لاحظ أخيرا أحد الشعراء الشبان ، فى احدى صفحات الثقافة وجود ظاهرة خطرة فى تونس تتمثل فى تكرار حدوث النهايات المبكرة فى الوسط الادبى بالكثير من المواهب تتألق سريعا ثم تنطفئ باكثر سرعه من بروزها على السطح
من جهة اخرى ، لاحظ الكثيرون ، ان حركة ادبية شابة كاملة كانت تعد لا ببعث نفس جديد فى الواقع الادبى التونسى فحسب ، وانما باحداث نقطة تحول حذرية في المفاهيم والاشكال الفنية أيضا ، ولكن تلك الحركة سرعان ما تهاوت حببهاتها ، الواحدة تلو الاخرى ، فاصيبت بانتكاس واضح و ارتج " - كما يقال فى اللغة القديمة - على العديد من ألمع عناصرها بينما مال البعض منهم جهاز جهارا الى اعتناق ما يسمى " بالهامشية
على الضفة الاخرى ، فقد الكثير من الشعراء والادباء حماسهم العارم فأصبحوا لا يكتمون الا لماما ، فى هذه المناسبة أو تلك من المناسبات الرسمية او شبه الرسمية ، وذلك على هامش اقبالهم المفاجئ - بشئ من النهم- على الدراسة العالية رغبة فى المزيد من الدرجات العلمية ، او على هامش انخراطهم في نضالات ذات طابع اجتماعى او سياسي .
والسؤال الذي يفرض نفسه بالحاح على كل من يتتبع بموضوعية هذه الاشكال المختلفة من الانخرام الطارىء على بنية الثقافة هو التالي : بماذا يمكن أن نفسر هذه الانتكاسات المتفاوتة الحجم فى البنية الثقافية الراهنة ، رغرم بعض الجهود المبذولة في وزارة الشؤون الثقافية ، واتحاد الكتاب
التونيسين ، ودور النشر ، وحتى على صعيد ما اصبحنا نلحظه ويلحظه معنا غيرنا فى دار الاذاعة والتلفزة من حرص على ضبط سياسه نأمل أن تكون فى خدمة ( أكثر نجاعة ) للوضع الثقافي فى البلاد
الاجابة التى سأحاول تقديمها ، - بكل تواضع - ليست حصيلة بحث علمى نظري ، وانما هي نتيجة اختبار بالتجربة - كما يقال - للواقع الثقافي عموما والادبي خصوصا ، الذى عملت على أكثر من صعيد واحد من أصعدته ، ككاتب ضمن الحركة الادبية الشابة فى العديد من الجرائد والمجلات ، واخيرا كمنتج ثقافى منذ عشر سنوات لبعض البرامج الاذاعية التى اهتمت بالمسار الثقافى وبحركة النشر وما زالت تهتم
ورغم هذه الاشارة بين قوسين فالملحوظات التى ساقدمها لا تعدو أن تكون وجهة نظر شخصية قابلة للنقاش ، مثل كل وجهة نظر شخصية اخرى
أبسط النهايات المبكرة ما كانت نتيجة المنحنى الحرج ؟
هنالك مواهب أدبية تطفو على السطح وتبدو واعدة الى اقصى الحدود ، ثم تفاجئنا اما بالصمت المفاجئ ، او بالاستمرار الذى يبقى مجرد اجترا رتيب للاشكال الاولى للانبثاقة الواعدة .
