الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

لكل دارس ابن خلدون

Share

يحظ عبد الرحمان بن خلدون بالعناية العلمية التى يستحقها ، رغم الدراسات والابحاث والتحقيقات العديدة جدا التى صدرت باللغات العربية والتركية والفرنسية والانكليزية والالمانية ، لأن أى باحث أو جامعة أو مؤسسة لم تهتد الى حد اليوم الى تكوين جمعية يكون من مهامها تنسيق جهود  الباحثين المختصين فى ابن خلدون ، وعقد ندوات دورية بهم ، وحثهم على المزيد من ضبط التحقيقات الصادرة ، ونشر ما تبقى من مخطوطات ابن  خلدون ، وإعادة نشر الأبحاث القيمة . . .

فتأسيس مثل هذه الجمعية قد يحفز على توثيق الصلات بين الباحثين فى سبيل معرفة آثار ابن خلدون معرفة واضحة ، أعني معرفة تنشز عن التحيز  المذهبى أو المنهجى وتشذ عن التأويلات الغريبة . . . وإن تونس لهى أهل بتحقيق هذا المشروع الذى لاشك انه يشرف جامعتها وأساتذتها ومؤرخيها وعلماء الاجتماع بها ، وكذلك دور الدرس والنشر كالمكتبة الوطنية والدار التونسية للنشر

قلت آنفا : إن الدراسات والأبحاث والتحقيقات كثيرة عن ابن خلدون فلا تمر سنة واحدة حتى نجمع حصاد دراسات خلدونية جديدة . ففي السنة  الجارية صدرت ثلاثة كتب عن عبد الرحمان بن خلدون وأعماله على الاقل :

الكتاب الأول : الفكر الديني عند ابن خلدون " تأليف : الراهب اللبناني  الأب أغنا طيوس . وهو موضوع أطروحة قدمه هذا المؤلف باللغة الاسبانية  فحصل به على دكتوراه فلسفة من المجلس الأعلى للأبحاث العلمية بمعهد لويس فيفس الفلسفي بمدريد

هذا ما أخبرتنا به جريدة " العلم المغربية منذ شهرين . لكننا لم نطلع على هذا الكتاب الذي قد يكون ترجم الى العربية أخيرا .

الكتاب الثاني : عبقريات ابن خلدون " تأليف : الدكتور على عبد الواحد

وافى العضو المصرى فى المجمع الدولى لعلم الاجتماع ، الذى سبق له ان حقق " المقدمة وأصدرها ضمن " لجنة البيان العربى المصرية بالقاهرة فى طبعتين الى حد اليوم وذلك فى أربعة اجزاء مختلفة الأحجام

الكتاب الثالث : خلدون والتاريخ " تأليف : الدكتور محمد الطالبى  الاستاذ بالجامعة التونسية . وصاحب الدراسات الخاصة بالدولة الاغلبية . وقد صدر هذا الكتاب باللغة الفرنسية عن الدار التونسية للنشر الشهر الماضى

ونظرا لأهمية هذين الكتابين ، سأقوم بعرضهما مع الاشارة إلى كتاب إيف لا كوست باللغة الفرنسية وعنوانه " ابن خلدون ميلاد التاريخ وماضى العالم  الثالث وقد صدرت طبعته الثالثة عن دار ما سبيرو خلال السنة الجارية  بباريس

" عبقريات ابن خلدون " هو مأخوذ بأكمله تقريبا من المقدمة التى كتبها  الدكتور على عبد الواحد وافى لدراسة شخصية ابن خلدون و " مقدمته "  وهو فى الحقيقة عمل قديم نشر تحت عنوان جديد . هل لذلك غاية  تجارية ؟ ومهما يكن من أمر . فان مقدمة ابن خلدون بتحقيق هذا الدارس المصرى قد نفدت إذ مرت ثمانية أعوام على صدورها . ولذا فانها تستحق العناية ٠٠٠

وهي تنقسم الى ثلاثة أبواب 1 ( حياة ابن خلدون 2 ( آثاره ومظاهر عظمته 3  ( ابن خلدون وعلم الاجتماع : المقدمة

