الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "الفكر"

لماذا الادب الطلائعى التونسى ؟

Share

قصائدى شكلية قصائدى عصرية )) محمد الحبيب الزناد

الكلام العادي والكلام الأدبى : ان التفريق التقليدى المعهود بين الكلام العادى والكلام الأدبى لم يعد مجديا فى شئ ، لذا تتحتم علينا مراجعته وإعادة النظر فيه ، لا لأنه تفريق خرافى ، لا أساس له من الصحة ، بل لأن النظريات والمفاهيم التى يقوم عليها واهية ، هزيلة ، عرجاء .

1- فالكلام العادي ، حسب زعم الشكليين الروسيين هو الذى تنحصر وظيفته فى الاخبار وهذا رأى لا يخلو من المجازفة والمخاطرة ، لان الكلام الأدبى ، سواء فى الشعر أو القصة ، قد يراد منه الاخبار أيضا . فالشاعر مهما حدثنا بالصور والرموز والاشارات يبقى كلامه وسيلة للافصاح عما يعتمل فى نفسه من أحاسيس ولهذا السبب فانه يخبرنا بطريقة غير مباشرة عن الحالة النفسية التى أعترته اثناء الخلق .

فالاخبار إذن وظيفة مشتركة بين الكلام العادى والكلام الأدبى . والرأى عندنا ان الخاصية التى ينفرد بها الكلام العادى تتمثل فى استمداد أهميته من المعانى أو بعبارة أدق المضامين المعنوية Contenus semantiques التى نحمله اياها دون الناحية الشكلية التى غالبا ما يقع اهمالها واغفالها .

تقول : (( هل قدم سالم ؟ )) . وعندما لا يسمعك الشخص الذي تتوجه إليه بالسؤال ، تعيد مخاطبته بكلام آخر : (( هل أتى سالم ؟ )) أو (( هل جاء سالم ؟ )) . فأنت تركز اهتمامك فى كل من هذه الاسئلة على المعنى الواحد

الذى تشترك فيه ، فى حين أن تصرفك فى الشكل أى استعمالك في كل مرة لفعل يعنى القدوم والاتيان يدل على انك لا تولى اهتمامك للحفاظ على الجملة التى ركبتها فى المرة الأولى وإعادتها حرفيا ، يقينا منك ان السامع سوف يفهم المعنى الذي تقصده فهما جيدا .

لذلك يمكن القول ان المعنى هو الأساس فى الكلام العادى وان الشكل يمكن التصرف فيه ما لم يحدث ذلك تغييرا على المعنى المقصود .

2 - أما الكلام الأدبى فهو- على حد مزاعم الشكليين - الكلام الذى يقصد منه الأدب وهذه النظرية لا يمكن أن نأخذها بعين الاعتبار لان القصد أمر خارج عن حدود الكلام المادى الملموس سواء فى حالة النطق أو الكتابة .

ويزعم الشكليون كذلك ان الكلام الأدبى جزء من كل أو عنصر من عناصر هيكل متسق ، منظم ، ولذا يجب دراسته بحسب موضعه فى النص الذي يمثل شكلا قائم الذات ، متكامل الأجزاء ونحن اذ نوافق على وجود هذه الظاهرة لا نراها قط من خصائص الكلام الأدبى اذ بامكاننا تطبيقها على كل كلام مكتوب وان كان غير ادبى كالكلام الصحفى مثلا الذى تستمد فيه كل كلمة وكل جملة وكل فقرة أبعادها من علاقاتها بما يلحقها ويسبقها من كلام .

والحقيقة ان الكلام الأدبى هو مجموعة الحروف والكلمات الخاضعة إضافة الى القواعد النحوية والصوتية المتعارفة ، لنظم أخرى مستنبطة من المحيط الصوتى ( طريقة النظم فى الشعر ) أو المجتمع الذي يعيش فيه الكاتب ( الشكل القصصى ) وهذه النظم تجسم انصهار النص الأدبى فى العالم الخارجى الذي يعكسه عكسا أمينا دقيقا . فما العروض الا بناء للمحيط الصوتى الذى عرفه الشاعر الجاهلى واستوحى منه موسيقاه الشعرية وما الشكل القصصى الكلاسيكى الا صورة مصغرة لتركيب المجتمع البورجوازى الرأسمالى فى القرن الثامن عشر بأروبا .