والمطلع على الكثير من البراعم التى تتعهدها مجلة ( الفكر ) بالرعاية - ضمن قسمها المعروف المتعلق بالاقلام الشابة - او على الكثير من الاقلام الادبية التى تقرأ اختلاجاتها الاولى " بالصباح " أو بغيرهما ، قد يلاحظ أن الصمت الذى يفاجئ تلك التطلعات الطرية لا يمكن تفسيره الا على نحو ما فسره الشاعر الكبير ( اليوت ) فى مقال له حول " الموروث والموهبة الفردية
فهؤلاء الادباء الشبان قل ان واصلوا الطريق بعد المنحنى الحرج الذي حدده ( اليوت ) بسن الخامسة والعشرين ، وذلك لان المصادر الذاتية للانفعال تجف بعد تلك السن او حولها بقليل ، ثم يصعب على الكثيرين أن بعوضوا انطفاء النار اللاهبة الاولى ، بما اسماه الشاعر المصرى ( صلاح عبد الصبور ) " بالنار الهادئة الجديدة " التى يكتشفها الشاعر الحق ، أو الاديب الحق عندما يحول " النظر الداخلى " الى نظر خارجى فى الكون وفى الحياة
وقد لا يصمت النوع الاول من الشعراء بالضرورة ، ولكنهم - ومعهم ايضا الادباء المنتسبون الى جيلهم الصاعد - قد يواصلون الطريق لكن دون تطور . وهؤلاء لا فرق فى الواقع بين صمتهم ونطقهم ، لان الاديب الذى لا يتطور مرادف للاديب الذى رفع منديل الوداع وأعلن صمته .
هذه الاسباب للصمت لبس الذنب فيها - أحيانا - ذنب الواقع الثقافي ، وانما ذنب الادباء الشبان الذين يكتفون بقراءاتهم الاولى دون سعى جاد الى الاضافة اليها وتنميتها تدريجيا .
لكن رغم تبرئتنا للواقع الثقافي ، فى هذه الحالة التى أعتبرها أبسط اصناف حالات الصمت ، فانني أحبذ فكرة تفضل الاذاعة التونسية بالاجتهاد فى بعث برنامح ادبي ( لهواة الادب ) لا بالطريقة التى كان يعد بها هذا البرنامج من ذي قبل ، وانما بطريقة حديثة مغايرة يشرف عليها بعض ادباء أو شعراء اتحاد الكتاب التونسيين
كذلك اغتنم هذه الفرصة لكي ألتمس من وزارة الشؤون الثقافية او من اتحاد الكتاب التونسيين ، او من وزارة الاعلام ، النظر فى امكانية بعث مجلة ادبية شابة على غرار مجلة ( الطليعة الادبية ) التى تصدر فى بغداد ، عن انحاد الادباء العراقيين وتخدم المواهب الشابة بكل أمانة ، وتنير امامها طريق النضج والاستمرار
التنافس المضحك بين الاجيال الادبية والصمت
بين أواخر الستينات وأوائل السبعينات ، وفى اطار الجدلية بين الحديث والقديم ، عرفنا على الاقل نوعين من الصمت . فقد اضطر الى الصمت الكثير من التقيديين عندما زحفت الى الميدان بقوة - وفى شكل حرب خاطفه - عناصر الطليعة الادبية الجديدة ، وكاد أفرادها يحدثون نقاط تحول جذرية فى الابعاد المفهومية للثقافة وللفن .
ثم وفي أوائل السبعينات ، وعلى اثر تحولات طرأت على الساحة وأدت الى اختلال فى توازن القوى على الصعيد الادبى ، عاد التقليديون بقوة ، فزحفوا الى الميدن ، لا سيما بعد توقف " العمل الثقافي " ، ومجلة " ثقافة " ، وبعد افتقاد العناصر المتطرفة فى الحركة الطليعية الجديدة لكل ذكاء تكتيكى في معركة اثبات الذات ( فهذا يدعوا الى العامية ، وذاك يدعو الى " طليعة الطليعة " ، وثالث يدعو الى ضرورة تجاوز التجاوز ).
وهكذا صمت الجيل الذى أخذ الكلمة ، وتكلم الجيل الذى كان صامتا لا سيما بعد حمل البعض لشعار " الهامشية " أما الجيل الادبي الذي بدأ النطق منذ 1972 ، فقد أرهبه فشل الطليعة الادبية السابقة كما ارهبته العودة القوية للجيل القديم الذي أصبح يمسك بزمام المبادرة وأملنا ان يظفر بالحل للمعادلة الصعبة لوجوده الادبى
وبالطبع تحليل الشكلين المشار اليهما من الصمت ليس بالامر الهين وذلك لان " الطلائعيين " الذين احدثوا الانقلاب قد تطرفوا ولم يأتوا بالبديل الايجابي ، ثم لان " خصومهم ، الذين احتلوا بعدهم الساحة الادبية لم يثبتوا الى الآن شرعية امساكهم بزمام الامور ، وذلك لان عودتهم الى الميدان لم تكن الا نتيجة شبه طبيعية لعجز الجدد عن الصمود ولتغير الواقع الخارج الخارجي
والدليل على صحة ما نقول هو ان الساحة الادبية فى الوقت الراهن ، ومنذ صمت الحركة الادبية الشابة السابقة ، لم تستعد بعد حيويتها التى كانت واضحة فى أواسط الستينات وفى أواخرها .