وكل باب من هذه الأبواب ينقسم بدوره الى فصول . فالباب الأول يتضمن أربعة فصول . في أولها تحدث المؤلف عن مرحلة نشأة ابن خلدون وتلمذته  بتونس وتحصيله العلمى . وفى الثانى وصف المرحلة التى اجتازها ابن خلدون فى الوظائف الديوانية والسياسية فى المغرب والاندلس . وفي الثالث عالج مرحلة عكوف ابن خلدون على النظر والتأليف فى قلعة ابن سلامة . وفي الرابع والأخير أرخ مرحلة وظائف ابن خلدون فى التدريس وتقلباته الكثيرة فى مناصب القضاء المالكي بمصر . لكن المؤلف لم يقف في

كل فصل نفس الوقفة . فجاءت المراحل الأربع متفاوتة الدراسة . فهو لئن استوفي البحث حقه فى الفصل الأول ( رغم وجود بعض الهنات وعدم ضبط عدد من الاحالات ( وربما فى الفصل الرابع ، فانه يمر مر الكرام على أغزر المراحل التى عاشها ابن خلدون فى حياته وهي خدمته لملوك المغرب والأندلس فى ذلك العصر وتقلبه الكثير في المناصب السامية ، ومغامراته السياسية والفكرية ، وانعزاله فى قلعة ابن سلامة للكتابة والخلق . كما لم يسع المؤلف إلى تبرير ابن خلدون عن تونس التبرير المعقول ونسى خصومته الكبرى مع ابن عرفة التى كانت من الاسباب الهامة فى مغادرته لوطنه تونس

وقد اعتمد الدكتور على عبد الواحد وافى على " التعريف " فى وصف شخصية ابن خلدون وحياته . ولم يبتعد عن شهادات معاصريه من المصريين  كابن حجر العسقلاني ، ومن الأندلسيين كلسان الدين بن الخطيب . أما المصادر التونسة والمغريبة بصورة عامة فانها ظلت بكماء فى دراسة المؤلف فكأنه لم يطلع عليها ، ولو انها مبثوثة فى كتاب " بلاد البربر فى عهد  الحفصيين " للمستشرق الفرنسي برانشفيك ، وهو أهم وأوفى كتاب صدر  عن عصر ابن خلدون وقد نوه به المحققان لكتاب " الفارسية " لابن القنفذ

ويشتمل الباب الثاني من هذا الكتاب على سبعة فصول خصصها المؤلف للحديث عن أعمال ابن خلدون . فذكر فى الفصل الاول ان ابن خلدون كان اماما ومجددا في علم التاريخ . ونحن إذا أقررنا مع المؤلف بأن ابن خلدون كان " اماما " فى التاريخ فانه لم يصل أحد وراءه ولم يجر مؤرخ مجراه فى زمنه والى حد القرن العشرين رغم محاولة خير الدين فى " أقوم المسالك أما تجديد ابن خلدون فى التاريخ فلم يبينه المؤلف حق التبيين . فهل كان ابن خلدون مجددا للتاريخ بالنسبة لسابقيه كالبلاذرى والمسعودي والطبري ولمعاصريه كابن القنفذ وفراواسار وللاحقيه كالسيوطى وميشلي ؟ أم بالنسبة للمؤرخين حتى في هذه السنوات الاخيرة ؟ هناك نقص يجب تلافيه وذلك بعقد فصل عن مفهوم التاريخ لدى المؤرخين العرب والاجانب الى قيام مدرسة لوسيان فيفر ومارك بلوك . . . هذا اذا أراد المؤلف ان يبرز امامة ابن خلدون وتجديده فى علم التاريخ بصورة مطلقة . أما إذا كان الامر يتعلق بالقرون الوسطى وعهود النهضة والاستعمار والاستقلال والتصنيع فما على المؤلف إلا  أن يكون على قدر وافر من التواضع ، فلا يغدق أسماء ونعوتا جزافا على عبد الرحمان بن خلدون يتحرج من لباسها لانها فضفاضة . .

