جمع هذا اللقاء فى إطار المركز الثقافى الدولى بالحمامات طائفة هامة من القصاصين التونسيين بالاضافة الى أربعة كتاب من فرنسا : كلود سيمون ( Claude simon ) ، ميشال تورينى ( Miche Tournier ) ، جان بيار فاى ( J. P . Faye ) ، وجان ريستا ( Jean Ristat ) . وتغيب ميشال بيتور - الذى كان اسمه ضمن قائمة المدعوين - لسبب لم يوضح
لماذا هذا اللقاء ؟ وفى أى إطار يندرج ؟
إن الموضوع المقترح لهذا اللقاء هو : " اتجاهات حديثة للكتابة القصصية " ، وتشرح وثيقة وزعت على المشاركين أنه لقاء " متحرر " من جميع التحديدات ، وهو إذ يجمع بين كتاب تونسيين فانما يتم ذلك فى إطار التعاون بين فرنسا وتونس ، ثم إنه لنتيجة لوثوق العلاقات بين البلدين فى ميدان التبادل الثقافى والفنى
أما أن يتم لقاء مثل هذا بين كتاب من فرنسا وتونس فى نطاق التعاون فأمر معقول ومستحب ، لكن الاكثر منه معقولية ، والاوكد منه حاجة هو أن نبدأ بتنظيم الحوار بيننا وبين كتاب من سائر البلاد العربية - على الاقل من التى نتعاون معها - فيكون هذا فى مرتبة متقدمة فى الاولوية لما لنا معهم من ارتباط فى الوشائج واشتراك فى الهموم والمشاغل
يلى ذلك فى الاهمية تنظيم لقاء مع كتاب افريقيين ممن خضعوا لنفس القهر الاستعمارى الذى تعرضنا له ، وممن لا يزالون - مثلنا - فى طور المحاولات المستميتة للتخلص من رواسب الاستعمار القديم وضغوط الاستعمار الجديد مهما كان شكله ولونه
ثم لماذا لا نهتم فى مرتبة تالية بكتاب هذه المجموعة الهائلة من البشرية التى يتكون منها ما يدعى اليوم بالعالم الثالث ، فانا لنسمع عنهم خبارا جد مثيرة ، وإن لهم من التجارب المبتكرة ما لفت أنظار الكثير من نقاد وكتاب العالم المتقدم . هذا فضلا عما نشترك فيه معهم من المشاغل والضغوط ووسائل العمل ( 1 )
أى حوار مع طوائف هؤلاء الكتاب لا بد أن يكون بطبيعته خصبا وثريا ، فضلا عن الافادة والاستفادة ولعلى لا أبالغ اذا قلت أنه أولى باهتمامنا وجهودنا من لقاء مع كتاب فرنسيين يدعون " الطلائعية " وليس لهم فى الحقيقة إلا الانتمائية " لهذا التيار أو ذاك .
وإذ يكون الكتاب التونسيون - فى مرحلتهم الحاضرة على الاقل - بصدد إزاله القشور عن لباب ذواتهم ، ونضو ما علق بتفكيرهم من رواسى " الانتمائيات " المختلفة ، فليس مما يساعدهم على ذلك أن يشعرروا بعقدة الطالب أمام أستاذ يأتيهم من وراء البحر المتوسط ليمتحن مدى حذق تلميذه لما لقنه اياه من أساليب التعبير شكلا أو مضمونا .
ليس هذا ادعاء ، وإنما سمعته فى حديث خاص مع أحد القصاصين الذين حضروا لقاء الحمامات ، ثم جسمته هذه الجملة التى ألقاها لا شعوريا قصاص تونسى معروف " أثناء النقاش العلنى متوجها بها الى الضيوف : وما الذى تنصحون بترجمته من الادب التونسى ؟ " . أو لا تجسم " تنصحون هذه منتهى الاستلاب الذى خضعنا - ونخضع - له باستمرار
ما أصدق نجيب محفوظ حين يقارن بين مشاغل الكتاب العرب ومشاغل كتاب أروبا إذ يقول : " نحن نقرأ عن أزمة خلقها الاستهلاك الزائد . . أين .
نحن من هذا الاستهلاك ؟ ونقرأ عن الآثار العميقة للتكنولوجيا فى حياتها وأعصابها ( أى الحضارة الغربية ) . . أين نحن من التكنولوجيا ؟ ونقرأ عن استبداد " العقل " بها ، ونحن نعانى من استبداد الخرافة ، - ونقرأ عن معاناتها من الافراط فى الحرية ونحن لم نكد نظفر بجزء منها " .