فاذا تحقق اخضاع كلام ما الى مثل هذه النظم العاكسة لما وورائيات تهم المحيط الذى يقيم به الكاتب أمكن اعتبار ذلك الكلام أدبيا صرفا .

وأخيرا اذ أردنا أن نفرق بين الكلام الأدبيى والكلام العادى يمكن القول أن :

أ - الكلام الأدبى هو كلام قيمته فى ذاته وفيما يرمي اليه من معان . - لذلك يحتفظ به شكلا ومضمونا .

ب - الكلام العادى هو كلام قيمته فى معانيه . - لذلك لا يحتفظ به كشكل .

الأدب الشعبي : 1-وإذا طبقنا هذه المفاهيم على الأدب الشعبى تبين لنا ان الشعر كلام  يحفظ برمته وأن التغييرات اللفظية التى تطرأ عليه عبر العصور لا تؤثر كثيرا فى الصيغ النهائية للقصائد إذا ما علمنا ان الرواة لهم من المقدرة على نظم الشعر وصياغته ما يخول لهم ابقاء القصائد المنقوصة فى مستوى فنى قريب من مستواها الأصلى . فلا جدال إذن فى أن الشعر الشعبى أدب لأنه (( كلام قيمته فى ذاته وفيما يرمى اليه من أغراض معنوية لذلك يحتفظ به شكلا ومضمونا )) .

2 - أما ما يسمى بالقصة الشعبية فاننا نشك شخصيا فى (( أدبيتها )) لانها مكونة من جملة من الأحداث التى تروى كل مرة بكلام جديد . فالنص اللغوى فى مثل هذه القصة لا يحتفظ به على الاطلاق وانما يتجدد باستمرار وهذا التجدد من شأنه ان يدخل على المعانى ذاتها تغييرات كثيرة لان الرواة يطلقون العنان لخيالهم فى تهويل الحادثات وتمطيطها أو تلخيصها وحذف جزئيات عدة منها ، كل ذلك لعدم تقيدهم بنص معلوم موحد ، متفق على صحته من طرف الجميع . وعلى كل فان القصص الشعبية يقع الاحتفاظ عادة بأحداثها ومعانيها واهمال أساليبها والكلام الذى هى متجسمة فيه وحتى ان ألفيت فوارق شتى بين أحداث القصة الواحدة المروية بطرق متعددة فانك تلاحظ دون صعوبة اشتراكها فى الخطوط العامة والنقاط الرئيسية .

ومن هنا نستطيع ان نقول : (( ان القصة الشعبية هى القصة التى يحتفظ باحداثها لا بلفظها مع خضوعها لجملة من القواعد الفنية البسيطة المسماة بــ (( الأدوات القصصية )) كالتشويق والمفاجأة وما الى ذلك . . . )) فهى من قبيل الكلام العادي لان قيمتها فى معانيها لا فى ذاتها .

الأدب الطلائعي : ان الأدب الطلائعى هو الأدب الذى يكسر القواعد المتعارفة ويحطم الحواجز الفنية التى يتواضع عليها الناس ، خاصة عندما تصل هذه القواعد وتلك الحواجز الى حد من الرتابة والاجترار والتحجر يجعلها لا تتماشى مع روح

العصر ولا تستجيب لمعطياته المختلفة ... لذلك تنشأ محاولات جريئة ، تغلب عليها الرصانة أحيانا والتهور أخرى ، تستهدف استبدال القواعد الجامدة لقواعد أكثر مرونة ودقة واقرب الى ذوق الانسان المعاصر وألصق بأساليبه الحياتية في بيئة ما . لذلك لا بد من اعتبار هذه المحاولات مرحلة انتقالية يمر بها الأدب اثناء تجدده اى تجدد اشكاله وصيغه والملامح التى يتجلى فيها .

فالأدب الطلائعى إذن وسيلة لا غاية ، تنتهى مهمته عندما يقع العثور على قواعد جديدة ويعود الى الظهور حين تتصلب هذه القواعد مع مرور الزمن وتبدل أوجه الحياة وتغير معطياتها .

