تتوقف طويلا وانت تقلب صفحات حياته باعجاب (*) . أهم ما يلفت اهتمامك تعدد نشاطاته وتنوعها فى خدمة وطنه تونس . تولى منصب وزير لعدة وزارات ( وزيرا للدفاع الوطنى . . ثم وزيرا للشاب والرياضة . . ثم وزيرا للتربية القومية والشباب والرياضة . . ثم وزيرا للصحة ) وهو الآن يتولى منصب وزير التربية القومية .
هذا جانب من جوانب صورة الرجل على المستوى العملى الذى قد لا يعرف اسمه من خلاله أولئك الذين ينحصر اهتمامهم فى الحياة فى القراءة .. ومتابعة المجلات الثقافية والفكرية التى تصدر فى العالم العربى وخاصة من خارج بلده . . لكنهم سيبادرون الى ذكر اسمه اذا علموا انه صاحب .. ومؤسس مجلة (( الفكر )) التونسية التى تصدر منذ أكثر من 20 عاما مع مطلع كل شهر دون توقف . . انه الاستاذ محمد مزالى . . وهذا جانب آخر من صورة الرجل خصوصا اذا عرفنا ان له عددا من الكتب التى ألفها .. وترجمها .
وبمطالعة ترجمة حياة الاستاذ مزالى المنشورة مع هذا الحوار الذي اجريناه معه فى مكتبه بوزارة التربية القومية فى تونس رغم مشاغله العديدة تكتمل أمام القارىء العربى كل جوانب صورته . . وشخصيته بنشاطاتها المتعددة .
توحيد المناهج التعليمية فى البلاد العربية
بداية حوارنا معه بصفته احد وزراء التربية والتعليم في العالم العربي كان حول قضية توحيد المناهج التعليمية في البلاد العربية . . والافكار المطروحه لتحقيق هذا الهدف على المستوى الرسمى . . فتحدث قائلا :
(( اجتمع وزراء التربية العرب اربع او خمس مرات . . ودرسوا فى مقدمة ما درسوا مسألة توحيد المناهج التعليمية فى البلاد العربية ، ووضعت كذلك المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم مخططا لنفس الغرض لادراك كافة المسؤولين بخطورة التربية والتعليم في ايجاد أجيال متجانسة في التفكير ... الثقافة وداعية بما يربط مختلف انحاء الوطن العربى من أواصر روحية وحضارية قادرة على العمل من اجل الوحدة العربية الاسلامية .
وتوحيد مناهج التربية والتعليم من شأنه كذلك ان يقضى على ها أورثه فينا الاستعمار من انماط التفكير غريبة فى بعض الاحيان عن واقعنا ، وما أورثه فينا كذلك من جهل بعضنا للبعض الآخر مما نتج عنه متناقضات ومؤثرات أحيانا حالت دون وحدة الصف وتوفير اسباب المناعة الحقيقية .
لكن الواقع هو اننا لا نزال فى اول المطاف وكل ما سجلناه إلى الان هو شيء من التقارب والتعاون بين بعض الاقطار العربية مثل ما هو موجود اليوم بين اقطار المغرب العربى الكبير .
ومن حيث منهجية العمل فانه لا بد من التواضع .. واعتبار المراحل .. ولذلك يحسن التعرف قبل كل شئ على واقع التعليم بدرجاته والقيام بدراسات وبحوث لضبط ما قطعته مختلف البلدان العربية فى ميدان تعميم التعليم وبرامجه وأساليبه التدريسية ، وتكوين المعلمين والاساتذة .
ولكن ما دامت العزيمة متوفرة فان الامل معقود على بلوغ هذه الغاية البعيدة ويا حبذا لو اكثرنا من تبادل الزيارات بين المسؤولين على كافة المستويات سواء بين الوزراء واعضادهم ، او بين الجامعات والأساتذة ، والمفتشين وغيرهم ، وكل من صار على الدرب وصل )) .
