س : هل تؤمن بالأشكال القصصية الجديدة ، وكيف ؟ ج : الايمان كلمة كبيرة ، ولكنى أقول : أحترم الأشكال القصصية الجديدة فى محاولتها ، وبحثها عن صيغ فنية جديدة للأفكار ، أحترمها فى صدقها ، فى توقها الى الأجمل ، والأوفق ، والأروع ، أعطيك مثلا قصص محمد صالح الجابرى ، إنها مثل يحتذى فى هذا المضمار ، سواء فى مجموعته " إنه الخريف يا حبيبتى " ، أو فى قصصه المنشورة هنا وهناك . . فى مجلة " قصص" ، و " الفكر " وفى " العمل الثقافى "
تعجبنى كذلك محاولات حسن نصر الطيبة ، وخاصة منها الكلاسيكية بكلام آخر : المرحلة الاولى التى كتب فيها " حسن نصر " مجموعته " ليالي المطر " ، وقصصه الدقائقية ، هى أحسن بكثير من المرحلة الثانية التى أخرج فيها تجارب " اللاقصة " ، سمير العيادى فيه مآخذ ورغم ذلك فان له أسلوبا طيبا ، وامكانات فنية نأمل أن يوجهها الى الأحسن والأوضح . هذه أمثلة ، والتفصيل فيها قد يكون فى غير هذا المقام
س : ما هو فى رأيك دور القصاص فى المجتمع الحديث ؟ ج : هو دور تكاملى ، ففى بناء هذا المجتمع ، يأتى دور القصاص بمثابة حجر الزاوية ، إنه المنطق ، عليه مسؤولية توعية شعبه ، وتثقيفه ، دور القصاص فى المجتمع الحديث هو دور ريادى ما فى ذلك شك ! إنه على كثير من العقول " المعلبة " أن تنزع عنها الزيف ، ومركبات النقص وتواجه مصائرها بشجاعة ، فى المجتمعات المتقدمة يحترمون الأديب - الاحترام الملموس - ويضمنون له سبل العيش الكريم ، ولكن عالمنا الثالث ما زال فى النوم والتناوم يسبح ، وعندى ان مجتمعا لا يقدر طاقاته الابداعية حق قدرها ، هو مجتمع ناقص ، مبتور ، يحتاج الى عملية جراحية تعيد اليه توازنه
س : ما هى اللغة التى يجب أن تكتب بها القصة ، لتبليغ النقد الاجتماعى للقارئ ؟ ج : هى اللغة التى يفهمها الناس ( ليس كل الناس بطبيعة الحال ، ولكن قسما كبيرا منهم فى أقل الظروف ) إنى افضل لغة سهلة ميسورة ،لا صعبة ، حوشية التراكيب ، إنى مع من يكتب بصدق ، وبوضوح ! قد نتعرض الى قضية ازدواجية اللغة ، ولكنها واجهة اخرى للموضوع الفنان منها برئ ، وعلى مكاتب " رفع الأمية " أن تنشط اكثر من اللازم ، حتى تتفادى انفصاما خطيرا جدا فى علاقتنا بالجمهور البسيط جدا !
س : هل فى تونس مدرسة قصصية ، وما هى جذورها ؟ ج : بل ! لنا فى تونس مدرسة قصصية لها جذورها الضاربة فى أعماق التاريخ ، هذه الجذور ترجع الى ألف ليلة وليلة ، وقد كتب فى هذا الاطار عز الدين المدنى ، وصالح الجابرى ، وغيرهما ، الجذور التاريخية
تعود الى العصر العباسى وقد كتب فيه كذلك : عز الدين المدنى مسرحيته " الزنج " ( وإن كانت الغاية حديثة ) ، الجذور التاريخية تعود الى اللغة العربية الى الاسلام ، الى القومية العربية وانطلاقا من هذه الجذور يكتب المدنى ، والجابرى ، وبن سلامة ، ونصر ، والدردورى الخ . الخ . " إذن ، لنا فى تونس مدرسة قصصية بأتم معنى الكلمة أوضح معالمها المعاصرة : على الدوعاجى ( مجموعة : سهرت منه الليالى) ، البشير خريف ( الدفلة فى عراجينها ، ومشموم الفل ) ، ثم مصطفى الفارسى ( القنطرة هي الحياة ، والمنعرج ) ، وصالح الجابرى ( إنه الخريف يا حبيبتى ) ، وعز الدين المدنى ( خرافات ) ، وكذلك سمير العيادى ( صخب الصمت ) ، ثم عبد القادر الدردورى فى مجموعة من القصص منشورة فى العمل الثقافى التونسى مثل : ( ثرثرة تجريبية ، ولوحات من قريتى ، وملاكم جديد ( ، وفي الاسبوع الثقافى الليبى مثل : ( الانتحار ) الخ . الخ .
