الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

لفاء أدبي مع القصاص البشير خريف

Share

* القصة عرض للمحن وتحليل لها ، ولكل قصة حوادث * الشعر عنوان البداءة * النقد ليس منعدما بيننا لكنه هزيل * الفكر مرآة تنعكس عليها حياتنا الفكرية وقد حققت مكاسب عدة

" يعد القصاص خريف فى حياتنا الادبية خير شاهد على وصف تطور الحياة التونسية وتقلب المجتمع التونسى بعد الحرب الثانية ، استعمل اللهجة التونسية المهذبة واقتلع منها تعابير بوأته لان يتصدر بحق فى هذا الباب ، وقد نشر بواسطة مجلة الفكر اكثر انتاجه القصصى : افلاس 58 النقرة مسدودة 59 - خليفة الاقرع 60 - برق الليل 60 التى نال بها جائزة البلدية للقصة وهنا يتحدث للقراء عن العالم الذى عاش فيه وعن تجربة الفن والحرف " .

- ص ع -

س : هل لكم ان تعطوا القراء بعض الخطوط عن القصة بتونس ؟

ج :  القصة عريقة ببلادنا ، وتراثنا من القصص الشعبية زاخر ثرى ولا عجب ، فانه صادر عن نفس المصدر الذى انجب ألف ليلة وليلة من القصص الاسطورى الذى يمتزج بتحاليل نفسية عجيبة كقصة " الكلب بو سبعة سلاسل " والقصص الشعرى " كملاح يا ملاح "

والقصص الاخلاقي " كعيشة بنت الحوات " وأخرى تاريخية " كعيشة القادرة " وقصص الاطفال " كالمعزة المعزوزية " و " قطوسة الرماد " و " الجرانة والعصفور " الخ وابلغ مضرب لهذه الامثال او النسوة عندنا اذا انفردن فى حديثهن عن شؤونهن كثيرا ما يدخلن فى القصص جاعلات منها محل شاهد على مشكلة حالهن وتطبيق تجربة السلف وهذا القصص الشعبى يبلغ الذروة غير أنى أراه بحسرة وارتياع يضمحل ، فالجيل الحاضر من الامهات لا يعرفن أن يعمرن عقول اطفالهن بذلك الخيال المجنح ، فيغرس فيه الى الابد تلك القيم الاخلاقية ، واما القصة المكتوبة فانها لم تسترع انتباه من له سعة فى الثقافة وتجربة فيزودها بدفق أصيل متين ، وانما غالب المهتمين بها يتلمسون الطرق وقد تشعبت امامهم بما يرون من روح هذه الصناعة وتعدد مناهجها عند الغربيين والجهود مبذولة والبوادر تبشر بخير .

س : لماذا تلجؤون لاستعمال اللهجة التونسية فى حواركم القصصى ؟

ج : القصة هى حكاية الواقع ، والكاتب شاهد على عصره واللغة صورة العقلية ، فالتعاير والتراكيب تختلف فى الامة الواحدة من مجتمع الى آخر وهذا الاختلاف يصور لنا مفاهيم ذلك المجتمع الخاصة ، فان جعلنا الاشخاص يتكلمون غير لغتهم فقد خنا الامانة واعطينا صورة مزيفة عن المجتمع الذي نصور .

س : ماذا ينبغى ان يعبر عنه القصاص ؟

ج : الغرض من كل فن هو مسك شعور عابر واثباته مدى الايام كذلك يفعل النحات عندما يخلد فى الرخام رجفة من تلك التى تكتنف النفس لحظة ، وكذلك يفعل المغنى عندما يعيد لك ريحا من الذكريات ، والذكر أثمن ما يتميز به الانسان ولكل انسان محن تعز عليه ، وكثيرا ما تكون هذه المحن نتيجة علل نفسية او اجتماعية والقصة عرض لتلك المحن وتحليل لها ومفرج منها بها وعسى ان تكون عبرة لاولى الالباب إذا ما وقعوا فى مثلها ، فليس الذين يعلمون كالذين لا يعلمون ، ثم قد تكون مادة للمؤرخ وكشفها للمصلح الاجتماعى ولو لم يكن لها الاحتفاظ لصاحبها بصفحات من ماضيه يستعيدها عند غروب الحياة لكفاها فضلا ، يقال ان اسكندر ديماس الاب كان ايام شيخوخته يحب تصفح كتبه فيهدهد مشيبه بما فعل شبابه .

