الشمس تتحرك بتردد وراء كتلات متفرقة من الحب ، كأنها تحاول عملية تحرر مشكوك فيها .
افكر فى الرجوع الى غرفتي التى استأجرها من سيدة انجليزية مسنة ساقتات بعض الشئ وارى اشيائي
صحيح أن اعز ما يملك الانسان اشياؤه الصغيرة عندما يفقد كل شئ . ولذلك يحرم السجين منها فى السجن ، نوع من التعذيب
الناس فى طريقى يسرعون فى المشي
بعضهم يضحك ويتحدث ، والبعض الآخر يفكر ويفكر وهناك اخرون يفكرون بلا مبالاة ، فيقفون من حين لآخر امام واجهة محل شد انتباههم .
الجوع يستحوذ على تفكيرى ، وتذكرت اننى لم آكل منذ يومين قضيتهما فى البحث عن العمل
ربما يموت الانسان عندما يجوع ولكن ليس عندما لا يأكل . تذكرت ان لدى بالغرفة قطعة من الجبن وتفاحة وبإمكانى ن اقوم باعداد فنجان من القهوة باللبن المجفف
ارتحت قليلا للفكرة . واصلت السير متهالكة على حذائى والارض
احمل محفظة صغيرة فيها بعض الاوراق والكتب التى بدأت قراءتها جميعها ولم اكملها .
قبيل الوصول إلى الغرفة ، لفت انتباهى منظر شاب يطوق بذراعيه كتفي حبيبته ويحكى لها اشياء
كانت هي تبتسم ناظرة اليه والسعادة تلوح في عينيهما ، رغم الضجيج من حولهما . ولاول مرة وقفت وقفة اعجاب امام هذا المشهد فى الشارع
لقد خيل الى انها لوحة رائعة . وهي كذلك عندما يحب الناس ويبتعدون عن الزيف لان البراءة تتجلى فى حركاتهم والنظرات ، وددت لو اننى اجيد الرسم
وحينما وصلت الى الغرفة ، وهممت بفتح الباب ، تذكرت اننى لا احب رسم الوجوه والاشخاص وأميل الى محاولة رسم أى شئ اخر فى الطبيعة
ولم اكن افعل ذلك من اجل عقيدة دينية خاطئة . لكنني حفظت رسم تلك اللوحة فى مخيلتى
دلفت الى الغرفة ، وجدتها شديدة الرطوبة . كان البرد فيها شديد القساوة والجو فيها كئيبا . تضاعف احساسي بوحدتى
باقة زهور جافة ليس لها رائحة ولا حياة . ولم يكن في غرفتي دفء . . دفء
احسست عندها اننى اكرهها . اكره كل ما فيها سوى صور صغيرة مددت يدى الى درج الطاولة الصغيرة لاخذها بينما كنت اضع حقيبتى قبلتها بدون وعي مني . جلست على السرير أتأملها . كنت غير قادرة على حبس دموعي . ربما كنت ابكى لان تلك الوجوه هي صور فقط لا حياة فيها . فقد كنت بحاجة الى انسان اكلمه يفهمني .
وضيعت احساسي بالجوع في خضم الذكريات والتفكير تمددت بحذائى على السرير
لست ادرى علام تذكرت اقرانى الاطفال بالمدرسة الابتدائية . كنت انذاك لا احمل هم السنين . وكانت الحياة لا تحملني بوزنى هذا ، ولم تكن تتبرم . لقد كان يشدهم الى الدفتر نقش اسمائهم على الصفحات الامامية بالاقلام الملونة ، بالحبر الجاف . كنت لا انقش اسمى على دفاترى فى المدرسة . ربما كنت ابحث عن اسمى . ثم تذكرت انه فى يوم من الايام ملتني المدينة وملت ضيقي وقلقى فقد كنت أراها ضيقة لم تحتونى .