الشهادات الجامعية والصمت
فى السنوات الاخيرة ، وكانعكاس للبناء العام لمجتمعنا ، وللتحولات التى طرأت عليه على الاصعدة الاقتصادية ، والسياسية ، شاعت فى البلاد عبارة عامية " لها ، فى نظري دلالتها العميقة ، كما لها - وسنوضح ذلك فيما بعد انعكاسها السلبى على الادباء . وهذه العبارة ، هي تلك القولة التى نسمعها من الكبير ومن الصغير ، من المثقف ومن غير المثقف ، ومن العامل ومن العاطل ( او المنقطع عن التعلم ) . فالكل يقولون لك يا اخي مجتمعنا اصبح يؤمن بالشهادات "
ومعنى هذا ، أننا أصبحنا فى وضع شبيه بالوضع الذى كان ولا يزال عليه " لبنان " حيث أصبحت الشهادة الجامعية لا " شيئا " مطلوبا لذاته ، أو لقيمته المعرفية والعلمية ، وانما فقط لان " الشهادة " أصبحت وسيلة من وسائل المركز الاجتماعى والامتياز .
وتفسير هذه الظاهرة " الانتهازية " التى فرضها الواقع الجديد ، هي ان تونس ، مثل الكثير من البلدان المتخلفة ، وبحكم اختياراتها السياسية ونزولا عند منطق " الاولويات " فقد تبنت صنفا جديدا من حملة الشهادات هو صنف " الانتلجنسيا " البيروقراطية والتكنوقراطية التى تحتل أعلى المراكز ، و " يتوقف عليها مصير التنمية
بكلام آخر ، النخبة انقسمت الى قسمين : قسم يرتقى بالشهادات " الى اعلى المناصب ، وقسم آخر ، " يعيش على الثقافة ومن اجل ممارستها * ولكنه ظل فى تونس ، وفي العالم العربى عموما ، من النوع الذى " يحفظ ولا يقاس عليه ،
وفي هذا السياق يقول احد الكتاب : " ان نظرة الناس لأصناف المثقفين المتنوعة المتدرجة تختلف في البلدان المختلفة ، وتعتمد التقاليد والحاجات الثقافية في المجتمعات المختلفة : ففي المانيا مثلا ، تقدم اكاليل غار الشهرة فى المركز والامتيازات الى الاستاذ الجامعي والبحاثة وفي أمريكا ، للاختصاصى ، ، فى فرنسا للأديب والكاتب وفي افريقيا للعقائدى والسياسي أما في العالم العربي ، فيسبب المشاكل السياسية والاقتصادية المعلقة ، فان الإنتلحنسيا البيروقراطية والسياسية تحتل المراكز العليا فى الهرم الاجتماعى "
هل هذا التحليل ينطبق على الوضع الذى نعيشه الآن فى تونس ؟ شخصيا أرى أن الاوساط الساهرة على الثقافة لم تحرم المثقفين من الجوائز التشجيعية ، ولكن الصحيح ايضا هو ان منتجى الثقافة عندنا لا يتمتعون فى المركز وفي الهرم الاجتماعى - بنفس الامتيازات التى يتمتع بها حملة الشهادات ممثلى " الانتلجنسيا الجديدة ،
ولكن الا يصح هذا الكلام بالمثقف العربى على المثقف الغربى ؟ هنالك من يلاحظ ، فى عدد من اعداد مجلة (حوار ) أن المثقف الغربي يستعيض عما ينقصه من طمأنينة ومركز وقوة " بحرية فى البحث والتفكير " اما زميله فى العالم العربي فيبدو أنه يفقد كل هذه الامور معا . " فان ما فنده فى المركز ، إذا قارناه مع ما كان يتمتع به العلماء فى أوائل عصور الاسلام لم يستعض عنه بشئ من الحرية فهو لا يزال محروما من أية درجة معتبرة من الحرية فى الدور الاجتماعي الذي يلعبه كباحث عن المعرفة وناشر لها "
