أنا مشعل . . أنا مارد جبار لا الريح تخمدنى ، ولا الإعصار
سأمد في الآفاق ألسنة اللظى حُمْرًا لها في الخافقين أُوار
ذلك هو صوت الشاعر يوسف الخطيب الذى أطلعته على ساحة النضال العربى ، قرية دورا الخليل الفلسطينية ، التي تقاتل الاحتلال الصهيونى بما تبقى فيها من بيوت تتناقص بالنسف والتدمير يومًا بعد آخر.
عرفته الساحة العربية شاعرًا ، ومناضلاً في الفترة التي أعقبت النكبة 1948 وتشرد في المدن العربية ، ونُفي منها ، حتى دفعته إجراءات النفي في مرحلة من المراحل إلى البلاد الأجنبيىة حيث عاش مرارة النفي في هولندا عاد بعدها وهو يتفجر شوقًا وحنينًا إلى وطنه العربي الذي حمله معه في منفاه ، آلامًا وآمالاً تتفحر في قصائده التي تمثلتها جماهير الأمة الفقيرة والمضطهدة والمجزأة في كل نضالاتها عبر كل الانتفاضات التي شملت ساحة المشرق منذ مطالع الخمسينات . .
كان لقاؤنا في دار فلسطين بدمشق حيث اتخذ يوسف من هذه الدار منطلقًا لتعريف المواطن العربي ، والرأي العام العالمي بالقضية الفلسطينية ، حيث أصدر المذكرة الفلسطينية ، بعدة لغات أجنبية ، كما أصدر ديوان الوطن المحتل ، وسلسلة أخرى من النشرات التي تحمل في صفحاتها قدرة على التعريف بالقضية تاريخًا ، وحاضرًا ، ومستقبلاً من خلال فهم وطني صلب . . ويوسف اليوم هو نائب الأمين العام لاتحاد الكُتّاب والصحفيين الفلسطينيين.
وقبل أن أطرح أسئلتي ، قررت أن أبدأ من اليوم ، وهكذا كان . - ماذا لديك من المخطوطات ، بعد المطبوع ؟ .
- الحقيقة ، أنه ، يتوفر لدي ، العديد من المخطوطات التي ما زالت ، منذ مدد متراوحة ، بانتظار النشر ، منها ما هو سياسي محض ، ينصب على الجانب الثقافي ، أو الإعلامي من القضية الفلسطينية ، ومنها ما هو قصصي ، كرواية لؤلؤة الدم ، التي فرغت من وضعها ، منذ أكثر من عشر سنوات، ولكني لم أنشرها حتى الآن ، ومنها أيضًا - وهذا هو محرك سؤالك على ما أعتقد - ما هو شعري يُغطي قرابة ثلاثة دواوين ، ويتضمن كافة القصائد التي نظمتها ، منذ سنة 1964 حتى الآن.
- عندما نعود الى إنتاجك المطبوع . . ما هى انطباعاتك ؟ .
- أعتقد ، أنه مهما يحاول الشاعر ، أن يكون موضوعيًّا في مواجهة مثل هذا السؤال فلا شك ، أن العامل الشخصي يبقى له وزنه ، وتأثيره الكبير، وهكذا فإن انطباعي ، عن إنتاجي القديم ، هو دون نرجسية ولا مباهاة، انطباع الرضا ، والاكتفاء ، خاصة إذا نظرنا إلى كل قصيدة من قصائدي الماضية ضمن إطارها الزمني ، والنفسي ، والسياسي الذي نُظمت فيه على إنني ، في الحقيقة ، كنت أتمنى أن أتناول موضوعات عديدة أخرى ، كم أندم الآن على أننى لم أتناولها في حينها ، وباستثناء ذلك فأنا راضٍ عما نظمت.
- ما هو المقياس الذي يحكم المقارنة بين إنتاج الماضى وإنتاج الراهن؟
- هنالك لا شك ، أكثر من مقياس واحد ، يمكنه أن يحكم مثل هذه المقارنة ، فالمقياس السياسي ، أو الوطني بصفة عامة ، يختلف اختلافًا نوعيًّا عن المقياس الفني المحض ، وعلى أية حال ، فإنني أحس من جهة أولى أن الخمسينات ، وأوائل الستينات من هذا القرن قد كان في استطاعتها ، بحكم معطياتها الثورية ، أن تمنح الشاعر ، أو الأديب عامة ، شحنة قوية ، من التفاؤل والبِشْر ، والإشراق ، بينما ، السنوات التى أعقبت كارثة حزيران قد كانت بالنسبة لكثيرين من أدبائنا العرب ، أشبه بالصدمة الصاعقة . تلك الصدمة ، التى شلت أقلام الكثيرين ، أو جردتهم من الايمان، والشعور بالكرامة ، فإذا بهم ، أكثر انهيارًا وتخاذلاً ، ويأسًا ، حتى من الإنسان العربي العادي رغم ما يفترض فيهم أنهم الطليعة ، وأنهم القيادة وأنهم أنبياء الأمة الصغار.