نادتني الحدود والمدن المجهولة . ولم اكن ابالي بان تكون الحدود جبلا ، صحراء ، او بحرا لم اخطط مثل كل المسافرين لرحلتى ، فلم اخذ معلومات عن الطقس ، ولا عن مستوى المعيشة وما إذا كنت ساحب الناس هناك . كنت اذكر كلمات لاستاذ الادب في المعهد الثانوى
- السفر اكتشاف له فوائده
اجل لقد عشقت تلك المغامرة والاكتشاف وتجاوز الحدود التى وضعها الانسان غباء . وقبل السفر قررت اننى سأصنع شيئا من مغامرتي . يجب ان اخلق شيئا افتقده الآن . وتساءلت في لحظة عابثة :
ما جدوى ان يكون لى اسم سيضيع فى المدينة الكبيرة المجهولة التى سأرمى نفسى فى غربتها . هل ستحتضن قلقى وتصنع مني ما اريده ؛
لكنى عزمت على المغامرة واغتيال طاقات الخوف والعجز التى تخزنها فينا اشياء كثيرة
التقيت باسمى صدفة ، على جواز سفرى . وبعد السؤال والجواب ، وانجازات شرطة الحدود كنت على متن الطائرة
- بدأ الاقلاع مدويا كالزلزال يتخلله صوت المضيفة الرقيق الذي كان يحد من قساوته . وتذكرت اننى لم احمل حقائب . ولا هدايا ولم اكن احمل عنوانا . ربما كان الهدف اكبر من ان يحدده عنوان
استوت الطائرة افقيا . وبينما كانت المضيفة تشرح " عملية النجدة " عند الخطر ، كنت اجول بناظرى بين الفينة والأخرى على الوجوه المشدودة اليها . ولم اكن استطيع حشر نفسي في فئة معينة من المسافرين احسست بانني ابحث عن شئ لست أجده فى عيونهم
وبعد الرحلة الجوية ورحلتى في خضم الافكار والتصورات وعند الوصول و دونت كلمة فى صفحة التشرد والغربة من النوع الثاني .
لم يكن في ) انتظاري بالمطار سوى موظف الجوازات . تصورت انه سجل على دفتره وامام اسمى ) مشبوه فيه ( بعد تصفحه لجواز سفرى وأمطارى باسئلته العديدة
اعطيته عنوانا ملفقا نجحت في اختراعه بينما كنت بالطائرة . صدقه مترددا . ثم قلت له بمجاملة لم انجح فى التعبير عنها :
أنا سائحة على وجه الطبيعة ، اعشق طبيعتكم وطباعكم . سكت لحيني كانني ابحث عن شئ حفظته للمناسبة نفسها :
واطمح الى التطلع على آدابكم ومسارحكم ، وقد جئت لاقضى مدة قصيرة ارحل بعدها الى مكان آخر . فانا اعشق السفر والترحال وعدم الاستقرار في المكان الواحد عندما يكون فيه الجمود
قرات في عينيه تخوفا من ان اضيع وقته واحكى له قصة حياتى . فسكت ابتسم بخبث مستنكرا كلامي . . لم اكن احمل مالا وفيرا ، ولا حقائب ولا عناوين اصدقاء ولا اقرباء فى المدينة . وقلت فى نفسى حتى لو كنت سائحة مثلما زعمت ، فهل من المفروض ان احمل مالا كثيرا وحقائب فارغة لاحلب فيها امتعة هذه المدينة عند الرجوع . لماذا يصر شرطة الحدود على تعقيد الاشياء دائما ؟
تذكرت أحدهم في بلد آخر يقول - الامر ياتينا من فوق سألني موظف الجوازات واين ستنزلين وانت لا تحملين مالا وفيرا ؟
سانزل في هذا العنوان ، انه بيت لصديقة لى . كان ابوها من المعمرين في بلدى زمن الحرب والى الآن لا يزال يملك منزلا ريفيا هناك القرية التى آتي منها . . لقد أحب البلد كثيرا . فخيراته بلا حساب ولا تباع في الاسواق لانها تشمئز من العلب واوراق البلاستيك . علاوة على طيبة الناس و . .
وخمنت والغباء احيانا ولعله اراد ان يوقف حماسي في الكلام فسالني سؤالا ابله
- وكيف كان الناس طيبين مع اجنبى كان يستنزف خيراتهم ؟ رددت فى نفسي
استغرابك الابله يا سيدي سيزداد قطعا لو تعلم ان هذه الطيبة لا تزال تتمطط على كل هذه السنين . وعلى اشكال
وكنت أهم بالجواب لكن سرعان ما استرعى انتباهى لحين تحمس الرجل هو الآخر للكلام وقد كنت سمعت عن أهل هذا البلد البرودة ثم لاحظت فعلا انهم لا يتكلمون بالاشارات مثلنا بل يختارون كلماتهم بدقة . . لذلك لا يحتاجون الى التأكيد والقسم بالايمان . .
