لشدما أغرم " اميلى برونتى " كروائية فذة خلدت في الادب الانجليزى بل العالمي رواية " مرتفعات وذرنغ " .
وأغرمها كذلك كشاعرة مرهفة الحساسية مكبوتة الشعور ، دنياها ضيقة محدودة ولكن خيالها فسيح الآفاق واحساسها عالم صاخب مرير
أما " اميلي برونتي " الروائية فقد عرفها العالم العربي بعدة ترجمات ظهرت في العربية لروايتها " مرتفعات وذرنغ " . غير ان المؤسف ان احدى تلك الترجمات - على الاقل - ظهرت مقتضبة موجزة نشرتها دار الهلال ضمن رواياتها الشهرية لغرض تجاري بحت فلم تنصف بذلك كاتبتها بل ربما جنت عليها .
وربما لا يعرف من قراء العربية الا القليلون ان صاحبة هذه الرواية شاعرة لها عشاق كثيرون يقرؤونها فى الانجليزية وفي بعض اللغات الأوربية الاخرى منها الفرنسية .
واميلي برونتى احدى ثلاث اخوات عشن عيشة الرهبان في قرية نائية من مقاطعة يوركشير بانكلترا . وقد مضى على وفاتهن ما يقارب مائة سنة ، ولكن ذكراهن الادبية لا تزال خالدة بل ان سيرتهن الفذة لا تزال مادة لتحديث والتأليف حتى يومنا هذا .
ففي انكلترا جمعية تسمى " جمعية الاخوات برونتى " تقوم بنشر آثار هؤلاء الاخوات الثلاث وتقصى كل
ما يكتب عنهن في أية لغة من اللغات ، كما تشرف على مكتبة تضم كل ما جرت به أقلامهن من شعر أو رواية او مذكرات . .
وقد الف حتى الآن عن الشقيقات الثلاث مالا يقل عن مائة كتاب . كما اصبح مسكنهن المتواضع الذي لايزال قائما مزار عشاق ادبهن بعد مائة سنة من الزمن .
والذي يعنينا فى هذا المقال من هؤلاء الشاعرات الاديبات الكاتبات احداهن اى اميلي لا لانها اقواهن - كما هو فى نظر بعض الكتاب - بل لان لها صبغة خاصة تحببها الى طبقة معينة من القراء . وهذه الصبغة هي - كما المحت في مطلع هذه الكلمة - الحساسية المفرطة وألوان من الرغبات المكبوتة التى لم تجد منفذا الا على الطرس ، ثم النزعة الصوفية التى تبلغ درجة الرمزية فى اشعارها .
والذين يقرأون سيرتها مختلين الى انفسهم ليعيشوا في محيطها المنعزل و يتنفسوا في جوها الشاكى المرير يستطيعون ان يتفهموا آلام هذه المرأة المحرومة ويشاركوها فى شكواها ونحوها .
ربوة صغيرة تشرف على واد يضم قرية ريفية ، وفوق هذه الربوة يقع مسكن متواضع مؤلف من طابقين يضم ثلاث أخوات تيتمن في أمهن و بقين تحت رعاية أب قسى منعزل
فى ابرشيته . ووراء هذه الربوة أرض بور ليس بها الا الحشائش .
العواصف هنا تزمجر مجنونة وتكاد ان تقتلع الاشجار ، والشتاء قصير النهار سرمدى الليل حالك الديجور ، سخي بأمطاره وثلوجه صاخب بأعاصيره . والهدوء الممل والوحشة الكئيبة يمسكان بخناق هذه القرية المنعزلة عن العالم .
هذا هو الجو الذي نشأت فيه اميلي واختاها آن وشارلوت ، وهو الذي أوحى اليهن من النفحات الادبية والشعرية ما يعد من الآثار الخالدة فى الادب الانجليزى . فى هذه الصومعة كان الاخوات يخلون إلى انفسهن ليكتبن رواية او شعرا او مذكرات منذ صباهن .
تقول اميلي في بعض مذكراتها : " اليوم عيد ميلادى ، وهو يوم ممطر ، ريحه باردة ، لقد بلغت السابعة والعشرين من العمر هذا اليوم . وفى هذا الصباح فضضت وشقيقتى آن الاوراق التى قد كتبناها قبل اربع سنوات . وفيها تحدثنا عن آمالنا ورغباتنا . ومن يدري ما الذي سيحدث بعد الآن . فان شارلوت ستذهب لتمتهن التدريس في مدرسة بقرية
نائية ، على ان ابقى هنا لاقوم بشؤون البيت . واذا سار كل شئ على ما يرام وبقينا احياء فسنفض هذه المذكرة بعد اربع سنوات اخرى من هذا التاريخ "
هذه الاديبة الشاعرة خلدت كثيرا من الشعر الجيد ، نشر شئ منه اثناء حياتها في سفر يضم آثار اختيها
كذلك ، ولكنه لم ينشر باسمائهن الصريحة اذ كان النساء آنذاك ليس لهن كبير شأن فى عالم الأدب والشعر
كانت اميلي منطوية على نفسها لا تقبل على اجنبي او زائر ، وكأنها كانت تشكو من آلام مبرحة هي نتيجة رغبات مكبوتة لفتاة تحلم بالحب وتخافه وتنفر منه ، يخيفها منه تربية دينية محتشمة والانعزال
الطويل عن الرجال . وكان يتمثل لها فى خلوتها شبح او تسمع هاتفا فتحن اليه حينا وتنفر منه احيانا اخرى . وتخلو الى نفسها بين الحراج بجانب شلال صغير أو جدول ينساب لتسجل خواطرها وآلامها .