وأما من الجهة الثانية ، أي من ناحية تحكيم المقياس الفني المحض ، فلا شك ، أن حركة الشعر العربي المعاصر قد سجَّلتْ ، لنفسها ، مكتسباتٍ
فننية جديدة تتفاوت بين أقصى حدود الروعة والإبداع ، وأقصى حدود الابتذال والإسفاف . ومن هنا في اعتقادي يتعين على شعراء الصنف الأول العرب ، أن يكونوا أكثر سيطرة على حركة تطوير الشعر المعاصر ، أو تثويره على الأصح ، إننا في الحقيقة ، بأمس الحاجة ، إلى عملية فرز هائلة تطرد الغثاء ، والزبد ، وسائر الأوشاب الأخرى التي علقت بمجرى الحركة الشعرية ، كطحالب طفيلية ، تكاد أحيانًا ، أن تطمس وجهها المشرق الحقيقي.
- متى تعتقد أنك اجتزت الصيغة التقليدية في الشعر ؟ .
- أظن يا أخي خالد ، أنني لم أجتز ، أو لم أتجاوز تلك الصيغة التقليدية فى الشعر ، قدر ما حاولت في حقيقة الأمر ، أن أطور تلك الصيغة ، (في بعض قصائدي لا في كلها) وأن أستحضرها ، من مضارب البدو الجاهلية ، أو من على أبواب أمراء المؤمنين لأمنحها الحياة والحضور في عصرنا الراهن بكل ما تنطوى عليه كلمة العصرية ، وإنما يفرض عليَّ الصيغة التقليدية دون غيرها في بعض الأحيان المضمون الشعري نفسه ، خاصة حين يكون مضمونًا قوميًّا ، يتعلق بالقوم بالأمة ، وبالتاريخ ، بالماضي ، ففي مثل هذه الحالة لا أستطيع أن أطرق موضوعي في معزل عن جذوره العميقة ، الضارية في أعماق مئات السنين ، بما في ذلك الشكل الفني نفسه .
وأما خارج هذا النطاق ، فإنني أعتقد أن شكل القصيدة عندي ، هو شكل كامل الجدة ، والابتكار ولا أدري ، إن كان من حسن الحظ أو من سوئه أنني لا أتفاعل كثيرًا مع معظم زملائي الشعراء المعاصرين في أساليب ابتكارهم لمثل هذا الشكل الفني الجديد ، أي بكلمات أخرى ، أعتقد ، أنني مستقل استقلالاً تامًّا ، بشكل قصائدي الجديد ، عن أيما شكل جديد آخر ، يكاد أن يعتمده معظم الشعراء المعاصرين بأسلوب المشاركة ، والتفاعل فيما بينهم.
- ضمن هذا المفهوم ، ألا تعتقد أن هناك اتجاهاتٍ تخريبية في حركة الشعر الحديث ؟ وهل يمكن تحديد بعض سماتها ، ودوافعها ؟
- وكيف لا أعتقد ذلك ، وفي كل يوم ، تقدم لنا المطبعة العربية ، عشرات النماذج ، والبراهين ، على مثل ، هذه المحاولة التخريبية ، ولكنني أريد أن أقول لك بصراحة ، وبثقة تامة ، إنني ، بارد الأعصاب جدًّا تجاه هذه المشكلة لأنها ، قضية مزيفة وخاسرة سلفًا ، وربما كانت هي بالذات ، ما سبق أن سميته لك في سياق هذه المقابلة بالغثاء ، والزَّيد ، والأوشاب ، والطحالب
العالقة بحركة الشعر العربي المعاصر ، والتي لا شك أنَّ مآلها إلى زوال.
وأما فيما يتعلق بالشطر الثاني من السؤال ، فأنت تعلم ، وأنا أعلم ، وربما يعلم أيضًا حتى إنسانُنا العربي العادي أنّ هناك محاولاتٍ عالمية ، تتوازَى في اتجاه هدف واحد هو تفسيخ الرابطة القومية العربية ، وبالتالي ، الحيلولة دون أية وحدة ممكنة عبر أوصال هذه الأمة وذلك عن طريق تقويض أقوى وأعتى المقومات التي ترتكز إليها تلك الرابطة ، ألا وهي التراث الروحي من أدب وشعر وتاريخ ولغة.