والآن ما هو انعكاس كل هذه المعطيات على المثقفين التونسيين عموما ، وعلى المثقفين الادباء منهم خصوصا ؟ أظن أن ما حدث - وأفضى الى أخطر نوع من انواع الصمت فى الوسط الثقافي - هو الاحساس " بالاغتراب " نتيجة اقتناع أدباء جدد وقدماء بأنهم " يحرثون فى البحر " أو إذا استعرنا تعبير الشاعر ( بيرون ) يكتبون اسماءهم على الماء وذلك لانهم شعروا بأنهم جزء من قطاع ثقافى فاقد
للهوية ، وللمركز وللامتيازات ، بالقياس الى بقية القطاعات الاخرى ، بالخصوص بالقياس الى النخبة التى حلت محلهم بقوة " شهاداتها " وارتقت إلى أعلى المراتب في السلم في حين أنهم هم - كمنتجين للثقافة وناشرين لها ظلوا فى أسفل درجات الهرم . هذا الشعور باللامبالاة ، والتجاهل ، إذا اقترن باحساس لاديب بمشاكل النشر وبمعرفته بميل الكثير من الصحف والمجلات الى " مبادلته الكلام بالكلام " ، وباقتناعه بان القيم التى أصبحت سائدة لم تعد القيم الثقافية وانما قيم المال والشهادة والمركز الاجتماعى ، كل هذا قد أدى الى اضطرار الكثيرين - تحت ضغط أزملة السكن وارتفاع تكاليف الحياة فى الوضع الجديدة - الى ترك التأمل والمعاناة ومعهما القرطاس والقلم سواء لانقاذ ما يمكن انقاذه من وقتهم الضائع فى الشعر والفن ، وصرفه فى اتمام الدراسة او نيل المزيد من الدرجات العلمية التى قد تسمح لهم بمواجهة اكثر نجاعة نجاعة لمشاكل الحياة . او الى التحول إلى انتماءات سياسية ليست دائما فى صلب الحزب الوحيد الحاكم وهذا أمر " معقول " فى مثل هذه الظروف التى تفشت فيها روح الانتهاز " أكثر من أى وقت مضى فى تونس المستقلة .
ملحوظات ختامية
يتضح مما اسلفت اننى لم أقل كل شئ وانما اقتصرت على ذكر أهم لاشكال - التى أراها - للصمت الادبى فى تونس الراهنة وعلى ضوء هذا ، لا أظن أن العلاج لهذه الازمة الثقافية الحادة يمكن ان تتمثل فى تكثيف تلك الاوسمة الثقافية " التى توزع على البعض ، أو تلك الجوائز الادبية التى تمنح للبعض الآخر فهذه المبادرات - كما رأينا ، وكما يعتقد الكثير من الادباء الذين صمتوا ، وحتى الادباء الذين لم يصمتوا - هي مبادرات لم تنس العشرات من الكتاب والشعراء ميل بعض دور النشر الرسمية الى مماطلة الانتاج الثقافي الحى وتأجيل قبوله واصداره
فالقضية إذن ، تتجاوز الفروع الى الجوهر ، والجوهر هو أن يعاد النظر فى دور المثقف عموما وفي دور الاديب خصوصا ، وان يعاد تقييم الانتاج الثقافى فى اطار الانتاج القومى العام ، وان تمنح لقطاع المثقفين الذين "يعيشون على الثقافة ومن أجل ممارستها " نفس الامتيازات التى يحظى بها أى قطاع اجتماعى آخر . وبالخصوص قطاع النخبة الجديدة المتمثلة فى حملة الشهادات .