وسائل التربية فى العالم العربى
امتدادا لحوارنا عن قضية توحيد المناهج التعليمية فى البلاد العربية سألنا الاستاذ مزالى عن الاستجابات . . او التفاعلات الايجابية الصالحة التى يمكن ادخالها على وسائل وطرق التربية فى اطار المجتمعات العربية بخصائصها وفي ظل المتغيرات الاجتماعية . . والثقافية العالمية المفروضة بحكم الاحتكاك وتعدد وسائل الاتصال بالعالم الانسانى . . وامام التطور الرهيب فى عالم المستحدثات . . والاختراعات . . والتقنيات الجديدة وما هى ابعاد تصوره لنتائجها سلبا . . او ايجابيا . . وقد اجاب بقوله :
(( نحن نعيش فى الربع الاخير من القرن العشرين فى عالم زالت منه ، او كادت المسافات ، واصبحت كل اجزائه متضامنة . . متأثرة بعضها ببعض ، ونحن نعيش فى عالم سادت فيه العلوم وطغت التكنولوجيا بحيث اصبح من الصعب البقاء فى عزلة ، او شبه عزلة عما يجد من جديد فى كل القطاعات والميادين . ولهذا يتعين على النظام التربوى - اى نظام تربوى - ان يتطور وان يتلاءم مع كل المستحدثات والاختراعات والتقنيات الجديدة .
والذى يجعل هذه المهمة صعبة أكثر من أى وقت مضى هو ان سرعة التطور العلمي والتكنولوجى اقوى بكثير من النظام التربوى على التغيير مما جعل رسالة المربى عسيرة ، لان التلاميذ اصبحوا يستمدون من الوسائل السمعية البصرية الحديثة وخاصة منها الاذاعة والتليفزيون من المعلومات والبيانات والمعطيات ما لا توفره لهم المناهج الرسمية فى كل المدارس . فهل استطاعت مناهج التعليم اليوم مثلا ان تبين وتوضح لجماهير الشباب كيف وطأت اقدام الانسان سطح القمر فى يوليه 69 او كيف استطاع الانسان اليوم ان يرسل المركبات الفضائية الى المريخ ويسبر اغوار هذا الكوكب مثل ما يشاهد كل هؤلاء الشبان ذلك مباشرة فى غالب الاحيان من خلال البرامج التليفزيونية بالالوان ، وقد نتج عن هذا ان التلاميذ زادوا شغفا بهذه الوسائل السمعية البصرية ، وربما شعروا بشئ من السآمة والرتابة من جراء استماعهم الى الدروس التقليدية ولهذا يجب ان تتطور الأنظمة التربوية بسرعة ، وهذا لا يكون الا اذا تطور القائمون على التربية انفسهم ، وتطور كذلك رجال التعليم .
ان المعلومات التى تحصل للشباب عن طريق غير طريق المدرسة ليست كلها حقا وخيرا ، وليست تتلاءم جميعها مع ما يناسب هؤلاء الشباب . ولكن نحن مضطرون الى ان نعيش عصرنا والى ان نربى ابناء بصورة ذكيه حتى ينشؤوا نشأة قومية صحيحة . . ونشأة عصرية قويمة ، ويكون الواحد منها كما يقول المثل العربى القديم : ( فى النار ولا يحترق ) .
ونحن في البلاد العربية احوج من غيرنا الى سلوك هذا الاتجاه واخذ انفسنا بهذه الطريقة لان المدرسة تلعب فى مجتمعاتنا دورا اخطر بكثير مما تلعبه المدرسة فى الدول الغربية ، وذلك لان العديد من أولياء أمور الشباب فى ربوعنا ما زالوا فى مستوى الأمية اى عاجزون عن مواجهة مقتضيات تربية أبنائهم بما يحتمه العلم ويقتضيه العصر وتفرضه الاخلاق الصحيحة )) .
التعريب ومشاكله
قضية التعريب فى المغرب العربى هى قضية مصير . . قضية مجموعة من اخواننا واشقائنا العرب حاول الاستعمار بكل وسائله ان يسلخهم من عروبيتهم ويفصلهم عن أمتهم العربية والاسلامية . . عن طريق تجهيلهم بلغتهم التى تمثل ابرز عناصر انتمائهم الى اهلهم وبنى عمومتهم عرب المشرق وبالتالى عزلهم عن تراثهم . . وحضارتهم . . وتاريخهم العربى . . ولا نعتقد ان عربيا يجهل ما تعانيه بلدان المغرب العربى فى سبيل التعريب لكنه قد لا يستوعب حجم هذه المعاناة وما يبذل فى شانها اذا لم يقدر له زيارة هذه البلدان . . زيارة معايشة ودراسة فاحصة . هذا فيما يخص قضية تعريب التعليم فى المغرب العربى . . وللقضية جانب آخر تشترك فيه كل البلدان العربية ومغربيها . . ومشرقيها يتمثل فى اختلاف المصطلحات العلمية . . والعسكرية .. والفنية وغيرها .