فهذا هو في اعتقادي ، الدافع الأساسي المحرك ، لجميع تلك المحاولات التخريبة ، وهو دافع يفتقر إلى الصلابة لأنه يبقى عاملاً خارجيًّا يمسُّ القشرة والسطح فقط ، وليس عاملاً عربيًّا ذاتيًّا ، يعمل أو ينخُر أو يُخرّب من الداخل.
- كيف تفسر انجراف بعض شعرائنا العرب ، المناضلين سابقًا في هذه المؤامرة التي تمتد من السياسة إلى الأدب ؟ .
- أعتقد أنه هاهنا بالذات يقع الامتحان الصعب والاختبار الكبير لأصالة الشاعر العربي ، من زيفه وسطحيته ، إذ بمقدار ما يتماسك أمام مثل هذه التيارات ، بمقدار ما يعبر عن أصالته والتزامه بينما ألاحظ معك يا أخي خالد ، أن هناك بعض الشعراء العرب المعاصرين الذين كانت قرائحهم تَعِدُ بعطاءات كثيرة ، ولكنهم ما إن وقعوا تحت أضواء المسرح - مسرح الشهرة ، والصحافة ، والصالونات الأدبية - حتى وقعوا أيضًا في الشَّرك المنصوب لهم لإجهاضهم ، وإفلاسهم ، وهم ما يزالون بعد في أول الطريق.
إن تلك كما ترى ، هي قضية نفسية ، أكثر منها قضية أدبية. - أين يقف الشعراء الفلسطينيون في حركة الشعر العربي المعاصر ؟
- إنهم بتواضع جم ، ودون أية نرجسية أو مغالاة يقفون في طليعة الحركة الشعرية العربية المعاصرة وفي أيديهم زمام قيادتها ، واستشراف آفاقها ، وتحديد ملامحها العامة ، ربما الى أمد بعيد ، صحيح أن شعراء القُطْر المصري ، قد كانت لهم الريادة والقيادة ، فى ثلاثينات هذا القرن ، وصحيح أيضًا أن الشعلة سرعان ما انتقلت إلى أيدي الشعراء العراقيين منذ الأربعينات ومطالع الخمسينات ، ولكن ما إن وقعت نكبة عام 1948 وتخمّرت بضع
سنوات ، في قرائح هؤلاء الشعراء من أبناء النكبة ، حتى قدَّموا لهذه الأمة ولتراثها الشعري ، إضافات جديدة احتلوا معها موقع الطليعة المتقدم في حياتنا الأدبية المعاصرة.
- ما رأيك في ملامح الردة الفلسطينية في إنتاج بعض هؤلاء الشعراء ؟ .
- لاشك أنك تعلم الكثير عن تلك الدعوة الإقليمية الخبيثة التي عملت فى الماضي، وتعمل في الحاضر ، على تحجيم القضية الفلسطينية بحجم ترابها، وفي حدود أصحابها وعزلها بالتالي ، عن موقع القلب تمامًا من القضية العربية الواحدة ، نحن ضد تلك الردة ، وضد أولئك المرتدين وإذا كنا فلسطينيين حقًّا ، فينبغي أن نكون عربًا حقيقيين ذلك بأن صراعنا العربي الصهيوني هو في جوهره ، صراع قومي بين أمة المائة مليون من جهة ، وبين الحركة الصهيونية العالمية من الجهة المقابلة في تحالفها غير المقدس مع الإمبريالية العالمية .
فعلى هذا الأساس ، تعتبر كل دعوة إلى أقلمة القضية الفلسطينية سواء على مستوى السياسة أو الأدب أو الفكر ، دعوة تخريبية تقع في نطاق الثورة المضادة .
- هل يمكن تسمية الآباء المعنويين للشعراء الفلسطينيين المعاصرين فلسطينيًّا وعربيًّا ؟ .
- أعتقد ، أن أب الشاعر الفلسطيني المعاصر ، وأمه وأجداده أيضًا ، يمكن تلخيصهم جميعًا ، في القضية الفلسطينية نفسها ، وفي نكبة عام 1948 بوجه خاص فهذه بالذات هي التى أنجبت الشاعر الفلسطيني وهي التي غذَّته بلبنها وهي أيضًا التي أثرت فيه ، وفجّرت قريحته ، ورسمتْ مساره الشعري أكثر من أيما مؤثّر خارجي آخر.