س : ماذا تمثل جائزة بلدية تونس بالنسبة لك كفائز ؟ ج : تمثل " مددا " ماليا يمكننى من مواصلة الكفاح على طريق الوفاق والحب ، هى دليل على أننى قد اجتهدت وضحيت بليال طويلة صرفها غيرى فى الهذر أو فى لعب الورق ، أو ( ٠٠٠ )هى العربون الصادق من لجنة التحكيم الجد موضوعية ، التى اختارت قصتى لتفوز بالجائزة فهي إذن وسيلة لتحقيق وضع فكرى أحسن ، فيه للناس خير أى خير ! ثم ، شكرا للمسؤولين فى بلدية تونس ، وبخاصة الفنان "زبير التركى " ، والاستاذ " محمد العروسى المطوى "
: كقارئ منتج للقصة ، هل لك أحكام عن القصة التونسية المعاصرة ؟ ج : القصة التونسية المعاصرة فيها الطيب وفيها الخبيث ، وعلى القارىء الحصيف أن يميز بين هذا وذاك . يا أخى ، إن البحر يحوى فى طياتة الجواهر ، والأصداف ، والغواص الماهر عليه أن يتعب للوصول الى الجواهر ، ولكن هناك قراء استشرى فيهم مرض الكسل ، فتراهم يتحدثون عن الأدب التونسى وهم لا يعرفون عنه شيئا ! إنه وضع نقدمه بدون تعليق لأنه لا يحتاج الى تعليق !
س : هل للقصاص دور غير دور رواية الأحداث والتعليق عليها ! ج : دور القصاص يتمثل فى رواية الأحداث كما يراها هو ، وكما يريدها
أن تكون . من هنا يأتى الخيال والفكر ، وفى كلمات : الصياغة الفنية للتجربة المعاشة . دور القصاص هو فى رواية الحدث رواية خاصة ، وإبراز ما فيه من كمال ونقصان ، حتى يعمل القارىء على اتباع الأصلح . هدف القصاص : تحابب الناس ، واتحادهم ، وتعاونهم ، وغير هذا خور وإضاعة وقت !
س : لماذا انعدم النقد التحليلى لمفاهيم القصة التونسية عند نقادنا ؟ ج : لأن الأقلام الصحيحة فى إجازة نتمنى أن تعود منها موفورة النشاط
س : هل فى قصتنا ملامح من المعاصرة العالمية ، وما هى تلك إن كانت ؟ ج : العالمية فى القصة ، وحتى فى بقية الفنون والآداب ، فكرة زائفة ! العالمية عندى هى أن ندافع عن الخير ، والسلام ، والمحبة ، أن نكره الظلم ، والتعسف ، والتسويف على الناس . العالمية هي أن ننسى أحقادنا ، وأمورنا الساذجة ، وننطلق الى مستوى محاورة الذوات الانسانية أنى كان " نوعها " ، أو زمانها ، أو موقعها ، أو دينها ، أو لغتها ! لقد مرت بأمتنا فترة استعمارية قاهرة ، جعلتها تلوك أحزانها وتندب حظها العاثر ، ولكن الاستفاقة حدثت ، وتحدث ، والمهم هو أن نمضى - بلا مركبات - فى درب النضال الفكرى والفنى ، أن نحاور الثقافات الانسانية ، نأخذ منها ونعطى ، والتاريخ هو الحكم ، طال الزمن أو قصر
س : ما هو رأيك فى الشعر باعتبار أنواعه التى ظهرت عندنا وفي العالم العربى عامة ؟ ج : الشعر موهبة ، ورغبة ، وصناعة ، ولكن ظهرت فى "سوق " الأدب عندنا ، وعند المشارقة على السواء ، " تقليعات " شعرية ، بهلوانية يعود بعضها الى السريالية ، ويرجع آخر الى تيارات المذاهب الالحادية الحائرة التى ظهرت في أوروبا وفي أمريكا ، ولكنها إرهاصات ، وصرخات مريضة لا تخيف الشعر الحق الذى هو باق " رغم الداء والأعداء " !

