- محى الدين خريف من أنت ؟
- أنا رجل من عامة الشعب التونسى ، طلعت من زحام أسواقها وغبار ترابها وأفياء واحاتها وزرقة شطآئها ولدت بنفطة بالجنوب التونسى سنة 1932 ، ونشأت فى عائلة يهتم أكثر أفرادها بالادب والشعر خاصة وعشت أسلط أذني وأوجهها كى تلتقط أغانى الامهات فى الاعراس ونواحهن فى الاتراح . هذا الى ما كان يصادفنى من إنشاد أبى فى البكور وهو يردد أشعار ابن الفارض والعاملى والسهروردى فشرب قلبى وهو ما زال طفلا الوجد والحنين والحب وصرت بعدها أحصر كل همومى فى كل ما له صلة بالشعر الذى كان يمنعنى من الطريق حينا ويفسحها أمامى فى أحيان أخرى .
فارقت الجنوب وأنا صغير وحملت معى من هيأته الحزن والحس بالغربة وصفاء القلب والسريرة ونزلت المدينة وهناك اصطدمت بأشياء كادت تحطم كيانى فصارعت وصرعت وتغلبت وانهزمت وكنت دائما أقف .
تلقيت التعلم بالمدارس الزيتونية وتخرجت منها لاعمل فى سلك التعليم الابتدائى الذى عملت به ما يزيد على العشرين عاما ثم انفصلت بعد ذلك لالتحق بوزارة الثقافة حيث أعمل الآن .
هذا أنا حياة عادية فى الظاهر ولكن الخافى جهاد وعذاب ومرارة وصمود .
- ما هى العوامل التى أثرت فيك لتصبح شاعرا ؟
- لا شك أن أكبر عامل هو عامل البيئة والوراثة فأبى كان شاعرا وهو الذي كان يهتف فى أذني بأشعار القدماء والمحدثين وأنا أتنقل بين يديه
عالم المادة الذى نتمرغ فى حمئه المسنون ولست أعرف بعدها مدى ما يحصل فى تاريخ أهل الجريد )) كما أن لمصطفى خريف عمي وهو من شعراء تونس المعروفين أثر كبير فى توجيهى الى دائرة الشعر وقد تتلمذت عليه وكان من أكبر أساتذتى فى هذا الميدان فهو الذى فتح النوافذ المغلقة أمامى ووضع إصبعى على مفاتيح الروائع فى شعر التراث وقوم شعرى فى بداياته وذلك فى الاربعينات وساعدنى على الوصول الى ما أصبو اليه من سلامة القول والسير
فى المنهج الصحيح ، هذا زيادة على الاستعداد الذاتى والمؤشرات الداخلية للاخذ والعطاء فانكبابى على دراسة الشعر كشف لى النقاب على ما لهذا الفن من اتصال بالروح وسمو بذات الانسان الى عوالم هى أزكى وأنقى وأطهر من عالم المادة الذى نتمرغ فى حمئه المسنون ولست أعرف بعدها مدى ما يحصل لو لم أكن أكتب الشعر فكيف سيكون تعاملى مع الحياة والناس . إنه قد أعانني على رحلتى كما لم يتصور انسان وعشت به وله ومنه وقد قلت :
بالشعر عمرت فراغ الليال وشدت قصرا باذخا فى الخيال
وطفت بالاسواق لا مزهري بح ولا صوتى اعتراه الكلال
- حدثنى عن مناخ عائلة خريف الادبى ؟
- فى روعة الطبيعة التى عاشت فيها هذه العائلة والانسجام البشرى والاستقرار الاقتصادى الذى كان يسودها فى أول هذا القرن تم لها أن تبرز فى محيطها كعائلة متميزة بصفات خاصة منها المستوى الثقافى الذى يتمتع به جل أفرادها فرئيس العائلة كان حجة فى العلوم اللغوية والدينية مما جعله كعبة قصاد لاهل القرية يسألونه فى شؤون دينهم ويتلقى عليه الناشئة
مبادئ العلوم فى شتى الفنون ، كما أن الشيخ ابراهيم خريف نحا منحى الشيخ جمال الدين الافغانى ومحمد عبده فى مذهبهما الاصلاحى ونشر مقالات ، فى ذلك بجريدة الرائد الرسمى التونسى أما ابنه وهو والدي محمد الناصر المتخرج من جامع الزيتونة فقد كان امام القرية وخطيبها وهو شاعر أيضا .
ومثله إخوته : مصطفى خريف الذى كن من أكبر شعراء تونس وقد رشحه الشابى لملء مكانة الشاعر بعده ، والبشير خريف وهو من أشهر القصاصين التونسيين ، وعبد الحميد خريف وهو من الشعراء الشبان المجددين الناجحين ،
والهادى خريف الذى توفى فى عنفوان شبابه وكان من رواد الاغنيه والتمثيل والموسيقى .
ولست أتحدث عن العمات لان الحديث يطول غير أنى أقول : إنهن كن الاصوات المرددة والمتغنية بكل أمجاد هذه الاسرة بشعرهن الشعبى الاصيل وأصواتهن العذبة التى تشدو فى الاعراس وتنوح فى المآتم .
