الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

لقاء مع الشاعر الفلسطيني الشعبي ، " أبو الصادق "

Share

بإحدى يديه يمسك بندقيته وعلى كتفه يحمل بيته ، وفي المخيلة يرسم صورة أرضه التي يعبث بها الغاصبون . . ثم ينفض عن كاهله كابوس الذكريات الأليمة التي عاشها قبل أن يأخذ سلاحه ويفجر ثورته . . .

الإنسان الفلسطيني ، بمفرده يخلق كل جوانب حياته ويرسم صورة شعبه ، وينتزع ملامح وطنه .. وهو في نفس الوقت يسهم في صنع المستقبل الشريف وذلك كلما ضغط على الزناد وكلما نزفت دماؤه على طريق التحرير .

هذا الإنسان المعذب الثائر له تراثه المجيد وتاريخه المشرف ، وله كذلك فنونه وآدابه كشعب عريق . ولكنه لا يستطيع أن يقول كلمته أو يعزف واحدًا من ألحانه دونما التفات إلى كل الجهات ودونما ضغط على الزناد .

إنه لا يستطيع أن يستغرق في أحلامه ، فأصوات الرصاص ، والطعنات المتتابعة من الأمام ومن الخلف ، لا تسمح لحلمه أن يطول .

الإنسان الفلسطيني لأجل هذا لابد له أن يقول كلمته ويطلق الرصاص في وقت واحد ، وعليه فإن الاحتلال المؤقت للأرض لن يعني شيئًا بالنسبة لشعبنا الفلسطيني طالما بقي متميز الشخصية له قيمه وعاداته وطالما استمر في نضاله من أجل مبادئه وأهدافه .

والفولكلور الشعبي هو أحد السمات الهامة المميزة لشخصية شعب من الشعوب ..

ولذا فهو ينظم شعره باللغة العامية ، يتحدث عن الاغنيات الفلسطينية ويردد الحكايا الشعبية التي كان يسمعها قبل أن يغادر الوطن ، ويقول الأمثال التي اعتاد أن يحتكم إليها الناس ..

هكذا قال الشاعر " أبو الصادق " وهو يجيب عن أسئلة حول شعره وحول نظرته لمستقبل الثورة الفلسطيني

س : منذ متى بدأت تنظم الشعر ؟ ج : إنني لا أنظم الشعر . إنني عندما أطلع بقصيدة فإنما أكون إنسانًا آخر ولاشك أن وحيًا يرسم أمام مخيلتي كل الكلمات ، ذلك الوحي هو آلامي وآمالي خلال مسيرة من العذاب بدأتْ عندما غادرت وطني وحتى اليوم .

بعيد سنة النكبة كانت لي محاولات في مجال الشعر لاسيما وإنّ والدي وجَدّي شاعران أيضًا ، واستمرت محاولاتي إلى أن بدأت في أوائل الخمسينات مرحلة استطعت معها التعبير بصدق ووضوح عن كل ما كنت أعانيه وما أطمح إليه، واستعمل الشاعر هنا عبارة " الألم الثوري " في معرض الحديث عن نفسه وشعره وواقعه ..

س : ماذا تقصد بالألم الثوري ؟ ج : ربما تقسو ظروف الإنسان فتفوق قدرته على الاحتمال . . هناك من يحس بالألم مستسلمًا لتلك الظروف ، وهناك من يعاني وهو يحمل بيده شعار الأمل وراية الطموح والإرادة وهكذا يتألم الثائر ...

س : ما هي المراحل التي تطور خلالها شعرك ؟ ج : كانت قصائدي تعكس واقع الإنسان الفلسطيني وهي بالتالي اختلفت باختلافه .

في الخمسينات وأوائل الستينات وعندما علم الإنسان الفلسطيني يقينًا أن مسيرة عذابه طويلة وأن التشرد والغربة والمخيم صارت قدره ، في تلك الآونة نظمت قصائد الحنين والشوق ، ولكن وأنا أنظر من خلال الألم إلى مستقبل بإمكان الفلسطيني خلقه . ومن قصائدي في هذا المجال :

ما حد

يا دارنا ما حد من ريحة الأحباب

مرق ودق الباب

ما حد

نادى من الجيران يا فلان

ولا النسيم يا دار رجع أغانينا

ما حد

يا دارنا ما حد زار الديوان عنّا

واللاسأل عنا

إلى أن أقول

ما بسألك لكن بقول يا دار

مشوارنا مشوار

من نار وبارود محدود قدام ه الثوار

س : هل اتجهت في كتابتك ، للشعر الشعبي بالمصادفة ومن خلال ظروف معينة ؟ وما مدى قناعتك بمزايا هذا النوع من الشعر ؟

ج : لا شك أن للمصادفة أثرها في خلق الإنسان وهذا ما حدث بالنسبة لي فقد كنت تعودت اقتفاء أثر الأرض والوطن والأهل من خلال الحكايا الشعبية والأمثال و الأغنيات . وصرت بالتالي أترجم عواطفي باللغة ذاتها .

لكن المصادفة لم تكن لها أكثر من أهمية البدء لا غير ، أما الاستمرارية فقد عادت لإيماني بجدوى وفعالية هذا النوع من الأدب ، وعلى الأخصّ بالنسبة للإنسان الفلسطيني المغترب عن أرضه وأهله ..

إن العدو الصهيوني يحاول جاهدًا طمس تراثنا أو نسبه إليه في غالب الأحيان ، كخطوة غايتها في نهاية المطاف تمزيق هوية الشعب الفلسطيني ، ولما كان التراث من أبرز معالم شخصية شعب من الشعوب فلا بد للشعب الفلسطيني من إحيائه والحفاظ عليه .