صحيح جدًا ، أننا قرأنا شوقي وأُعجبنا بأبى القاسم الشابي ، وتذوقنا بعض الأعمال الرومانتيكية لشعراء لبنان ، واطَّلعنا على اكتشافات السياب الجديدة والرائعة في الشعر العربي المعاصر ، ولكن أحدًا من هؤلاء جميعًا لا يمكن اعتباره بمثابة الأب المعنوي لأيما شاعر فلسطيني على الإطلاق ، لأن هذا الشاعر الأخير ، وُلِدَ وحده ، وقاتلَ وحده، ويموت وحده ، ويُبعث وحده .
- لو سألتك عن تجربتك الشعرية فماذا تقول ؟
ــ بهذا السؤال أخي خالد ، وضعتني أمام مفترق طريقين صعب ، فأنا من جهة أولى لا أستطيع أن أستفيض في التحدث عن تجربتي الشعرية بما يفيها حقها ، وحتى لو استطعت ذلك ، فمجال هذه المقالة غير متسع لمثل هذا الغرض ؛ ومن جهة ثانية لا أستطيع أن أتحدث عن هذه التجربة بلغة الرموز والإشارات البرقية الخاطفة ، ولكن ما أود أن أقوله على الحالين هو أنني، أدين ببداياتي الشعرية الأولى إلى مسقط رأسي تلك القرية الجبلية ، دُورا الخليل التي منحتني أوتاري البدائية الأولى ؛ ومن ثَمّ داهمت نكبة عام 1948 جيلنا ، وهو في مطلع شبابه فكان من شأنها أن صقلت تجربتي الشعرية ، وتكفّلت بكل إنتاجي اللاحق.
- هل يمكن تقسيم تجربتك الشعرية إلى مراحل ؟ - نعم يمكن ذلك ، بالمطابقة إلى حد كبير مع المراحل السياسية والاجتماعية نفسها التي أعقبت النكبة.
ففي المرحلة الأولى كان معظم إنتاجي ، يتفجر بالألم والحزن والحنين أو الغضب ، تعبيرًا عن انفعالات ما بعد النكبة مباشرة ، ثم في المرحلة الثانية التي اتسمت بفورة قومية عارمة ، وتُوِّجت بالوحدة ما بين سورية ومصر عام 1958 غدوتُ أكثر ميلاً ، إلى القصيدة الخطابية ، الصارخة كبوق نُحاسي ، غير جافل كثيرًا بالقيمة الفنية في ذاتها ، قدر اهتمامي بمخاطبة الجماهير جماهير المظاهرة ، جماهير الشارع - جماهير المستمعين من خلال ثماني إذاعات عربية عملت فيها ، ثم في مرحلة ثالثة تبتدئ اعتبارا من سنة 1961 وجدت اسمي مُدرجًا على القائمة السوداء في ستة أقطار عربية لا داعي لذكرها في هذا السباق مما طبع قصائدي بنوع من الأسى الشاعري العميق الهادئ على السطح ، والهائج في الأعماق لدرجة أنني تساءلت في إحدى تلك القصائد:
وأنا الذي وطني ارتحال الشمس ملء الأرض لكني بلا وطن منْ ذا يُصدّقني ؟ - من أنت ؟ - من عرب الخليل - وعم تبحث ؟ - عن ثرى حر وعن سكن - هلا أقمت هنا ؟
- أقمت هنا - فما يشقيك ؟ - هَمّ ليس يبرحني - ما ذاك ؟ - جرح الروح في اللطرون - لم أفهم عذابك - كيف تفهمني ؟ وأنا الذى وطني ارتحال الشمس لكني بلا وطن
ثم هنالك بطبيعة الحال مرحلة رابعة وأخيرة هي التي أعقبت كارثة1967 وهي التي كانت لى بمثابة الصدمة الموقظة أكثر منها صدمة قاتلة أو مدمرة شأن عديدين من زملائي الشعراء الذين اتخذوا من هذه الكارثة برهانًا على اندحار الأمة العربية نهائيًّا من ساحة التاريخ وعلى أن المجتمع اليهودي الصهيوني استمتع بفضائل حضارية متأصلة فيه في مقابل رذائل متأصلة في مجتمعنا العربي ، كلا إن على وجدان الشاعر في مواجهة هذه الحالة أن يهتز بعنف ، وأن يستيقظ ، وأن تتماسك شخصية الشاعر العربي في مواجهة الكارثة ليكون أهلاً لدوره القيادي الطليعي في تماسك الشخصية العربية نفسها أمام هذا الامتحان التاريخي الخطير ، وهذا ما أعتقد أنه طَبَعَ قصائدي الأخيرة منذ حرب حزيران حتى الآن.

