غابَ قمَرُها.

لكن عينَيْةِ ظلَّتَا مُحَمْلِقَتِينِ فى سَقْفِ القَاعَة. وقف على بطنه ، رافعا رجْلَيْه إلى أعْلَى ،

التفت المتربّع إلى جارِهِ المُستلقِى على ظَهْرِه ، وهَمَسَ : وكان البطل متوَاضِعا مثل بقيَّة النَّاسِ. يحبّ كما يُحبون ، ويَحْقِد كما يحقدون. وكانَ في شبابِهِ قد عَزَمَ على أنْ يُصْبِحَ بَطَلًا لانَّه أحَبّ فتَاة لم تَعْبَأ به، كي يَكْبُر في عَيْنِهَا . ولمَّا مَلَكَه النَّاسُ رِقابَهُم ، أَرْسَلَ في طلبها . فَطَلَّقَتْ مَن جُنّتْ يه فس أيَّامِ صَبْوتِها ، والتحَقَتْ به . وقالت له ذات يومٍ  :

القى سيِّدُه نظرة على صدْرِه البارز بعَيْنَيْنِ ملؤُهُمَا التسَاؤُل والعَجَب، القى سيّده نظرة على رَأسه المسْتديرِ بعَيْنَيْن

مِلْؤُهُما الحَيْرَة والإسْتَغْرَاب ، ألْقَى سَيِّدُهُ نظرةَ على رجليه الصغيرتين بعينيْن مِلْؤُهُمَا التَّقَزّزُ وَالإجْفَالُ،

فقاطع المُسْتَلْقي على ظهره جاره المتربّع : بَلْ ، قَالَ : ذَاتَ ليْلة ... كانَتْ مُتَكَهِّلَة ، هزيلَة ، قصيرة . ضامرَة . بدريَّة الحُسْنِ. مَخْدَعِيَّة الملمَس. سَمَكة بحريَّة قيروانيَّة العينينِ. لهَا على قَلْبِ الملك سُلْطان ليْسَ لَهُ علَى مَمْلَكَتِهَ. وهَمَسَتْ في أذنه ، في إغْوَاء كِبْريَائيّ: بقِيَتْ لِبى الآن أمنيَة وَاحدَة ، وهي أن نمتلكَ حمَارا ، لا يُسْمَح لغيرهِ من الاحْمِرَةِ بالتَّجَوّل فى شوَارع الجزيرَة ، و لا يُسْمَح لحمار غيره أن يَطَأ أتانا . وقال لها الملك : لك ذلك.

وأشَارَ بيدِه اليُمني إلى الغرْبِ ، بأصَابعه الخَمْسِ ، وأشار بسبَّابَةِ يده اليُسْرى إلى نافِذة فى الجانب الشرْقِيّ من الحُجْرة ، وغَرَزَ عَيْنَيهِ فى وَجْهِ سيّده المتجعّد ،

التفَتَ المادّ ساقيه إلى جاره المُبَطَّحِ على بَطْنِهِ ، وهمَسَ وكُلَّمَا جَلَسَ الملك (التاجر) أو التَّاجِر (الملك) بَيْن حَاشِيَتِهِ وأعْوانِه ، قامَ في القاعةِ رجُل أعْرَج أحْدَب دائمُ ارْتِعَاشِ اليد والرّأس ...

نَظَر الجناح الايْسرُ لسيدِهِ بوَجْه ضاحكٍ يُخْفِى تجاعِيدَ مُتجَهِّمَة ، وقال هَامِسا : هل عُمْت البَارِحة في بركةِ الحليب؟

اعْتَرضَ المنبَطحُ على بَطْنِه ليُواصِل الحديثَ : وأعْلَنَ : أنا الشَّاعِرُ . ليس لى من مَوْرِدِ رِزْق إلا ما أنظمُهُ فيكَ مِنْ قوْلٍ أطلقُهُ على رُؤُوسِ الذينَ تَسَودوا بك والذين تسوّدُوا

منك . مُخلدا فيه ، وأنتَ الخالدُ أبدا ، مَنَاقِبَكَ التى لا تُحْصَى .

ويتَصَبَّبُ العَرقُ من جَبينِه ، ويكَادُ الدم ينفجر من وَجْنَتيهِ ، ويكادُ الصّرَاخُ ينفرج عن شَفَتَيهِ المنفَرجَتينِ بعنف . صرَخَتْ فيهِ عَيْنَا سيِّدِه بحدّة : لا تنْظُرْ إلىَّ هكذا يا ابن الكَلْب . ثم هدأتْ أسارير وجه السيد ، وقالت تجاعيدُ وجههِ بعُنْف :

قد حطّمكَ الرقمُ القياسيّ  ،  لكنَّكَ لم تَفْعل شَيْئا.

قال الماد ساقيه للمستلقي على ظهره : وبكى الملك تواضعا ، لمدح الشاعر له ، حتى استحال البكاء إلى نوبة سعال . وتمادت النوبة ، حتى انكب الملك على بطنه .