تكون الطيبة احيانا ايها السيد نوعا من البلاهة وخاصة عندما تكون طيبة راسخة لا تغيرها المواقف
وفكرت لحين : ومن جهة اخرى اليست الطيبة نوعا من السمو عندما تتغاضى عن نوعية الموقف ، اعنى حتى وان لم يكن الموقف يستحقها ؟ .
ثم الصدفة بل قل غباوة الناس فالاستعمار جاء على شكل حماية هكذا كان يسمى نفسه ، مما جعل حاكم البلد يوقع على الوثيقة ، وصدق اغلبية الناس لان الذى سيسوس البلد كان قد وقع وقد تعلموا ان يطيعوه اما الشعراء والحساسون من الناس فقط ظلوا ينادون بلا جواب ويتمنون " لو يملكون ثورة العواصف " حتى يصبوها على الشعب ليستيقظ من غفلته . كانت ابتسامة بلا معنى ، مثل البلهاء ، ارسلها وهو يتفحص جواز سفرى من جديد
ربما فرحت لحين ، ظنا منى انه سيأخذ ظرفى بعين الاعتبار ويسهل كل الاجراءات التى تشبه اجراءات الحساب يوم القيامة كما خيل لى . .
ولاول مرة لاحظت ان ابتسامات هؤلاء الجامدين صفراء لا طعم فيها ولا دفء
ثم تيقنت من اننا نحن من بلدان الدفء ، نحب الغريب دائما . سرعان ما نأنس للغرباء . ربما نقيس الصداقة احيانا بطول مدة الكلام مع
الشخص كان موظف المطار في تلك الاثناء يتصفح جوار سفرى ، ويقرأ اسماء المطارات المختلفة فيه ويعيد قراءتها . ثم يرفع عينيه الى وجهى من حين لآخر حتى جعلني اشك لحين ان الجواز لى ثم حدقت برهة فى جبينه جبين ذو خطوط متقاطعة اثنتها السنون . كانت تلك الخطوط تتمدد ثم تتجمع بين الفينة والاخرى حتى خيل الى وكانه يطالع فى جواز سفرى في كل جرائم الدنيا ويستنكر ولست ادرى لم تذكرت الصحيفة التى اعطتني اياها المضيفة بالطائرة والتى كنت نسيتها لان جارى فى السفر كان اخذها منى . قال :
انا مغرم بالكلمات المتقاطعة
ولما لم يجد شيئا آخر يقوله : - انها تنمي اللغة .
فقلت : انها تجعل الوقت يمر بسرعة ، او انه ليخيل الينا ذلك وندمت لنسيانها لانها تحمل في صفحاتها الثقافية قطعه شعرية لم اكمل قراءتها ونبذة عن تاريخ العرب في الاندلس . ثم كنت نسيت ايضا المجلة الفرنسية التى كانت تحمل في غلافها صورة لجماعة من المسلمين بمسجد ايراني وقد انتصبت احذيتهم امام انوفهم وهم يركعون
لم افهم هل كانوا يخافون سرقة بعضهم البعض . لانه لم يكن بالمسجد مكان للتأمين على الاحذية . وان كان غير ذلك فالامر مناف لابسط قواعد الطهارة في الاسلام . وتساءلت لحين : هل هؤلاء يصلون حقا ؟ الدين يحرف في كل بقعة من العالم . الدين يأخذ سمة الاحتفال فقط او يختفي النفاق وراء الدين عند بعضهم الآخر . ونادر جدا من يعتصم بالدين من اجل الدين
كانت هذه الافكار تعصف برأسي . وانتبهت فجأة ، فاذا بموظف المطار ما زال يتثبت من هويتي ، واحتفظ بالجواز . ثم سألنى بكل ادب ان انتظر فى الغرفة الزجاجية حتى يمكنه تفتيش حقيبتى . ابتلعت نرفزتي محاولة عدم المبالاة . وقلت لنفسى
- لا يتغلب عليك هؤلاء الا بطريقتهم المؤدبة جدا . وهذه أول عملية تحدث لك ، فلتحضرى " زادك للسفر " . .