عاشت اميلي تحلم بالحب وتخافه ، وتغلغل هذا فى نفسها وتعقد وتفاعل مع احساساتها الاخرى فأورثها عقدة نفسية حادة ما لبثت ان استحالت الى شئ من التصوف .
كنت اذا قرأت اشعارها أجد فيها احاسيس ذات جرس مخيف ، احاسيس غامضة ولكنها قوية مؤثرة وأجدها انسانة ضحية صراع عاطفى مكبوت وحرمان مما يشبع تلك العاطفة . وقد قرأت لها ذات مرة قصيدة فيها دعاء ونشدان ورجاء ,
فأوحت الى بمقطوعة من الشعر المنثور عنوانها " نداء " وقد بعثت بها للنشر في صحيفة البلاد السعودية . وحين كتبت تلك المقطوعة لم اتمالك رغم ارادتى الا ان اقتبس من شاعرتنا هذه عبارتين يجدهما القارىء في مطلع قصيدتها اذ تقول :
ان كانت شكوى قلب لقلب تحرك مشاعرك
ان كان بالغ الحزن يجد صداه في قلبك
ان كان الاعتراف الصادق يستدر
عطفك - فتعال الى الآن
وقد حاولت في فترات خلوتي الى نفسى والى شاعرتى اميلى ان اترجم بعض اشعارها . ولئن كانت المراجع عنها ليست متوفرة لدى الان ، فان من حسن الحظ انه لا يزال معي بعض تلك الاشعار المترجمة ابعثها الآن من اوراق قديمة احتفظت بها سنوات . وفي هذه المقطوعات التالية يلمس القارئ لونا من التصوف والرمزية اللذين اشرت اليهما من قبل :
اسرج المصابيح تغمر الدار فقد ولي النهار
اني كئيب وحيد ومن طريق بعيد
وقارس الزمهرير يهب في وجهى
وذي رياح الشمال مريرة الآهات
مركبتى وآه ، تقاذفتها الرياح
تخوض تحت وابل من صيب السماء
اوقد مصابيح دارك واغرب بفكرك عني
فان ذاك المحيا قد لا تراه الآن
فطالما مقته ، وعفت ان تراه
عيناك ان تبرقا بباهر الاضواء
تشع من مقلتين لا تحرفان انحسارا
انهما سدى تحاولان ان تلتقيا بعيني
ثم تقول :
والآن الفظ انفاسى قبل انبلاج
الصباح
ولن ارقب الشمس في مطلعها من وراء
الافق البعيد
وستبقى لدى امنية اخيرة هي ان اتطلع
الى محياك الذي رسمته لك فى خيالي
ثم امضى قدما لأرى ، ان كان لى ان
أرى . .
ثم اقرأ هذه القصيدة التالية التي تعبر عن هواجس فتاة وحيدة تهمس الى نفسها بأسرار :
فى منتصف ليلة صيف رطيبة
حين صفت السماء وتدفق لآلاء البدر
من خلال نافذتي المنعزلة التى تطل
على اغراس الورود بليلة تحت الطل
جلست وحيدة اتأمل . .
والنسيم العليل يداعب خصلات شعري
ثم يسر الى قائلا : الا ما امجد السماء
وما اجمل هذه الارض الحالمة .
وما كنت في حاجة إلى همساته
لكي يسر الى بهذه الخواطر
ولكنه مع ذلك اخذ يهمس الى .
قال : " ما احلك الظلام في الغابات "
" ولكن اوراقها المتهدلة حين اهب عليها "
" تتحرك بحفيف كأنه الحلم "
" وكأن اهازيجها المتصاعدة "
" اصوات ارواح خفية الادراك "
قلت له : امض ايها المغني الطروب
ان في صوتك الساحر اغراءا
ولكن حذار ان تظن ان موسيقاه
ستسلب لبي .
وفي احدى نوبات الألم حين يلح عليها ذلك اليأس العاطفي تتأوه بمرارة فتقول ولما تتجاوز الثامنة عشرة من العمر آنذاك :
وحيدة بؤس ليس من يذكر اساي وليس من عين تذرف على دموع الحداد وكم من خاطر مؤلم اجتررته منذ ان ولدت على حين لم أجد بسمة فرح تذهب بأساي وبين المسرات الخفية والدموع المحبوسة تصرمت حياتي مسرعة الخطى ثمانية عشر عاما مضت ولما اجد الرفيق وهانذا وحيدة وحدتى يوم ولدت ومرت بي ظروف - ولا نكران لذلك - مرت بى ظروف حين استبدت بي الوحشة وحين تخلت نفسي الكئيبة عن كبريائها وباتت تتلهف على لقاء انسان يحبني ولكن هذه الظروف كانت في نشوة
العواطف البكرة . . احاسيس قضى عليها الاحتشام منذ زمن طويل . .
هذه هي أميلى برونتى الانسانة الشاعرة ، أقص قصتها في سطور وجيزة ، فان الحديث عنها طويل جدا بقدر ما هو ممتع ومؤثر . وعسى ان يتفرغ الكتاب والمترجمون لافراد فصول طويلة عن الاخوات برونتي وترجمة آثارهن الخالدة . فهؤلاء ثلاث عبقريات توفاهن الله فى ميعة شبابهن . .