ويذكر المؤلف في الفصل الثاني ان ابن خلدون كان اماما ومجددا في فن  الاوتوبيغرافيا ) كتاب التعريف ( وينعته أيضا بانه كان اماما ومجددا في اسلوب الكتابة العربية ، وإماما ومجددا فى بحوث التربية والتعليم وتاريخهما وفى علم النفس التربوى والتعليمي . كما وصف المؤلف ابن خلدون بعد ذلك انه كان راسخ القدم فى عدد من الميادين الدينية مثل علوم الحديث والفقه المالكى وعلوم القرآن وعلم التوحيد والتصوف والأصول ، وكذلك فى علوم العربية وآدابها والشعر والفلسفة والمنطق والعلوم الطبيعية والرياضية والسحر والشعوذة ٠٠٠ .

وحين نصل الى الباب الثالث من الكتاب نجد المؤلف يبرز ابن خلدون بوصفه المنشئ الاول لعلم الاجتماع لا كما قالت المصادر الثقافية الفرنسية والغربية : " بان المنشئ الاول لهذا العلم هو أوغست كونت " . لذلك نرى المؤلف يعقد مقارنة ضافية بين الرجلين من حيث مناهجهما ومواضيع  بحثيهما .

وكنت أترقب بفارغ الصبر أن يقارن المؤلف بين ابن خلدون وعدد من المفكرين والعلماء الاجتماعيين كماكس فيبير وإميل دوركايم ومرسيل موس وليفى ستروس وكارل ماركس . فلم يفعل شيئا من ذلك ، وظل فى مقارنته  بين ابن خلدون وأوغست كونت وهي مقارنة أكاديمية قبل كل شئ  وبعده . . .

وفى الفصل الثاني من هذا الباب تولى المؤلف الرد على الاتهامات وربما الافتراءات التى وجهها منتقدو  ابن خلدون اليه . وهي معروفة جدا كمسألة العرب ، ومبالغة ابن خلدون فى اعتبار أثر الزعماء في التطور الاجتماعي الخ

ويحتوى الفصل الثالث على بيبليغرافيا للمقدمة . .

" ابن خلدون والتاريخ " ألفه الدكتور محمد الطالبى باللغة الفرنسية للرد على بعض تأويلات قدمها باحثون غربيون وماركسيون حسب تأكيد المؤلف نفسه فى برنامج نادى الكتاب لجعفر ماجد بالتلفزة الوطنية فى آخر الشهر  الماضى .

وهذا الكتاب الذي اعتبر ابن خلدون مؤرخا فقط قد استغرب واندهش

أكثر من مرة من جدة نظرياته فى علوم التاريخ والأجناس والاجتماع

والكتاب ينقسم الى قسمين كبيرين : الأول : يتعلق بحياة ابن خلدون الثاني : يخص مفهوم ابن خلدون للتاريخ وتشفع القسمين قائمة فى المراجع والمصادر الخلدونية

وينقسم القسم الاول من الكتاب بدوره الى ثلاث فترات فى حياة ابن خلدون :

1 ( طفولته وتكوينه بتونس . 2 ( مزاولته تعليمه ومغامراته السياسية 3 ) حياته العلمية من تدريس وقضاء

ففي الفترة الاولى عرف المؤلف بابن خلدون صبيا ثم شابا فى تونس الى ايام الطاعون الجارف الذي أودى بحياة والديه . وهنا يستخلص المؤلف " عبرة " من هذا الحدث فيقول : " إن الطاعون قد خلف ذكرى مرة فى حافظة ابن خلدون . وهذا ما سيعطى لونا لتفكيره واتجاهه فى مستقبل أيامه " .

فى الفترة الثانية نشاهد ابن خلدون ينتقل الى بلاط فاس عبر امارات إفريقية الوسطى ودخوله المؤامرات والدسائس السياسية وركوبه مراكب الوصولية وانتهازه للفرص والتنكر لاولياء نعمته المرار العديدة وتقلباته المباغتة ومشاحناته مع أصدقائه وإخوانه . . لكن المؤلف - كشأن زميله على عبد الواحد وافى - يرأف بابن خلدون ، ويشفق عليه ويجد له أعذارا كثيرة لبيان بعض مواقفه . فمن ذلك يقول الدكتور محمد الطالبى ان المواقف المتناقضة كانت شائعة فى ذلك العصر ورائجة " . .