أجهده التمثيل وأصاب الإعياء كامل أعضائه ، وتحامل في ضنى لينهض . ولما استوى على رجليه في وقفة عسكرية ، انبسطت أسارير وجه السيد ، واتسعت تجاعيده وامحت غضون جبينه الضيق . وانفرجت شفتاه في تكاسل لتظهرا أسنانا متناثرة صفراء تميل إلى الطول والسمنة . وكبر المدى بين شفته السفلى وشفته العليا ، حتى انفرجت ضحكة من بينهما ، طويلة الوقع ، كبيرة الحجم ، قديمة . ثم أخذ ظهره يميل إلى الوراء ببطء ، والضحك لا ينتهى ، حتى استلقى على ظهره .

قال المتربع للماد ساقيه : وانزعجت الحاشية فهب طبيب الملك متثاقلا ، لينظر في أمر سيده المسود عليهم صاحب نعمته . وضع يدينه على مقدمة كتفى الملك ورفع

له رأسه بهدوء خشية إزعاجه . وطالعته عينا الملك المغمضتان ووجهه الكالح المصفر ، الذى كان من الواجب أن يكون قد احمر ، وثغرة فمه ، وثقبا أنفه وهو فى نوبة السعال . قال الطبيب للملك : أنت مريض يا مولاى .

إنتبه الحاضرون إلى نوبة الضحك التى انتابت ولى نعمتهم . فتبادلوا النظرات . ثم انفرجت أسارير وجوههم بسرعة ، ثم انفرجت عن شفاههم ضحكات عالية مدوية ، حتى استلقوا على ظهورهم ، حتى أفاق السيد .

قال المستلقي على ظهره ، وبقايا الضحك ما زالت على شفتيه ، لزميله المنبطح على بطنه ، الذي لا يزال الضحك مندفعا من أنفه : إذن مات الملك ؛

قال المنبطح على بطنه للماد ساقيه : أين تراه سيذهب إذا مات ؟

قال الماد ساقيه للمتربع : إلى بطن كتاب . قال المتربع للمستلقي على ظهره : إلى بركة حليب يهزا بياضها بكل بياض .

قال المنبطح على بطنه للمتربع : يموت وكفى ، فليدفن فى بطن كتاب أو بركة حليب أو ليذهب إلى الجنة إذا شاء أو إلى الجحيم ... لكن لم تفكروا فى رئيس البلدية الذي ربما سيأمر بدفنه في حديقة البلدية ؟

واستوى السيد قاعدا ، قائما ، وقال للممثل في لهجة الحكيم : أخيرا ، استطعت أن تحطم الرقم القياسى .

أبشرك يا بنيء بأنك مضحك فاشل . لذلك فانني أوكل أمرك إلى المشنقة .

تعالت الهمهمات والنمنمات في القاعة ، وأصابت بعض الحضور بهتة لامر هذا الممثل .

قال الماد ساقيه للمستلقي على ظهره : هل ترى أنت أمر موته لغزا ؟

قال المنبطح على بطنه للمتربع : بل مآله .

ثم حملق السيد في القاعة الفسيحة ، ثم في غرابنة ، ثم فى استغراب ، ثم في غربة هوم ببصره الزائغ . وقال مكشرا ، مكشبا : لماذا تضحكون مثلى ؟ لكن هذا الهم الذي في قلبي لا يريد أن يزول . فمن استطاع منكم أن يزيله ، كافيته بما لا يحلم به .

قال المتربع للمنبطح على بطنه : ذكرني هذا اللغز بلغز آخر سأسلى به الليلة سيدنا .

قال المنبطح على بطنه للمستلقى على ظهره : وينال الجائزة التى لا يحلم بها ...

قال المستلقى على ظهره للماد ساقيه : كأن يصبح مضحك سيدنا ، وممثله .

قال الماد ساقيه للمتربع : ثم تلحق من سبقك من المرحومين سأل المنبطح على بطنه المتربع : ما هو هذا اللغز الذي ذكرك به أمر موت الملك الذي ستسليه هذه الليلة باللغز الذي سيذهب عن سيدنا القلق الذي انتاب الملك الذي كان تاجرا ...

قال المتربع للمنبطح على بطنه : لغز المدينة الخضراء . تملأمل الحاضرون على ملال . وتنحنح بعضهم وطأطأ ببعضهم الرؤوس . ومن بينهم تقدم رجل غائر العينين يتلمس طريقه بين المتربعين والمادين سييقانهم والمستلقين على ظهورهم والمنبطحين على بطونهم والمحملين في السقف والناظرين إلى مؤخراتهم والسابحين في أعماقهم والزائغي الابصار والمخنوقي الرقاب بسيور حريرية ملونة والمربتين والمطبين على كروشهم الناتئة . قال أحد الجالسين : لعلها تنفرج على يد هذا الخراف الأعمى .

وقف الاعمى أمام السيد ، وقورا ، وقال : سيدي ، سودك الله أبدا ، علمت أخيرا أن حرمكم أحدا ما قد اقتحم حديقة البلدية على متن حماره ، الذي أخذ يدوس الزهور ويقضم بأضراسه تيجانها وسوقها الرقيقة ويرفس بحوافره البطيخ والدلاع ...

قال الماد ساقيه للثلاثة الآخرين : هذا لغز معروف . على المدينة الخضرا ، وسكانها عبيد ...

قال المنبطح على بطنه : تتسكر بالقدره .... قال المستلقى على ظهره : وتتحل بالحديد . والقى المثل نظرة إلى الخارج من النافذة التى كان منذ قليل يشير إليها بيده .

1970/4/23

اشترك في نشرتنا البريدية