يمممت حضنك والأشواق تحدوني
إن كنت مشتاقة مثلى فضميني
لا تعجبي من تباريحي إذا اشتعلت
فالشوق شب حريقا فى شراييني
هجرت حضنك مغروراً على صغري
إذ كان طيشى بالأسفار يغريني
رحلت ذات صباح مثلما رحلت
عن الخمائل أسراب الحساسين
وغابة النخل تحيا في مخيلتي
نضيدة الطلع ، فرعاء الأفانين :
وعشت عمرى بعيداً لا تقربني
منك الليالي ، ولا الأيام تدنيني
واليوم آتيك مشتاقا على كبرى
فلا تتجازي عقوي ! لا ترديني !
يا واحتي ! طفت بالآفاق ملتمسا
وهما يراود أحلام المجانين
ورحت أغزل أوهامي ، وأنسجها
فكان برد ، ولكن ليس يكسوني
علمت في غربتى أن المحبة لا
تنال إلا بتسعير و تثمين
فأبتعت منها ، ولكنى وجدت بها
غش المرابي ، وتطفيف الموازين
ورحت أضرب في الآفاق ملتمساً
حضناً كحضنك يؤويني ويتحميني
وقد ترشفت أكواباً منوعة
كي أرتوى ، فإذا الأكواب تظميني :
وطوحت بي مقاديرى ، وها أنا ذا
أعود ، حتى وإن لم تستعيديني
فلا كحضنك بالترحيب يحضنني
ولا كحبك في يأسي يسليني
ولا كنخلك في قيظي يظللني
ولا كينبوعك الرقراق يرويني
ولا كأهلك مناعي وحاميتي
إن نالني الضيتم رصوا صفتهم دوني
يا واحتي الحلوة الأزمان ! لو زمن
يتاح لي غير محسوب وموزون
لو أن لي حكم هذا الدهر ، لو قدرى
طوع لأمرى متى أدعو يلبيني
إذن لعدت لعشريني التى أزدهرت
أعوامها الخضر عمرا غير مغبون
وعشتها من جديد بين ذى رحم
يحبني ، وأخي ود يصافيني
في قرية حبها ما زال في كبدى
ضرباً من العشق مجهول العناوين
تنتابني منه نوبات فتسعدني
ويبسم الحظ في وجهي إلى حين .
يا واحتى ! لست أدري كيف يسعدني
عرق نسبت إليه ثم يشقيني
ورثت من خلق الأعراب عزتهم
وصدقتهم دون إملاء وتلقين
أخذت عنهم سلوك السمت لا ختل
الذئاب للغدر ، أو زحف الثعابين
فأصفيائي أصافيهم وأغمرهم
من فيض ودي ببذل غير ممنون
أما عدوى فإني لا أصانعه
ولو ترامى على حلقي بسكين
أهلى ، وما أورثوني من عروبتهم
هم كبريائي ، وإرث الأهل يغنيني
أكاد أخطر في أحيائهم مرحا
أكاد أسمع منهم من يناديني
كأنني لست من عصري وإن ظهرت
على شارات تعصير وتمدين
فللعروبة أمجاد أعانقها
خلف القرون بأحداسي وتخمينى
يا واحتى العذبة الينبوع ! بي ظما
وعندك الري في قطر العراجين
أريد أن أتحدى كل زائفة
من الخصال بأخلاق الملاعين
عروبتى أصبحت في جبهتي سحبا
سوداء ، تحجب أمجادى وتخزينى
إني رأيت عيون الله مغمضة
عنا برغم الضحايا والقرابين
فكيف نحظى بعين منه راضية
والعدل ينقضى بقسطاس السكاكين ؟
والحق تغتاله الأيدى التى كتبت
ميثاقه وحمته بالقوانين
وحرمة الدين يلويها أئمتنا
لي الطغاة لأعناق المساكين
حتى البطولات ما عادت متوجة
في ساحة النصر أبطال الميادين
بل أصبحت في صدور البعض أو سمة
كحلية في نحو الخرد العين
وهكذا تكسب الأمجاد يا زمني
لا بالملاحم ، لكن بالنياشين
يا واحتي الحرة الأفاق ! ما عمر
تسد آفاقه فى وجه مسجون
وما حياة ؟ إذا بيعت عصارتها
ببيع النخالة فى أدنى الدكاكين
وما العروبة ؟ إن غيلت وإن قبرت
بأرضها دون تغسيل وتكفين
وما الكرامة ؟ إن هانت ، وإن صلبت
على رغائب أرباب الملايين
وما الرجولة ؟ ياربى - إذا خصيت
فحولة أنجبت شم العراين
وما ابن ادم ؟ إن ألقي أمانته
فأصبحت نهب أبناء الشياطين
مشيئة الله هاذى ؟ أم تخاذلنا
كبابنا فتدحرجنا إلى الدون ؟
العالم العربي اليوم بوتقة
مسدودة الثغر تغلي فوق أتون
قد تنسف الأرض نسفا إن هي انفجرت
ويذهب النسف بالدنيا وبالدين
ويبعث الله شعبا من مصارعنا
بقاطع من حديمد العزم مسنون
مجمع الشمل صلبا ، لا يقسمه
سخف الزعامات أو جهل السلاطين
ترابه طاهر الذرات من درن
المستعمرين ، ومن رجس الصهايين
وعندها تستعيد القدس عزتها
وتخلص الأرض للشعب الفلسطيني
وعندها نتباهى أننا عرب
أبناء ابائنا الغر الميامين.
يا واحتي ! ضاق بي دهرى وضقت به
فبت أشكوه من غبن ويشكون
وها أنا جئت مشتاقا وملتهفا
إن كنت مشتاقة مثلي فضميني