س : لقد عدكم المرحوم الناقد محمد فريد غازى قدوة للقصاصين فى تونس وفى شمال افريقيا ، هل لكم ان تطلعوا القراء على بعض انتاجكم القصصي وحياتكم الادبية ؟

ج : منذ حداثتى وانا شغوف بالقصص وما تضربه من امثال وما ينتج عن تعارض العواطف والاغراض من مواقف وحالات عجيبة وكنت أحلم أن اخرج فى يوم من الايام قصصنا وأساطيرنا الشعبية مكتوبة مدونة ، ولعله يكون هذا فى مستقبل الايام ، واما انتاجى الماضى فانه محاولات كنت اعرضها على اصدقائى واخوتى فنضحك منها ونعلق عليها ثم اهملها ولما اصدر اخى المرحوم مصطفى سنة 1937 جريدته " الدستور نشر لى أقصوصة بعنوان " ليلة الوطية " دشنت بها الاسلوب المزدوج سياق فصيح وحوار عامى وواقعية تفصل بين الادب والتأدب ، فأثارت استنكار الجمهور وتوقفت الجريدة لاسباب اخرى فرجعت الى المذكرات وتحرير الصحائف الاولى من مؤلفات طويلة لم يكتب لها التمام .

وبعد نحو من العشرين سنة تبدلت الاحوال وفتحت مجلة الفكر صحائفها للانتاج الادبى ونقده فعرضت على مجلسها مخطوط : " حبك

دربانى " فأثارت قراءته اراء مختلفة ورجحت الكفة بفضل تأييد الاستاذ محمد مزالى صاحب المجلة فنشرت القصة على ثلاث دفعات وصادفت قبولا وتشجيعا ثم نشرت بها " خليفة الاقرع " " والنقرة مسدودة " وبرق الليل وفصولا " من الدقلة فى عراجينها " وانى بصدد كتابا مسرحية .

س : ما هو رأيكم فى الالتزام ؟

ج : الاديب ملتزم ومطلق . فالملتزم هو الذى يسخر مواهبه لمناصرة فكرة او مقاومتها ومثل الادباء الملتزمين ابن الرومى وفكتور هيقو وشرطه ان يكون تلقائيا واما المسير فدعاية ليست من الادب فى شئ ، والمطلق ان يسخر مواهبه للجمال ، للجمال فقط ، جمال الفكرة والخيال والعواطف مهما كانت وهى العرض والسبك والمطلق اعم وأشمل بتجرده من الظرف وتربيته لاحساس الخير فى النفس ، والخير أصل لكل اصلاح مثل الادباء المطلقين امرؤ القيس وشكسبير .

س : ما هو رأيكم فى الشعر ؟

ج : كنت ابديته اكثر من مرة ، وأثار على بعض الحفاظ لكنى اعيده لك ولا أبالى : اعتقد ان الشعر عنوان البداءة ترى ذلك فى الامة والشخص فأول ما يتكون الادب عند أمه يتكون شعرا ثم يتطور الى النثر كلما نضجت الافكار ، واول ما يتناول الشاب قلمه يكتب الشعر واكثر ما نرى منه لا ينبى على فكرة وانما على عواطف خاصة فى الفاظ موزونة جميلة فهو كالرقص بالنسبة للسير بينما المعنى الفحل يريد ان يبلغ هدفه دون ما تقييد بوزن ولا بلفظ سوى ذلك الذى يعبر عنه أصدق تعبير وهناك شعر أصيل هو نوع من الوحى ، فلئن يجتمع المعنى وموسيقى الوزن وجمال القافية فى سلسبيل رائق فتلك معجزة المعجزات ولا تتأتى الا لنفر قليل فى العصر الواحد .