وفي الفترة الثالثة نلاحظ ابن خلدون ينصرف عن غوايات الرتب ويعكف على الدرس والتأليف ثم يعود الى تونس ليرحل عنها الى مصر بعد كتابة مقدمته والتاريخ

أغلب الاعتقاد انه يمكن ان تنقسم حياة ابن خلدون الى ثلاث فترات رئيسية ، لا كما فعل المؤلفان - وهي :

1 ( نشأته وتعليمه فى تونس 2 ( خوضه الحياة الادارية والمغامرات السياسية وتأليفه للمقدمه فى تونس والجزائر والمغرب والأندلس 3 ) رحيله عن تونس وإقامته بمصر الى وفاته مع ما فى ذلك من تقلد للمناصب الدينية والقضائية والتدريس

والمتتبع لحياة ابن خلدون يلاحظ بكل يسر انه كان رجل عمل وفكر فلا يمكن الفصل بين هذين الميدانين فصلا قاطعا ولو كان نظريا ومنهجيا . اذ لا يمكن أن تدرك أبعاد " المقدمة " إلا بالرجوع الى تفاصيل حياة مؤلفها وجزئيات عصره . فليست عزلته فى قلعة ابن سلامة هي فترة مستقلة فى حد ذاتها ، كما فعل الدكتور على عبد الواحد وافى ، وليست هى ممهدة لرحيله الى مصر كما فعل الدكتور محمد الطالبي ، بل هي مرتبطة ارتباط عضويا بما سبقتها من فترات الخوض فى غمار السياسة والملك والسلطان وبما لحقتها من مراحل تولى المناصب . وأكاد أقول انها فترة جدلية استطاع بفضلها ابن خلدون أن يعي عصره وعيا تاريخيا حادا وان يسطر ما سيكون عليه مستقبله . وهذا ما أشار اليه بكثير من الايجاز الدكتور محمد الطالبى  فى آخر كتابه .

ولقد أحسن الدكتور محمد الطالبي حين صرح لجعفر ماجد فى تلك الحصة التلفزية ان ابن خلدون كان تجريبى العلم والمنهج وربما السلوك الفكرى . لكننا مع الاسف لا نجد لهذا التأكيد الهام جدا إلا صدى ضعيفا فى كتابه ، فتركنا نطلب المزيد ! . .

وأيا ما كان الأمر ، فان هذه المآخذ ثانوية بالنسبة للمأخذ الرئيسى الذى أوجهه الى كل من المؤلفين . . . فكلاهما لم يدرس المجتمعات التى عاش فيها ابن خلدون اللهم إلا من خلال ترجمة حياة الرجل أو من خلال تحليل تصوراته للتاريخ وعلم الاجتماع . وهذا العمل قاصر فى اعتقادى لان المؤلفين لم يصدرا  كتابيهما بفصل يحلل مباشرة تلك المجتمعات التى عاش فيها ابن خلدون من جميع النواحي الحياتية : السياسية والاقتصادية والتجارية  والصحية والثقافية والدينية . . الخ . . . والمحاور الكبرى التى قامت عليها قرون الانحطاط الاخيرة . وبفضل مثل هذا التصدير يمكن للدارس أن يجد أعذارا منطقية .

ولعل الدارسين قد رغبا عن مثل هذه الفصول حتى لا يقعا فى مواقف مذهبية مسبقة - مهما كان نوعها واتجاهها - وأرادا أن ينفذا الى مجتمع ابن خلدون وعصره من خلال نظرياته هو لا من خلال شرحهما وتحليلهما

وعلى كل ، فلئن عمد الدكتور محمد الطالبي الى هذه الطريقة ويتضح ذلك فى الفصلين الأخيرين من كتابه بعض الوضوح فان الدكتور على عبد الواحد وافى قد تشبث بمواقف سيوسيولوجية تؤرخ ببداية هذا القرن ، وهي  مواقف المدرسة الدوركايمية المعروفة ، بالإضافة الى مواقف النشوء والارتقاء اللامركية والداروينية الشهيرة ، وما يعتريها من نظريات بيولوجية .

