الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "المنهل"

للتاريخ والأدب, يوم الأربعاء، ٦ ربيع الاول سنة ١٣٦٠

Share

اطل وجه الصبح فى هذا اليوم على الناس كما يطل العفريت المقنع له دمدمة كدمدمة الاسد المخنوق، وبين الفينة والفينة يرسل الى الأرض وميضا يخطف الابصار.

وكانت السحب سودا قاتمة كانها تجمعت من منبع (بترول) محترق، يتصبب منها المطر كما يتصبب العرق من عملاق مجهود .

وما كادت الشمس تعتلي الأفق حتى تعثرت يكتل الغمام ثم اختفت عن الانظار.

وكانما انتقل البحر من أعماقه وامتد فى الأفق فخلنا الجو كاللجة المقلوبة تهبط رويدا رويدا الى الأرض وما هي الا بضع ساعات حتى استحالت الشوارع والأزقة الى ترع وجداول يجري فيها الماء، ثم قذفت أودية تهامة بسيولها إلى بطن مكة فاستحالت الى خضم تتلاطم فيه الامواج.

وما آذنت الظهيرة حتى افتقد الناس جل عناصر الكون، فلم يجدوا امامهم سوى الماء والهواء.

مطر يندلق اندلاقا كانما السحب انشقت خراطيمها فلا ممسك لها، وجو استحال الى ملعب من ملاعب الجنة تصطدم فيه ريح الشمال (بالازيب) فتسمع

لاصطدامهما منيرا يصم ويصعق ، وقد صعقت منه منازل ادركتها الرقة وأكواخ لا تقوى على حمل الاهوال .

رأيت القطار يهوى بركابه من جبل شامخ ؛ كذلك كان السيل يهوى من الانجاد الى اغوار تهامة مجترفا امامه كل من يلقاه وكل ما يعترضه ثم لا يجد متفذا غير بطن الوادى - وادى ابراهيم - فسار معربدا كما يعربد المجنون لا يجد شعبا من شعاب مكة الا تسلط عليه كما يتسلط الجيش المغير على مغنم ، يدك الأسس ويحطم الدعاثم ويجتث الاشجار ويمور بالدور ويجترف الاثاث والمتاع . وقف الناس -حيال ذلك - واجمين مبهوتين ينتفضون من الغرق لأن الغرق كان منهم قاب قوسين أو ادنى .

الا تعسا لك أيها الانسان ؟! ما اشقاك بالحياة وما اشقي الحياة بك؟ انت امام الكون الذي يحيط بك ضعيف وضعيف جدا، لا تستطيع للسماء اذا انهلت عليك ردا، ولا تقدر على مبارحة الارض اذا مادت بك صعدا، وليس لديك على رد سيل طاقة ولا جهد.

نعم، نعم انه سيل كانما انفتق عنه البحر جزرا ومدا، ولكن سحقا لك ما اكفرك واطغاك في ساعة الدعة والأمن، وما اضعفك واشقاك في ساعات الهول والشدة.

ثم آذن العصر فامسكت السماء مصابها وكفكف السيل من طغيانه وتلطفت حدة الهواء، وبد اوجه الارض فيه شقوق وبثور كوجه المهزوم يخرج من المعركة، وانتشر الناس يتلمسون مقتنياتهم التى اختطفها السيل من المنازل والحوانيت، راعهم ما رأوا من اثر السيل، فقد تبدل كل شيء، استحال المسجد الحرام الى بحيرة، تمخر فى لجتها المنابر و"المراقع" والاخشاب ، واستحالت الشوارع الى خنادق غير منظمة.

والمزارع والبساتين حول مكة معرض للصخور والجلاميد المنحطة من اعالي الجبال.

ومصانع الآجر وساحاتها مستنقعات تسبح على وجهها الفقاقيع والاقذار وهناك فى اسفل مكة حيث الخلاء المنبسط ترك السيل صرعاه، فمن موتى غمرهم الرمل وجللتهم الاوحال، الى نوق تنتفض - من الالم - كما ينتفض الشجر من الاعصار، والحمر والهررة والدجاج وغير ذلك من البهائم والطيور رمم منتثرة فوق الرمال.

أما السيارات فقد تحطمت من جرف التيار، وكثير من المقاعد والاثاث والادوات، والأعمدة، والاسلاك، والابواب، والشرف، تالف لا يصلح للاستعمال.

ذلك هو يوم الأربعاء، وان هو الا كما يراه القارئ صورة مصغرة من صور العالم الثائر، ودرس من دروس الحياة القاسية، يفوه به فم الكون ليعتبر بها هذا المخلوق الضعيف الممتلئ غرورا ذلك الذي يقال له الانسان فهل يعتبر؟.

اشترك في نشرتنا البريدية