وقد حرصت في معظم قصائدي على إبراز الملامح الشعبية الفلسطينية والتحدث عن العادات الفلسطينية.

يا ما الوتر قسم عتاباً وأوف

يا ما الهوى نسم على القطوف

يا ما نجوم الليل زارتني

دقت ع شباكي ونادتني

قوم يا غريب واسمع

قوم يا غريب وشوف

اسمع مواويل أرضك الخضرا

اللى الجراد لسه فوقها يطوف

وقبل انطلاقة الثورة وفي ظروف قاسية عاشها الإنسان الفلسطيني آمنًا معها أن الكفاح المسلح طريقه الوحيد لاسترداد كرامته وأرضه .

في تلك الآونة وقبيل انطلاق الرصاصة الأولى في كفاحنا المسلح . ساهمت في التبشير ، وكنت بذلك لسان حال الجماهير التي تنتظر بلهفة سماع أزيز الطلقات ..

ابتسامة للي يا ما قلبه دمع

للي دق الحزن صدره

للي تاه

للي دور في جروح الأرض

عن عرق الحياة

ابتسامة للغبار اللي فيه ريحة بلادي

للشهيد

اللي غابت بين ضلوعه الخضرا غابه

من بنادق

من سناكي

وارتعش بالدم صوته يا بلادي

واللي في زنزاته كان يمضغ لسانه

وما اعترف

واللي من قلبه حلف

إنه يرسم من دماه لوحة شرف .

وفي اليوم الأول لعام خمس وستين ، انطلق الفلسطيني ثائرًا وكانت بداية كفاحه المسلح .. وتغيرت كل الموازين ، واندثرت آلام هذا المشرد فيما عدا بقايا كانت تدفعه للضغط على زناد بندقيته بإصرار وتصميم . . .

س : ماذا أضافت الثورة المسلحة إلى شعرك وما هو تأثيرها عليه وبالتالي عليك كإنسان فلسطيني ؟

ج : في الثورة الفلسطينية اكتشفت نفسي بعد سنوات من العدم والضياع ، وبدأت هذه المرة أتحدث بلا مرارة ، بدأت أكتب وأنظم على أصداء الطلقات ،

صرت أقول كلمتي وأنا واثق من أن العالم يستمع إليها بإجلال فأنا اليوم أتحدث وأقلب الحقائق التي حاولتْ طمس كرامتي وإضاعة حقي ...

من قصائدي بعد الثورة :

يا مشاوير الكرامة مرحبا

يا جبال النار يا ثورة مرحبا

فتح مرت من هنا مرحبا

ومن هنا ومن هنا

تزرع الأرض بكماين من فنا

وبعد التحاقي في صفوف المقاتلين لم يعد الشعر بالنسبة لي أكثر من الإشارة إلى موقعي وأنا أقاتل

فوق التل تحت التل

اسأل عنا الريح تندل

وفي أيلول الأسود طُعِنَ الثائر الفلسطيني من الخلف وعاودني الإحساس بالألم . بعد أيلول كتبت هذه القصيدة :

يومها انقتل يابا الملازم رعد

انطخ يا با في الظهر

وايد الغدر إيد أخ

بعد ما نسفنا الجسر انطخ

بعد ما عدينا النهر انطخ

كان الفشك غربي

والإصبع اللي داس على الزناد عربي

س : تحاول بعض الجهات إيهامنا بحتمية الحلول الاستسلامية وبلا جدوى الكفاح الفلسطيني المسلح فما هو رأيك في هذا المجال ؟

ج : إنني متفائل دائمًا ، فجيل الثورة شلال لا ينقطع مهما وُضِعت في طريقه الحجارة والأقذار، ومهما مرت الثورة بالأزمة فسأظل أُردّد:

طل سلاحي من جراحي

يا ثورتنا طل سلاحي

ولا يمكن قوة في الدنيا تنزع من إيدي سلاحي

دربي مرّ ودربك مُرّ

ادعس فوق ضُلوعى ومُرّ

س : يقول كثير من النقاد ، إن قراءة الأدب وفهمه يستلزمان مستوى مُعينًا من الثقافة والإدراك . وإن بساطة العبارات وسهولة طرح الأفكار تفقد الأدب أهميته وإمتاعه . والحجة في ذلك أن على القارئ بذل جهده لتفهم ما يقرأ .

ما هي علاقة هذا القول بشعرك الشعبي ؟

ج : عندما يكون الأدب وسيلة فنحن مطالَبون باستعماله بأمانة للوصول إلى الغاية المرجوة .

أن يكون الأدب مجالاً للمتعة ولوجهات النظر، وأن يكون مجالاً ليكتشف الإنسان نفسه من خلاله . فهذا لاشك في موضوعيته ، ولكن الانسان الفلسطيني المشرد المضطهد الذي لا هوية له غير بندقيته ، ليس بإمكانه جعل الفن أو الأدب غاية بحد ذاته ، إنَّ عليه من خلال لغة الفن والادب أن يساهم في توضيح معالم الطريق . عليه من خلال هذه اللغة أن يحدث بوضوح ودقة وببساطة حتى يساعد أبناء شعبه على فهم واقعهم وتأدية دورهم .

إن الشعر الشعبى ببساطته قد لا يشبع نَهَمَ الإنسان المثقف ، لكنه يفهمه وبالتالي يفهم الإنسان العادي والشعر الشعبي الفلسطيني إنما هو وسيلة هامة للحفاظ على معالم الشخصية الفلسطينية ولابد من محافظتنا على صدقه وواقعيته . . ولهذا فأنا احدث أبناء شعبى الفلسطيني والعربى عامة بهذه اللغة وانظم الشعر الشعبى

اشترك في نشرتنا البريدية