- نلاحظ أن أهم وأكثر من كتبوا الشعر والأدب بصفة عامة فى تونس من الجنوب وأشهرهم أبو القاسم الشابى هل لذلك سبب ؟
- ربما كان لعراقة هذه الجهة فى الثقافة ورسوخ قدمها فى التراث فهى من أكبر مراكز العلم فى القديم وبها نشأ العشرات من العلماء والفقهاء بداية من القرن الثانى الهجرى حتى العصر الحديث ويكفى أن نذكر من القدماء
أبو علي السني والدرجيتى صاحب الطبقات وابن الرقيق والشقراطسى وأبو الفضل النحوي صاحب : (( اشتدي أزمة تنفرجي )) وغيرهم . كما أذكر من المعاصرين الشابى ومنور صمادح ومصطفى خريف والبشير خريف وصالح الجابرى وعبد القادر بلحاج نصر والميدانى بن صالح والعروسى المطوى وغيرهم كثير .
- كيف تفتقت شاعريتك وهل كان لك احساس معين يومها ؟
- كان ذلك فى الاربعينات بعد ما سمعت كثيرا وقرأت ما وصل الى يدي وجدت نفسى مدفوعا للتعبير عن أشياء أحسست بها فكتبت ما لم أتذكره الآن ولم أحتفظ به غير أن أول قصيدة نشرتها كانت بتاريخ 1949 بعنوان : باكورة نبوغ فى جريدة (( الجهاد )) التونسية ومطلعها :
سلوا القلب الذى كتم الودادا وأخفى الشوق واحتمل البعادا
والتأثر فيها واضح بأحمد شوقى في سلوا قلبي ولعل ذلك من تأثير توجيه عمي مصطفى خريف الذى كان من أحباء هذه المدرسة غير أنى انفصلت بعد ذلك من عالمهم وان كنت احتفظت بأشياء مما يترسب فى الذاكرة .
- شعراؤك المفضلون قديما وحديثا ما الذي يميزهم فى نظرك ؟
- أنا لا أقف عند شاعر بعينه وقد قرأت لأغلب شعراء العربية فى المشرق والمغرب وقد يعجبنى عند الشاعر البيت الواحد والقصيدة الواحدة غير أنى أحس بميل لشعر الصعاليك وشعراء نجد ، وأقف كثيرا عند بشار وأبى العتاهية وأبى نواس خاصة كما أحب أبا تمام وتلميذه ديك الجن الحمصى
وأعجب من شعراء الاندلس بابن بقى والأعمى التطيلى ولا يعجبنى ابن زيدون وأفضل الرصافى البلنسى عنه أما من المعاصرين فأحب بدر شاكر السياب لما يتميز به من صدق مأسوي وإبداع خارق للعادة لا يتأتى لغير شاعر عظيم كما يعجبنى مصطفى جمال الدين والجواهرى من العراق وبدوي الجبل من سوريا والبردونى من اليمن ومقياس الشعر عندى الملحمة والمأساة والحزن الداخلى والصدق صدق الشاعر مع نفسه ومع الناس .
- لماذا اهتمت بالكتابة للاطفال وماذا تريد أن تقول لهم . هل هناك تلقائية كما يحدث لك فى أشعارك الاخرى أم عملك للاطفال مقصود لافادتهم كشأنك من تعليمهم بالقسم ؟
- الاطفال هم ذاكرتى الشعرية التى أبتدىء منها وانتهى اليها وقد بقيت أعلمهم طيلة الخمس عشرة سنة ولم أحاول أن أكتب لهم شيئا غير أنى فى فترة ما وجدت نفسى مدفوعا للكتابة لهم فكتبت ما كتبت عن تلقائية وعفوية مستمدا أدواتى ومواضيعى منهم .
أما ما أريد أن اقوله لهم فهو كثير ولعلى أختصر ذلك فى كلمة (( حب )) حب الله وحب الناس وحب الوطن وتحسس الاشياء الجميلة فى الحياة وخصوصا قداسة عالم الطبيعة ، على أن الاطفال هم محور من محاور شعرى العام وكل شاعر لا بد أن يكون بداخله طفل يغنيه ويغنى له :
من أجل طفل نائم يحلم بالحب والاعياد والانطلاق
تجرحت أقلامنا وانبرت تكنس بالحرف أرض النفاق
- ما هى المواضيع التى تهتم بها عندما تكتب ؟
- المواضيع لا حصر لها غير أنى أهتم بالمواضيع الاجتماعية التى لها صدى فى نفسى وأنفس الآخرين ، غير ان الحزن المؤمل إن صح هذا التعبير يغلب على جل مواضيعى كما أن الانسان هو موضوعى الاول وقضايا هذا الانسان كالحرية والسلم والحق فى الحياة غير أنى أكره المباشرة وأقدس الصياغة الفنية رغم التحام الشكل بالموضوع .