جلست على الكرسي البارد . كانت امامي طاولة وضعت عليها حقيبتين في انتظار التفتيش . التفت من حولى ، جدران زجاجية ليس لها لون . وكان الباب مغلقا
لماذا تذكرت كل مساجين العالم ؟
سؤال اثار في نفسي ضحكا من نوع خاص ممزوج بالكآبة وملون بالخطر اللذيذ . لو خير كل مساجين العالم على قضاء مدة سجنهم وعذابهم في سجن زجاجي يمكن لهم من خلاله التطلع الى الخارج بدل السجن . المعتاد ذي الجدران غير الشفافة لاختاروا سجنهم العادي حتى لا يروا اشياء يحرمون منها ، فيزداد عذابهم . ويكون عذاب السجين اكثر لو كانت بسجنه نافذة صغيرة فى اعلى الجدار وكلما تطلع اليها وهو جالس على ارض القاعة المظلمة رأي سماء وعصافير تلوح بين الحين والآخر فى تلك البقعة من السماء . ويبتدئ عذابه فعلا عندما يقارن نفسه بتلك المخلوقات الصغيرة التى لم يستطع احد ان يسلبها الحرية
لاول مرة احسست وكانني في سجن ولم افهم شعورى الآخر آنذاك بالضبط . كان الخوف يتملكني من ناحية ، ومن ناحية اخرى كنت احس وكانني من اولئك الابطال ، كلما تطلعت من خلال الزجاج الى انهم بدورهم يتطلعون الى لكنهم ليسوا هم انفسهم
وتخيلت ان الناس من وراء الجدران الشفافة ينتظرون خروجي الذي يعنى انتصارا لحقي . تذكرت كل الآخرين الذين يسجنون فى السجون الحقيقية ظلما كفرت بكل القوانين لانها لم تغير شيئا من شراسة الانسان احيانا كثيرة . كفرت بالقوانين التى اخترعت الحدود . وتذكرت المصيبة الاولى للعرب بالاندلس التى تولدت عن ملوك الطوائف واصرارنا اليوم على تجزئة وطننا العربي . لعنت الاسباب والظروف التى دفعتني للسفر
لا ! لم يكن السفر اكتشافا وسياحة فقط كما يبدو للكثيرين . .
ثم تذكرت أبي وأمي وكيف كذبت حينما قلت لهما : ان هناك عائلة انجليزية ستستقبلني بالمطار سأسكن معها واتعلم الانقليزية وادرس اللغة الفرنسية للاطفال
اكدت انه ستقع العناية بي مثل كل الذين تبعثهم الحكومة للدراسة وليس مثل المغامرين مثلى لانني أحس أنه يذوب لو اننى لا ادخل هذه المغامرة
والتى ترسم لي عذابا واملا طموحا . . فللأمل مفعول السحر . . هو التفاؤل الايمان بالهدف . . كنت احكى معهما فى الموضوع وانا اتصور تخوفهما المشفوع بسماعهم للذين يسافرون لاجل مغامرات من نوع ثان .
وتملكنى الخوف لحين ثم لعنت تلك اللحظة . فانا لا احمل قنابل ولا كتبا محظورة ولا مناشير فقلت مواسية لنفسي : فلماذا الخوف اذن ثم فكرت قليلا : - حسنا ! صرت من الناس المشتبه فيهم ولم يكن في - نيتك في يوم ما ما يدور بخلدهم الآن ، وما يوجب كل هذه الاجراءات
لم اهرب مخدرات ولا انتمى الى عصابة ولا حزب ولا حتى جمعية رياضية ولا نسائية هل برعت وحدتى التى كنت اعيشها فى تثبيت بصمات الغرابة على وجهي وكلامي . ثم لقد كان لباسى عاديا وحتى حقيبتى وجواز سفري وحتى تسريحة شعري . ثم استرجعت بعد ذلك منلوج حديثى معه انا لم اشتم احدا ولا كان حديثي يدل على اتجاه معين اسجن من أجله هنا فى هذه الغرفة الزجاجية اللعينة التى اشتم فيها رائحة الجفاف
وبعد حوالى ساعة ونصف الساعة اتى العون مع سيدة تحمل نظارات . وجهت الى من ورائها نظرات تفتش بها فى وجهى عن سر ضيعوه ثم فتحت حقيبتى صارت تقلب اغراضى احيانا بتؤدة واحيانا اخرى بعصبية بينما وقف موظف المطار الى جانبها يراقب ما تصنعه
ولماذا تأتين بكل هذه الكتب ، اتنوين البقاء فى لندن .