س : لماذا انعدم النقد ببلادنا حسب رأيكم ؟

ج : ليس هو منعدما مطلقا ولكنه هزيل . والسبب فى ذلك على ما اظن الكسل وقلة الصبر لان النقد يكلف صاحبه جهدا لا يقل عن جهد المؤلف وربما فاقه . فالناقد مضطر الى ان يلبس لبوس المؤلف وينزل منزلته ويقتفى آثاره فيحلل ويدل على مواقع الحسن وأسباب ومواقع المؤاخذة وعللها والمقارنة . فكم من اثار تبدو خفيفة اثارت قناطير من النقد . ومع سعة نطاقه فالناقد مقيد بدراسة وحدود لم تكن للمؤلف الذي ينقاد لالهامه كما انه يشترط فيه سعة اطلاع لا تشترط

فى المؤلف فهو كالعالم النباتى والمؤلف كالشجرة المثمرة ومن ناحية أخرى فهو بين ادباء عصره كسائق الاضعان وحاديها ، يستحث السير وينشط الخامل ويشيد بالمجيد ويستبدل أحيانا نايه بالسوط يرجع الشارد المنحرف وهو على كل حال مبعث شحنة وفاتح آفاق . ومثل ذلك فعل النابغة الذبيانى وابن رشيق وبوالو وسانت بوف وزين العابدين السنوسى واما ما نراه من نقد فى بلادنا الان فهو اما مقالات اطراء اخوانى واما شتم مغرض هدام . واما مقالات توجيهية اختير لها من العناوين مثل كيف يجب ان نكتب القصة ، كيف يجب ان ننقد كيف يجب ان نقرض الشعر ونحوها ، وخير من شرح النظريات تطبيقها .

س : الفكر تكافح منذ سنوات . وبصفتكم عاشرتموها ونشرت لكم وللشباب . ما هو الكسب الذي حققته فى حياتنا وحياتها .

ج : أجيبكم اولا عن الكسب الذى حققته الفكر فى حياتى الادبية الخاصة فانى ابارك عشية ساقتنى خطاى الى ناديها متأبطا مخطوطى الانف الذكر ، فوجد عملى اخيرا منفذا للظهور ، وهي مرآة تنعكس عليها حياتنا الفكرية منذ اكثر من عقد منذ بدأت بوسائلها المحدودة التى تتمثل فى التضحية والايمان والمثابرة والاعتدال واصعب الامور مباديها ، حتى شقت طريقها واصبحت مجموعتها سجلا للادب التونسى فى اطوار بينة جلية وقد حققت مكاسب عدة : أسرة أدبية وقراء اوفياء ينتظرون زادهم العقلى اول كل شهر ومراسلون تكونوا فى مدرستها بفضل ما تمدهم به من توجيهات ونصائح فى باب بريد القراء وندوتهم والردود القصيرة وقد ظهرت أقلام شابة أول ما ظهرت على صحائفها ولولاها لما ظهرت . فكم اديب ذى مقدرة وبيان لم يجد لغزله نساجا فكسر مغزله .

س : لا شك ان المرحوم مصطفى خريف ترك تراثا متنوعا شعرا ونقدا ودراسة . ماذا تنوون القيام به نحوه ؟

ج : نشره وهو : قطائف من اللطائف ونحن نمشى وأناشيد مدرسية ومجموعة امثال عامية وقاموس للدارجة وتخريجات لالفاظها وتطورها فى الفصحى ودراسات فى الشعر الفصيح والشعر الملحون ونصوص أدبية مختارة بعنوان " فصوص النصوص " ومراسلات ادبية .

س : يعرف من طالع قصصكم حرصكم الشديد على مزج القصة بالتاريخ هل توضحون للقراء مدى هذا الحرص ؟

ج : لابد لكل قصة فى حوادث ، ولابد للحوادث من ظرف زمانى وظرف مكانى وهو الهيكل الاساسى للقصة وليس للقصاص ان يستخف به بل ينبغي تناوله بتثبت ودقة واستقصاء ثم لخياله ان يرقص ما يشاء على ذلك الهيكل الصحيح ، ولم انشر مما يقال له قصة تاريخية سوى " برق الليل " وأما غيرها فهى فى عصور عشتها .

س : نصيحتكم لادباء الشباب ؟

ج : ان يطالعوا التهاما وينسوا جميع ما طالعوا وينتجوا .

اشترك في نشرتنا البريدية