- ماذا نشرت للكبار والصغار ؟ وهل وجدت صعوبات فى النشر والتوزيع ؟
- صعوبات النشر أمر مفروغ منه فالكاتب العربى مهضوم الحق مغبون فى سلم المعاملة ولا يجد نافذة للخروج للناس الا وحول تلك النافذة حرس وموانع وحدود تساوى الحدود الموانع التى بين البلدان العربية .
وقد نشرت بعض المجموعات والكتب وذلك بالتنازل عن بعض الحقوق وعدم الجهر بالمطالبة بها ونكران الذات أمام عظمة الناشر وقد نشرت حتى الآن :
كلمات للغرباء ( مجموعة شعرية ) 1969 - حامل المصابيح ( مجموعة شعرية ) 1972 - السجن داخل الكلمات ( مجموعة شعرية ) 1975 - مدن معبد ( مجموعة شعرية ) 1980
ومن كتب الذكريات : - صور وذكريات مع مصطفى خريف 1976
ومن كتب الاطفال : - الطفل والفراشة الذهبية ( شعر ) 1975 - أغانى الطفولة ( شعر ) 1978
- محاورات الاطفال ( شعر ) 1981 - مجموعة مسرحيات شعرية ( شعر ) 1981
- ما هى أحلامك وهمومك ؟
- ليس لى أحلام وهموم خاصة فأنا منتم وأحب أن أرى الامة العربية وقد طرحت خلافاتها وفتحت حدودها لبعضها واتحدت على عدوها المشترك فهى قوية لو فعلت ذلك وهى غنية لو شاءت أن ترد من فضل الغني على الفقير لأصبحت أقوى أمة وأعظم أمة لما لها من تاريخ عريق ودين صالح لكل زمان ومكان .
أما الشعر فأحلم له بجمهور يعود به الى قوته جمهور يخترق عالم المادة ليطلع من جديد مناديا بأعلى صوته أن هيا إلى الحب هيا إلى السلام هيا الى العمل فى كنف الاخوة الانسانية فى كنف المبادئ السامية والارض للجميع والخبز للجميع .
أحلام شاعر على كل حال ولكنها تخامرنى فى كل آن ولا أجد فى نفسى أحلاما خاصة غيرها .
- كيف تربي أبناءك وتلاميذك ؟
- بالحب أولا والسلوك المثالى أمامهم ثانيا إننا نستطيع أن نكون صادقين معهم وقد كنت دائما مع تلاميذى مثل ما أنا مع أطفالى أحبهم حبا لا أستطيع منه فكاكا ؛ وبدافع من الحب ترانى أعمل على توفير كل شئ لهم فلا أغالطهم بمادة مبتذلة ولا ألقي عليهم من النصائح والعظات ما لا استطيع أنا نفسى أن أنفذه وأتحاشى أن أكون صارما معهم حتى لا أفقد حبهم وأحكمهم دائما بمنطق الانسان الذى يسقط الحواجز بينه وبين أبنائه وأحاول أن أبحث عن مشاكلهم الخاصة لادخل منها الى عالمهم الملىء بالطهر والصفاء وحب الحياة والناس ولعل أكبر رصيد أعتز به هو رصيد الحب الذى ما زلت أبصره فى عيون تلاميذى عندما ألتقى بهم فى دوامة المصادفات وقد أصبحوا رجالا ونساء بصارعون الحياة وتصارعهم .
- بماذا يتميز الشاعر عن بقية الناس ؟
- لست أعرف بالضبط غير أنه يمكن أن يكون كطائر النوء المنذر بالعاصفة فهو الذى يتنبأ بالاشياء قبل وقوعها وذلك لمؤشر الاحساس الخاص الذى يمتاز به عن غيره ثم هو بعد ذلك الذى يقول ما لم يستطع أن يقوله الناس لان الانسان العادى لا يستطيع أن يصل الى كنه الاشياء كما لا يستطيع أن يعبر عن دقائق ما فى الكون من أشياء كما يعبر عنها الشاعر ولذلك فهو من هذه الناحية مرآة العواطف الانسانية والمشاعر الكامنة فى الناس والمولد الحقيقى لكل الصور والمرائى التى تحتفظ بها المخيلة أو تضن بها الطبيعة ، والشاعر صاحب قضية يتحمل من أجلها كل ما يصادفه من عناء وإخفاق وتجاهل وذلك هو ما يمتاز به عن بقية الناس .
- رأيك فى أدب الاطفال المتواجد فى السوق وهل هو قادر على تكوين الاجيال ؟
- أدب الاطفال المتواجد فى السوق ما زال أدب حكايات وخرافات وقد استغلت هذه السوق ماديا فأصبح كل من فى يده قلم يكتب للاطفال من باب توخى السهولة والاندفاع نحو الربح المادى حتى أصبحنا نبحث عن الجيد فلا نستطيع أن نصل اليه ، وقليلا ما نصادف الكاتب الحقيقى الذى يمتلك الادوات الجيدة والرؤيا المعاصرة التى تنفذ الى المستقبل ولا تعود الى الماضى كمحطة هروب للسهل والمتداول .
ولعل هذه السهولة سببها عدم وجود المراقبة من ناحية وكثرة الاستهلاك لهذه الكتب من ناحية أخرى .

