الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "المنهل"

لقاء مع جيل الرواد، المهندس محمد توفيق أحمد

Share

هذا رجل ليست له شهرة الادباء ولكنه له مكانة العاملين فى مجال الفكر الاسلامى والدعوة الاسلامية فى صدق وثبات ، وقد اختار مجالا لا يكاد ينافسه فيه أحد وهو المحيط الخارجى ، وفى قلب أوروبا بالذات ، وأصدؤ مجلة البريد الاسلامى الزاهرة عام ١٩٤٣ وأنشأ دار تبليغ الاسلام قبل ذلك عام ١٩٢٩ م

بدأ عمله في سويسرا عن طريق الرسائل والاعلانات ، ففى كل محطة من المحطات على طول الطريق من النمسا الى زيورخ ،  الى بادن ، تجد لوحا يقول :

(( لقد علمت خطأ عن الاسلام ان كنت تريد أن تعرف الحقيقة فاكتب الى فلان، فاذا أرسلت اليه ، أرسل لك كتبا صغيرة موجزة ، وقال لك : أرسل لى أسماء خمسة من أصدقائك ، ولا يلبث أن يرسل لهم بطاقاته وامتد عمله فى النمسا والسويد والنرويج وفرنسا ، ونما هذا العمل

الصامت الخالص لوجه الله وفى سبيل التعريف بالاسلام وتحرير مفاهيمه حتى كتب الى مائة ألف ، مائة ألف من البشر قال لهم كلمة التوحيد فكسب منهم أصدقاء، وكسب منهم معتنقين ، ونشأ من خلال ذلك فى هذه الاقطار مجتمعات اسلامية وبدأت مشاكل .

هناك ذلك الرجل الذى أسلم وأصبح له خمس بنات ، أرسل محمد توفيق أحمد الى خمسة شبان من المسلمين القريبين من هذه الاسرة ، وطلب اليهم أن يتوجهوا الى أخيهم فيصهروا اليه ، ودهش الرجل حين رأى هؤلاء المسلمين من بنى جلدته يتقدمون اليه باسم الاسلام وحده . وهذا مسجون يرسل اليه فيكتب إلى مسلم آخر من المحامين أن يتوجه للدفاع عنه ، وهذا مسجون يقدم له لحم الخنزير فيكتب إلى مدير السجن ، ليرفع عنه هذا الطعام . ومضى صاحبنا يحل مشاكل المسلمين القدامى ويواصل العمل مع المسلمين الجدد .

يقول : أسست دار تبليغ الاسلام عام ١٩٢٩ لاعطاء الاجانب فكرة صحيحة عن الدين الاسلامى بلغاتهم ورسائلها مترجمة الى اللغات الانكليزية والفرنسية واليونانية والاسبرانتو والتشيكوسلوفاكية والالمانية والإيطالية والاسبانية ، وهى تنشر مجانا في جميع بقاع الارض ، وقد حققت أحسن النتائج ، فان ألوف المثقفين من أنحاء العالم قد اقتنعوا برسالة الاسلام الحقة ، وفى النية اصدار دليل المسلم مترجما الى جميع اللغات الحية ليستعين به الاجانب

على معرفة تفاصيل تعاليم الاسلام ودقائقه، كما أصدر بطاقات فى حجم تذاكر البريد تحمل رسوما ذات معنى سام منها بطاقة ذكرى فتح الاندلس وبطاقة بيت المقدس .

وقد بدأ المهندس محمد توفيق أحمد على عمله هذا فى أوروبا نفسها ، حين انتدب اليها في سويسرا عام ١٩٣٠ للدراسة فاتصل بالناس ، وأحس بشوق الناس هناك الى التطلع نحو دين الحق ، فأخذ الناس يتحدثون اليه متسائلين ، هنالك شعر بالمسؤوليه فأخذ يقيم ندوات واسعة فيستأجر دارا من دور السينما ويعلن عن ذلك فى الصحف فيجتمع الناس له من كل مكان ويظل يتحدث بالالمانية عن الاسلام ومفاهيمه الاجتماعية ، ويجيب على الاسئلة ثم يتصل بالصحف ، ويجد من الصحف من تنشر له محاضراته كاملة ، من أمثال ذلك الدكتور أ. ف. بلو رئيس تحرير جريدة سويسرا الحرة التى تصدر فى بادن،وكان ذلك هو منطقه الاول الذى عاش له أربعين عاما وما زال يواصله حتى الآن ، قصة طويلة وذكريات عزيزة تكشف عن صدق وايمان عميق وعمل متصل ، خالص لوجه الله دون دعاية أو ضجة .