وقد سألنا الاستاذ مزالى عن حجم النجاحات التى حققها المغرب العربى فى سبيل التعريب من ناحية . . وعن السبل التى يرى انها تساعد على ايجاد تنسيق عملى
فعال لتوحيد المصطلحات العلمية . . والعسكرية . . وغيرها من المصطلحات السائدة فى الوطن العربى الكبير من ناحية اخرى . . فأجاب :
(( لقضية التعريب جانب تاريخى هام لا بد من التذكير به . ذلك ان قضية التعريب وجدت منذ استقلال بلادنا سواء فى تونس او الجزائر او المغرب بسبب السياسة الاستعمارية التى فرضت علينا تعلما اجنبيا روحا ولغة وحضارة مما نتج عنه تكوين اجيال متعاقبة تكوينا اجنبيا لغة .
ولهذا سعينا عند الاستقلال الى تعريب البلاد وتعريب التعليم خاصة بطريقة مرحلية نوفق بها بين :
أولا : ضرورة تأصيل التعليم وجعله عربى اللسان ، اسلامى الحضارة ، قومى الاتجاه .
وثانيا : الحفاظ ، بل الرفع من مستوى التعليم من الناحية العقلية والعلمية والتقنية خاصة . والصعوبة تمثلت بالخصوص فى تكوين المكونين وايجاد الاطارات ( الكوادر ) الكفأة القادرة على اصلاح التعليم وبالخصوص تعريبها .
ونستطيع ان نقول اليوم ان تعريب التعليم لم يعد قضية مبدأ أو اختيار لانه لا يوجد تونسى واحد يناقش فى ذلك وانما هى قضية مراحل وامكانيات .
ونحن فى تونس نحمد الله اننا قطعنا فى هذا الطريق اشواطا ذات بال ونحن نواصل هذا العمل بكل موضوعية وتصميم .
أما مسألة توحيد المصطلحات العلمية والعسكرية وغيرها من المصطلحات فى العالم العربى فهى قضية هامة وخطيرة . واعتبر ان اجتماعات وزراء التربية والتعليم العرب يجب ان يضعوا فى المقام الاول من مشاغلهم هذا الموضوع لان التعريب ضرورى ولكن يجب الا يؤول بنا الامر الى فوضى لغوية فنتكلم جميعا عربيا ولكن تختلف المفاهيم والكلمات من قطر عربى الى قطر عربى آخر .
والواقع ان خطوات محتشمة ولكنها ثابتة قطعت فى هذا الميدان . ذلك ان وزارات التربية فى بلدان المغرب العربى الكبير قد توفقت الى انجاز ما اصطلح عليه بــــــ ( الرصيد اللغوي الوظيفى ) وهو مجموعة من المفردات
العربية الفصيحة او الجارية على قياس كلام العرب التى تؤدى مفاهيم الطفل العربى فى سن معينة . تلك المفردات التى يحتاج اليها الطفل والتى يحسن أن نلم بها أثناء السنوات الاولى من التعليم الابتدائى حتى يتسنى له التعبير عن الاغراض والمعانى العادية المستعملة في التخاطب اليومى وكذلك التعبير عن المفاهيم الحضارية العصرية .
ان هذا الرصيد اللغوى انجز بالنسبة للسنوات الثلاث الاولى . . هو اذن قدر مشترك من المفردات بين اقطار المغرب العربى الثلاثه ( تونس والجزائر والمغرب ) وضبط بعد سنوات طويلة من البحث المضنى الطويل النفس الذى قام به منذ عام 1966 ثلة من الاساتذة والاخصائيين التونسيين والجزائريين والمغاربة . وذلك حسب المقاييس العلمية التالية :
1 - توفر المفردات . . اى نسبة تكرارها . 2 - التوزع الجغرافي في الاقطار المغربية .
3 - الالتزام باختيار مفردة واحدة لكل مفهوم تحاشيا للحشو والترادف . 4 - اعتبار الألفاظ الكافية عند التلميذ .