لكن كيف استطاع الدكتور محمد الطالبى بعض الاستطاعة فى تفتيق تفكير ابن خلدون من خلال المقدمة ؟

لقد خصص المؤلف الباب الثاني من كتابه لتتبع مفهوم التاريخ عند ابن خلدون . فتساءل بادىء ذى بدء : " هل للتاريخ معنى ؟ " ثم " ما هو التاريخ ؟ " وأخيرا " كيف يكتب التاريخ ؟ " . فى مختلف الأجوبة سعى المؤلف سعيا شديدا وقويا الى استخراج المصطلحات الخلدونية من أديمها الدلالى ، كالمطابقة التى هى من أهم آلات ابن خلدون العقلية فى مقارنة الواقع ، وكالعصبية التى لها شأن دلالي لدى ابن خلدون فى مفهوم الهياكل  فى مستوى القبليات والسياسة والاقتصاد والاجتماع والحضارة ، وكالعمران  الذي يصفه المؤلف بحجر الزاوية فى بناية المقدمة ، ويتفرع عنه العمران البدوى والعمران الحضرى . وفي الأثناء يرفض المؤلف بعض تأويلات المستشرقين او يصحح أغلاطهم وذلك بدون التعرض الى المشاكل الهامشية التى وقع فيها غيره من الدارسين الذين انبروا يدافعون عن ابن خلدون في مسألة العرب مثلا ٠٠

والحقيقة ان الدكتور محمد الطالبى قد بلغ فى هذا الباب الى حد إمتاع القارىء فى كثير من المواطن ، وخاصة فى تنزيل بعض المفاهيم الخلدونية  منزلة المعاصرة ، ولكن بحذر شديد . . .

ورغم ان الاصطلاحات الخلدونية غير مضبوطة ، وان المفاهيم غير دقيقة فلقد استطاع المؤلف أن يترجم تقلباتها حسب النص . لكننا مع ذلك لا نوافقه على ترجمة التمدن بالحضارة ، فالتمدن هو السيفيسم ) CiVisme ( والأمة بناسيون )  Nton ( في حين ان الامة هى الكومينيتى communaute إلا

أنه أحسن حين ترجم الاحوال بموتاسيون ) Mutations   على الرغم من  جدة هذا الاصطلاح الاجتماعى الحديث الذي يذكرنا بمذاهب سيوسيولوجية عصرية

لقد ذهب الدكتور على عبد الواحد وافى مذهب السلفى من الدارسين  العرب في أواخر القرن الماضى وبداية القرن الحاضر ، وذلك فى تقييم أعلام للفكر العربى القديم ، ودراسة آثارهم ، واغداق ألقاب العبقرية والنبوغ  والامامة عليهم جزافا ، مع ما يتضمن ذلك من حنين قوى الى الماضى ، وتغليب الماضى على الحاضر ، وغلق باب الاجتهاد بالاعلان عن الامامة ، ومحاولة مطابقة بعض النظريات القديمة من التراث العربي بنظريات عالمية حديثة أو شبه حديثة ، وتحدى أعلام الفكر الغربى بكل وسيلة . وهكذا كان عمل طائفة من جيل هذا المؤلف أمثال عباس محمود العقاد وطه حسين وعلي عبد الرازق وساطع الحصرى وغيرهم ممن تعلقوا بأفكار ومذاهب غربية بحكم تكوينهم فى أجواء ثقافية غربية ووقوفهم عندها لا يريمون .

بينما ذهب الدكتور محمد الطالبي مذهبا أكاديميا . فاستغرب أكثر مما أكد ، وحلل أكثر مما جرى وراء العاطفة القومية ، واقترح أكثر مما أثبت ورد محاولا أن يجرد ابن خلدون من الماركسية التى صبغه بها إيف لاكوست وكتابه هو عبارة عن وقفة المسلم العربي الحديث المتأمل ، السائل وربما الحائر  أمام " الظاهرة الخلدونية .

لكن هل يظل الدكتور محمد الطالبى واقفا أبد الدهر ؟ وهل يستخلص من مقدمة ابن خلدون طريقة عملية لتحليل واقع العالم العربى  اليوم ؟ وهل يخرج من المجال الاكاديمي الى " تطوير " النظرية الخلدونية ؟ وهل يقتفى أثار " روزانتال " الذي استمد من المقدمة منهجية ) ؟ ( لمعرفة دول العالم العربى كما أشار الى ذلك بايجاز ؟ وهل ابن خلدون ما يزال صالحا ؟

اشترك في نشرتنا البريدية