فى الحقيقة لا : لكني افضل السفر دائما بصحبة كتبى واوراقى . قاطع استرسالى اللامبالى فى الحديث :
انا إن كنت في موضع السائح فانا لا احمل معى كتبا اجبته بامتعاض محاولة عدم التوتر
- صحيح ، تختلف الاذواق من شخص لآخر ولكنى لم ارتح لجوابي فاضفت : ثم لست مجبرة على ان اكون مثلك .
وعندما لاحظ ان الجواب لم يعجبه اضفت خوفا من تعقد المشكل ومحاولة ان يكون دمي خفيفا :
- هل انت تسافر دائما انك ترى يوميا المسافرين افلا تنتابك علة السفر ؟ .
نظر إلى موظف المطار بطرف عينيه موجها الى ابتسامة سخيفة ، خبيثة ، دميمة الشكل والمعنى . بينما كانت السيدة لا تزال تقلب محتوى حقيبتى وتتفحص الاشياء كانها فى سوق شعبى . لم تجد قطعا ما كانت تبحث عنه اغلقت الحقيبة بغير اعتناء والخيبة ترسم على وجهها ووجه زميلها . انهما لم يحققا بطولة كانا يحلمان بها عندما يراودهما الشك فى وجه مسافر ما .
لم يجدا شيئا غادرنا الغرفة الزجاجية . وكنت اتبع موظف المطار الذي حملته حقيبتى الى باب الخروج . ودعته بعد ان سلمني جواز سفرى وحقيبتى . شوش على شعورى بالانتصار حينما قال :
- احرصي في المرة القادمة ان تحمل معك مالا وفيرا ، لقضاء عطلتك هنا ولذلك اعطينا مدة وجيزة لتقضيها فى هذا البلد الذى ترتفع تكاليف المعيشة فيه بسرعة
واصلت طريقي ، افكر ، المال تكاليف العيش ، الهى ! اين اهرب من هذا الجحيم ؟
وعند الوصول الى بهو اللقاء والتوديع ، كنت تخلصت قليلا من أفكارى
عيون مشدودة الى باب الخروج . عيون تضحك للقاء واخرى تبكى لفراق ، واخرى مشدودة الى الباب يلعب فيها القلق ويعذب الانتظار يترك ذلك الرجل لا ينفك جيئة وذهابا . لماذا تأخرت التى ينتظر ، هل أتت ؟ هل لم تأت ؟ هل غيرت فكرتها ؟ لقد وعدتني من سنين وكانت صادقة . وتتصادم الافكار وتلعب بقله . ويقبل فى الآونة الواحدة على ألف استعداد وقرار . كان يبرق الى بعينيه كان يسأل اعوان المطار . كان يبكى كان لا يبكى
يصبر عذاب قلق . الدوامة التى لا نهاية لها ولا بداية . القلق . ثانية تقدر بمائة سنة . لم ينته زمن العذابات ، وفي قلبه دقات تتصارع كانها تنافس بعضها البعض ، ويسرع هو للقاء جهنمى .
هى لا تعرفه . . لم يكن ينتظرها كان ينتظر أخرى . خرجت من مبنى المطار وغابت وسط الناس الذين يسرعون فى اتجاه القطار الذي يحملهم الى لندن
هناك من ينتظرهم . .
وهناك آخرون تنتظرهم الغربة واللون القاتم لكن المغامرة تصنع الوانا
كنت قصصت حكاية اجراءات المطار لزميل عربي فقال : مادا تقولين في مثل هذه الاجراءات التى يتعرض لها عرب وهم يزورون بلدا عربيا
وبيني وبين الماساة كانت الغربة تحتضننى ووحدتى بغير دفء
وكانت قطرات المطر تدق على زجاج نافذتى ، تؤكد لى ان الفصل شتاء قاس
قمت الى سخان الماء ، ومددت يدى الى علبة اللبن المجفف وعلبة القهوة أخذت منها ملعقتين وتبعتهما بملعقتين سكرا فى انتظار ان يسخن الماء كنت اسكب الماء في الفنحان بحركة بطيئة بينما يشرد خيالي بعيدا بحثا عن جواب لهذا الوضع الذى اغرق فيه
وفجأة سمعت طرقات على الباب فاتجهت بسرعة اليه لافتحه