5 - اجتناب القطيعة في المكان والزمان ومعنى ذلك ان هذا الرصيد روعى فيه ان يكون عربى المحتوى ( لا تونسيا صرفا ) لا يقطع الصلة بالماضى ( الزمان ) ولا بالبلدان العربية الاخرى ( المكان ) .
وقد التزمت وزارات التربية الثلاث بالاقتصار على استعمال هذه المفردات دون سواها ( حوالى 7000 ) سبعة آلاف مفردة ، ومطالبة كل مؤلفى الكتب المدرسية باستعمال هذه المفردات دون غيرها ، وسيجتمع في الايام القادمة بتونس خبراء البلدان الثلاثه للقيام بنفس العمل بالنسبة للسنة الرابعة الابتدائى .
وهكذا نرى اننا بدأنا عملا لغويا توحيديا اساسيا ينطلق من السنه الاولى ابتدائى ويتدرج بتدرج الطفل فى بقية السنوات الاخرى من التعليم الاساسى .
ونحن نعتقد ان هذا العمل عظيم الفائدة ، بعيد الخطورة لانه سيضمن بحول الله وحدة ثقافية وحضارية مبنية على أساس الوحدة اللغوية المنسجمة .
ونظرا لنجاح هذه التجربة ادرجت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التابعة للجامعة العربية مشروع حصر الالفاظ فى مستوى الابتدائى فى البلدان العربية كلها ، وانعقد اجتماع لهذا الغرض ، ووقع تبنى المنهجية التى اتبعت فى لجنة الرصيد اللغوى فى بلاد المغرب العربى .
هذا عمل أساسى بدأناه كما ترى من الاساس لكن أنا شخصيا أحبذ أن نقوم المجامع اللغوية بدورها بمثل هذا العمل لا فى حدود القطر الواحد كما هو الحال الآن بل فى مستوى عربى وربما يؤدى بنا هذا الى الحديث عن مجمع لغوى عربى يكون ممثلا لكل الكفاءات العربية فى كل الاقطار وذلك الى جانب ما تقوم به المجامع الموجودة اليوم أو المجامع التى قد تبعث الى الوحدة فى بلدان عربية أخرى )) .
الثقافة والعالم الثالث
وعرج حوارنا مع الاستاذ مزالى الى الثقافة فسألناه عن خصائص الثقافة الانسانية القادرة على صنع متغيرات نهضوية . . وتقنوية داخل ما اصطلح عليه بالعالم الثالث . . أو النامى . . وعن هذا السؤال أجاب :
(( طبعا أهم خصائص هذه الثقافة الانسانية الضامنة للنهضة والتنمية هى التكوين العلمى والتقنى الصحيح والقدرة على هضم الثقافة المعاصرة وخاصة الخلق والابداع دون الاقتصار على استيراد ثمرة الحضارة الغربية .
ذلك ان مجرد التهافت على ما يخترعه الغير لا يخلو من مخاطر أهمها انه يجعل منا نحن ابناء العالم الثالث مجرد زبائن ويجعل من بلداننا سوقا رابحة يستغلها اقوياء اليوم .
ولهذا يجب ان تكون لنا سياسة قومية فى البحث العلمى تعتمد فيما تعتمد على المبادىء التالية :
1 - تكوين أكبر عدد ممكن من الاخصائيين فى كل انواع العلوم الصحيحة والتقنيات .
2 - تشجيع البحث العلمى وترغيب الادمغة العربية خاصة والعالم الثالث عامة على الاستقرار والعمل في اوطانها وذلك لن يكون فقط بالترغيب المادى بل لابد من إيجاد مناخ نفسانى واجتماعى وعلمى مناسب ومن نكد الدهر ان نلاحظ ان بلدان العالم الثالث تتقاوى على نفسها لتكوين الادمغه وتبذل من اجل ذلك اموالا سخية ولكن نسبة كبيرة من هؤلاء يفضلون الاستقرار فى البلدان الغنية عندما ينهون تكونهم ويصبحون من المبرزين . فهل تعلم مثلا انه يوجد اليوم 140 ألف طبيب كونتهم بعد سنوات طويلة وبتضحيات جسيمة بلدان العالم الثالث وهم يعملون اليوم فى البلاد الغنيه ومنهم سبعون ألف طبيب في الولايات المتحدة وحدها وهي ارقام تجدونها فى تقارير المنظمة الدولية للصحة .