ويقول : مهمتنا الاساسية هى تبليغ دعوة الاسلام ليأخذ العالم بأسره فكرة صحيحة عن تعاليمه السامية .

والمهندس محمد توفيق أحمد تلميذ أصيل من تلاميذ تلك المدرسة الاسلامية التى قامت على أكتاف الرواد أمثال العلامة محمد فريد وجدى :

يقول : عرفته وأنا حدث اذ كان والدى يحكى لنا عن ( وجدياته ) ما جعلنا نتعلق ( بوجدى ) ونحبه ونقدره ، كان ذلك عام ١٩٠٩ وقد عرفت وجدى كاتبا وصحفيا ومؤلفا وباحثا ، وكان أول لقاء معه عام ١٩١٩ م كان ذلك أمنية غالية منذ سن الحداثة ، فى منزله ، ورأيت مطبعة دائرة المعارف التى كان يعمل فى هذا الوقت على اصدارها .

وكان رحمه الله يعتقد أن الامم لا يستقيم أمرها الا بشكائم أدبية تنزل من عقولها ، وتتحكم فى أهوائها فقد أثبت العلم أن الاباحة كانت دائما السبب الرئيسى لكل انحلال طرأ على المدنيات القائمة .

فلما اصدرنا مجلة البريد الاسلامى بدأ يكتب افتتاحيتها منذ ظهورها عام ١٩١٢ حتى قبيل وفاته ، وقد تأثرت فيما تأثرت عنه بالنباتية ، ولذلك أصبحت نباتيا مذ كان سنى عشر سنوات .

وللاستاذ توفيق تجربة واسعة فى مجال النباتيات وأثرها النافع فى اطالة الحياة وفى تحريرها من متاعب الهضم وأمراض المعدة .

ويقول الاستاذ توفيق أحمد أنه تأثر فى القديم بالامام الغزالى وفى الحديث بالمرحوم فريد وجدى ، ويقول : ومع ذلك أشعر باستقلال تفكيرى فيما اقرألهما أو لغيرهما.

ويحكى المترجم له كيف أنه عندما قرأ اعلان وجدى عن دائرة المعارف أخذ يجمع مصروفه ويدخره حتى يتمكن من ارسال ثمن الدائرة بالبريد ، وكان رجاؤه الى وجدى أن يرسل له بعض أجزاء الدائرة مجلدة وحجز بعضها حتى يرسل له جنيها الذى هو فرق التجليد ، سرعان ما وصلت اليه دائرة المعارف كاملة الاجزاء مجلدة ، مع خطاب رقيق من وجدى يحيى فيه رغبته فى المعرفة وحرصه على اقتناء الكتب مجلدة حفظا لها من سرعة التلف وقال له فى ختام خطابه : أرجو أن تعتبر الثمن كله قد تسدد، يقول: زادتنى هذه الروح البعيدة عن المادة تعلقا بشخص وجدى رحمه الله تعالى .

واذا كان المهندس محمد توفيق أحمد قد أصدر مجلة ( البريد الاسلامى )) عام ١٩١٢ ، فان أساسها ( التقوى ) التى شارك فيها منذ أكثر من عشر سنوات قبل ذلك واذا كنا اليوم فى عام ١٩٧٠ فان هذا الداعية المسلم الصامت يكون قد أمضى أكثر من أربعين عاما فى مجال الدعوة الإسلامية فى مجالات عجز الكثيرون عن العمل فيها وتحاموها ، لكثرة متاعبها ومجاهدها ولكن هذا الرجل بطبيعة تركيبه النفسى والروحى كان معدا لمثل هذا العمل ، بما عرف عنه من صبر وسماحة وايمان فضلا عن ذكائه وقدرته على مخاطبة العقول والقلوب .

حفظه الله وأطال فى عمره ليحقق مزيدا من الدعوة الى الله .

القاهرة

اشترك في نشرتنا البريدية