ولكم كان واضحا هذا التباعد بين مشاغلنا ومشاغل ضيوفنا فى لقاء الحمامات ! ففى حين يقول بعض كتابنا : " الكتابة شهادة . . الكتابه وعى ومسؤولية " ويضيف آخر : " الكتابة عدوان " جاء ميشال تورنى ليعلن الكتابة بريئة " وأضاف كلود سيمون بعده لا يمكن للكاتب أن يكون شاهدا على عصره " . .
وقد لاحظت كم كان يطب أولئك المدعوون للمواضيع ذات الصبغة الايكزوتيك " كأن يستمعوا الى تجربة الكتابة عند أدبية تونسية - امرأة يا للعجب ! - ( ج . ريستا ) وكأن تعاد عليهم مطولا سيرة " الجازية الهلالية ( ج . ب . فاى ) ، أو أن يتحدث اليهم عن العلاقة بين الادب المروى والادب المكتوب ( تورنيى ) ، وكيف استطاع القصاصون فى تونس التعامل مع اللهجات الخاصة ( ج . ب . فاى ) . . .
لماذا هذا اللقاء . . الآن ؟
يأتى هذا اللقاء الآن كثمرة للعلاقات الوثيقة التى ما انفكت تربط بيننا وبين فرنسا فى ميدان " التبادل " الثقافى والفنى . ولكن حدث أننا فى نفس الوقت بدأنا نشعر بوطأة هذه العلاقات الوثيقة ، لسبب بسيط هو أنها لم تتوثق الا على حساب شخصيتنا وركام أصالتنا التى هى الرغيف المتواضع - ولكن الطريف - الذى يمكن أن نسهم به على مائدة الحضارة العالمية .
لقد ضاع مدلول المشاركة من صيغة " التبادل التى نوردها فى مثل هذه الحال . . ذلك أننا غالبا ما نكون فى موقف المفعول لا فى موقف الفاعل ، ولا تخلو مثل هذه الصفقات من غبن وحيف
فهل كنا نأمل الاستفادة من تجارب الكتاب الفرنسيين . . ونحن الذين وضعنا نتاجهم قديمه وحديثه وحتى صرنا أدرى به من بعض أبناء صلبه
وهل كنا نأمل أن يصغوا الينا ويهتموا بما لدينا . . عسى أن تسترعى انتباههم نواقيس جديدة ذات رنين طريف ؟ لا أظن فأدباء فرنسا ومثقفوها أشد خلق الله فرحا بما لديهم وهم به مكتفون ( 1 ) ولا أراهم التفتوا الى جيرانهم وذوى قرباهم أى بنى حضارتهم ذاتها - بالقدر الذى يكفى وينفع فما بالك بنتاج " جماعات " ما وراء البحار من زنج أو عرب أو غيرهم
إنى لا ألوم فى نهاية الامر الفرنسيين أن يكونوا فاعلين ، فهذا فى الحقيقة دليل على الفحولة والقدرة ، ولكنى ألوم قومى أن يرضوا بدور المتلقى والتبعية وكل الظروف تدعوهم الى التخلى عن هذا الدور المشين
رأيت فى لقاء الحمامات كيف تخلى أصحابى عن لغتهم القومية كوسيلة للحوار - هى الوحيدة على الاقل لاثبات شخصيتهم - واندمجوا يرطنون - أو يتبارون - باللغة الفرنسية ( لعل هذا لاظهار البراعة وتغطية مركب النقص الذى كانوا به يشعرون ) حتى أنى لما حاولت الادلاء بالرأى خلال المناقشات بلغة عربية ( وكنت الوحيد ) أخذت مأخذ الناشز الخارج عن المألوف والجادة ، فاختزل حديثى مرة وترجم خطأ مرة أخرى مما اضطرنى الى تصحيح بعضه ، ولم يرتح لذلك الضيوف الذين رأوا فى فعلتى هذه تمسكا بشئ ليس له من مبرر . . والحال أن إخوانا ممن حضروا لم يسلكوا الا سبيل ( الاندماج فى الجو ) أو الصمت ( جلوسا على الربوة ) . بل انى شاهدت من انسحب بعد جلسة واحدة دون أن يلفظ كلمة مع قدرته على الافصاح باللغتين .
أما أن يكون هذا اللقاء " متحررا " ودون رأى مسبق ففى هذا نظر . . أما أن تكون دعتنا الحاجة اليه . . ففى هذا نظر أكثر . . لكن الذى أود أن يبقى ويترسب من هذه التجربة التى أقدم عليها المركز الثقافى الدولى بالحمامات فهو الرغبة فى توسيع حلقة الحوار وانتقاء المخاطبين ممن لهم نفس همومنا ومشاغلنا وأدواتنا حتى يكون الهدف أقرب منالا ، والحصيلة أطرف وأبقى