3 - إن التكوين العلمي والتشجيع المادى والمعنوى ضروريان ولكنهما عبر كافيين لانه لا بد الى جانب ذلك من غرس عقيدة قومية فى نفوس هؤلاء الاساتذة والخبراء والاخصائيين العرب ، وهى عقيدة تعتمد على الوطنية والثقة بالنفس ، وتغرس فيهم العزة والكرامة وارادة فرض الذات والطموح الى المجد العلمى وهذا أيضا ترجع مسؤوليته الى الانظمة التربوية فى المقام الاول )) .
ملامح الأدب التونسى المعاصر
بتعدد اهمتامات الاستاذ مزالى تعددت الاسئلة وكان لابد ان يكون للادب التونسى نصيب من الحوار .. خاصة فيما يتعلق بالادب التونسى المعاصر من خلال مواكبته له كأديب من جانب . . وكصاحب مجلة ((الفكر)) المعروفة من جانب اخر . . سألناه عن سمات وملامح الادب المعاصر في تونس من خلال المؤثرات والظواهر الادبية العالمية . . والعلاقة القائمة بين الاديب التونسي المعاصر . . وتراث أمته . . بحماس أجاب :
(( ان الادب التونسى متأثر بخصائص الثقافة التونسية . . هذه الثقافة التى لا تزال تعانى من مخلفات الاستعمار الفرنسي الذي فرض نفسه على هذه البلاد طيلة ثلاثة ارباع قرون بالحديد والنار وسعى الى مسخ هذه الامة والقضاء على مقوماتها العربية الاسلامية وحرص على ابقاء الشعب فى الامية وشجع على
تكوين انماط بشرية مختلف بعضها عن بعض . ولا تزال الثقافة التونسية تجاهد لتثبت ذاتها على أساس الوحدة والاصالة والمعاصرة والادب التونسى الى جانب ما يزال يعانيه من بصمات هذا الواقع الموروث فانه غنى بشتى الاتجاهات وأذكر منها بالخصوص :
- الاتجاه النضالى الملتزم الذى برز بالخصوص فى ايام الكفاح وتمثل فى المقام الاول فى الشعر الذى استظهر الهمم وذكر الشعب بامجاده وحرك سواكنه وألهب حماسه ، وحبب اليه النضال والتضحية والاستشهاد ، ولعل أبرز ممثل لهذا الاتجاه الوطنى الشاعر أبو القاسم الشابى الذي تعرفه الجماهير العربية وغيره كثيرون .
وهذا الاتجاه الملتزم تطور واصبح يناضل من اجل مقومات الاستقلال والازدهار والكرامة وذلك بربح معركة القضاء على التخلف واثبات الكيان القومى . . الخ .
وهناك اتجاه واقعى تمثل بالخصوص فى القصة والمسرحية وفي الشعر كذلك وبرز فى وصف الواقع التونسى والكشف عن سلبياته ومظاهر التخلف فيه ونقد بعض نماذج بشرية سعيا الى تغييره ودفعه الى مركبة التاريخ .
وهناك اتجاهات اخرى ربما بالغت اذا قلت انها مستوردة وهي على كل حال متأثرة ببعض المدارس الغربية مثل السريالية والهيكلية او البنيوبة او الوجودية .
هذا من جهة . . ومن جهة أخرى هناك أجيال من الادباء فى تونس اليوم ويوجد بالخصوص تيار تجديدى كبير تتزعمه نخبة من الشبان الطموحة الذين يذهبون أحيانا في التجديد مذاهب بعيدة ولكنها موفقة وطريقة أحيانا وأعتبرها شخصيا ذات وظيفة حيوية فى المجتمع لانها تحفز ، وتخز ، وتقاوم الرقابة والنوم - وربما افتقر الادب التونسى اليوم الى حركة نقدية قوية تقيمه وتقومه وتوجه الادباء حتى يتجاوزوا أنفسهم ، ويبلغوا درجة الابداع .
ومهما يكن من الامر فان الحركة الادبية عرفت فى السنوات الاخيرة نهضة كبيرة تمثلت فى تنشيط حركة النشر والتوزيع وان كان مستوى هذه الحركة لا يرضينا كل الرضى وخاصة فيما يتعلق بتعريف انتاجنا في مختلف بلاد المشرق العربى ، وهو أمر حيوى عندنا لان الوحدة الثقافية المنشودة لن تتحقق
الا اذا وجد الكتاب العربى فى كل الاقطار العربية لا فقط فى المدارس والمكتبات المختصة بل كذلك وبالخصوص فى كل نقطة البيع العمومية والا اذا كتبت عنه وعرفت به كل الجرائد والمجلات فى كافة انحاء الوطن العربى .
أما علاقة الاديب التونسى المعاصر بالتراث فهى علاقة ايجابية فى اكثر الاحيان بمعنى ان الاديب التونسى يستوحى هذا التراث ولا يكتفى بتنفيذه . انه يقتبس منه القيم الخالدة ويستمد منه العبر ، لينطلق الى عقل عصره ومواجهة تحدياته .
ولا أعرف أديبا تونسيا تنكر لتراثه أو ازور عنه . وانما التجاوز الحق وفاء للتراث بحيث نحقق الاستمرارية والتطور فى آن واحد )) .
امكانات العقل العربى
الحديث عن العقل العربى . . وامكاناته . . وقدراته بشكل عام على العطاء فى هذا العصر الحديث طويل .. لكننا حاولنا ان نحصره فى جانب واحد هو قدرته على ايجاد اشكال ادبية جديدة مؤثرة فى الأدب العالمى المعاصر .
وتناول الاستاذ مزالى هذا الجانب بالحديث قائلا :
(( يمكن للعقل العربى المعاصر ايجاد اشكال ادبية جديدة مؤثرة اذا ما آمن بنفسه واقلع عن التقليد والاستهلاك .
كما سبق ان اشرت الى ذلك . وهذا معناه مرة أخرى ان الادب .. الثقافة . . التربية . . العلم . . تحتاج كلها الى عقيدة ، الى موقف فى الحياة . . الى ايمان بالذات الفردية والجماعية . . الى ثقة فى النفس . . الى صدق فى البحث والتجربة والممارسة .
والعقل العربى اذ يوفق اليوم الى التجديد والابداع فانما يحيى بذلك ماضيا بعيدا وعصورا ذهبية وهاجة اذ سبق ان تألق نجم العقل او الفكر العربى تألقا كبيرا .
ومن حقنا ان نتفاءل وان نعمل بالخصوص حتى نكون فى مستوى الاجداد ، ونحلق كما حلقوا ، ونبدع كما ابدعوا وليس ذلك على همة شبابنا الطالع بعزيز )) .
أدب الطفل
ومع ان الطفولة ومشاكلها هي بداية الاشياء عادة الا انها جاءت في الاخير ونحن نودع الاستاذ مزالى بعد هذا الحوار الطويل فسألناه عن أسباب ظاهرة افتقار المكتبة العربية الى ادب الاطفال . . وخاصة فى هذه المرحلة الحساسة بالنسبة للامة العربية والاسلامية وهى تواجه كثيرا من التحديات العالمية . . كما سألناه عن كيفية ايجاد حركة تأليفه للطفل العربى تتبنى قيما . . وطموحات . . وتطلعات حضارة الامة العربية والاسلامية ؟
وباختصار أجاب :
* (( نعم يلاحظ بكل أسف افتقار المكتبة العربية لادب الطفل رغم كتب كامل كيلانى وعطية الابراشى وبعض الادباء الآخرين مثل محمد العروسى المطوى واحمد مختار الوزير والطيب التريكى واحمد القديدى فى تونس .
ومن اسباب هذا القحط الذى يلاحظ فى أدب الاطفال ما يأتى :
1 - ان عددا كبيرا من الادباء العرب لا يولون هذا الادب قيمة كبيرة لاننا ورثنا جميعا اعجابا بالشعر طغى على غيره من فنون الادب ونشات اجيال كثيرة من الادباء وهي تطمح الى ان يسطع نجمها فى عالم الشعر دون سواه .
2 - ربما لم نعتن بالطفل فى حد ذاته اعتناء كافيا لان مجتمعنا مجتمع رجال يتركون الاطفال تحت رعاية الامهات ، معنى هذا ان العناية بأمور الطفل تقتضى تطورا فى هياكلنا الاجتماعية ذاتها .
ولا اخال المسؤولين فى العالم العربى اليوم الا مدركين لاهمية تربية الطفل وتكوين ذوقه وصقل مواهبه . . وتنمية خياله لان تقدم العالم العربى رهين بمستوى شبابه والطفولة هى أخطر مرحلة في تكوين الشباب وأبعدها أثرا )) .