فهو من هذه الناحية بحث ولا أدب ولا يمكن ان نعده من قبيل الكلام الأدبى أو الكلام العادى لأنه يفتح ذراعيه لكلا النوعين ويستمد منهما ما هو فى حاجة اليه . فلا نتعجب إذ الجأ الكاتب الطلائعى الى اللغة الدارجة أو الأساليب الصحفية الجافة فهو ينقب عن السبيل الذى يؤدى به الى الأدب الكامل ، الأدب الذي تنسجم اشكاله الفنية مع المحيط الذى يعيش فيه الكاتب .

بين الثورية (( الشكلية )) والثورية (( المضمونية )) : 1 - ان الأدب العربى عامة لم يتخلص فى معظمه من سيطرة المضمون واستهوائه لنفوس الكتاب والقراء . وهذا أمر خطر الى حد بعيد لانه يدل على  استفحال الأزمة التى يتخبط فيها أدبنا العربى فى هذه الفترة العصبة من تاريخه . وهذه الأزمة قد ازدادت عنفا وضراوة بانقسام القراء والكتاب الى شقين متباينين ، كل شق منهما منضو تحت راية قطب من هذين القطببين وهما :

أ ) نزار قبانى وشعره الغزلى .

ب ) عبد الوهاب البياتى وشعره (( الثورى )) .

وما من شك فى ان هذا الانقسام ينبئ بانحطاط فى المستوى الذهنى والثقافى لدى القارئ العربى لانه لا يفرق بين الأدب والخرافات من ناحية والأدب والسياسة من ناحية اخرى .

أما نزار قبانى فانه استغل الحرمان الجنسى الذى يعانيه الرجل العربى

لاسباب تاريخية ودينية واجتماعية معروفة لحفر أعصابه بكلام مثير ، يجد فيه المريض النفسانى ضالته المنشودة وتفريجا لكرباته ووساوسه .

واما البياتى فانه جمع حوله كل الثوريين العرب اى المناصرين للأنظمة الثورية العربية فأحبوا شعره لأنه يخدم اغراضهم السياسية لا غير . فكان الخلط الشنيع بين الثورية الأدبية والثورية السياسية .

وهكذا انقسم الشعراء العرب الى شاعر يحب المرأة وآخر ناقم عليها وثالث هاو للطبيعة ورابع عاشق للعمل وخامس داع للثورة وسادس مشيد بالفلاحة والزراعة والكادحين . . . الخ . . .

وبكلمة واحدة أصبح الأدب العربى يستمد اتجاهاته من ميادين خارجة عن نطاقه ولا يتطور تطورا داخليا فنيا . وهذا ناتج عن كسل الكتاب والشعراء واهمالهم الفظيع للشكل وتوقهم العارم الى تسخير الأدب فى خدمة المرأة أو السياسة أو الطبيعة وما الى ذلك . . .

2 - أما فى خصوص القصة فان المسألة أعقد وأكثر غموضا وتشعبا . اذ ان القصة العربية التى اشتهر . بكتابتها فى هذه السنوات الاخيرة بعض القصاصين العرب كنجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس وسهيل ادريس وغيرهم لم يطرأ عليها أى تغيير ايجابى إذ ظلت مجرد اصداء متفرقة لما خلقه الكتاب الغربيون وان استمدت هذه القصة مواضيعها من الواقع العربى الراهن . واذا القينا نظرة فاحصه على كل ما كتبه نجيب محفوظ الى حد الآن تبين لنا انه مجرد مسايرة لتطور القصة الغربية فلقد كتب محفوظ القصة التاريخية ثم القصة النفسانية ثم القصة السريالية واخيرا قصة اللامعقول (( تحت المظلة )) وهذا يدل على ان هذا الكاتب لا يولى اهتمامه مطلقا للخلق فى الشكل وانما يستنبط مضامينه من واقعه لصهرها بعد ذلك ضمن قوالب واشكال مستوردة .

وأخيرا اذا تأملنا فى القصص الشابة التى بدأ ينشرها الكتاب الطلائعيون المصريون من امثال شفيق مقار ويوسف القط وحسين على حسين لا بد اننا نلاحظ عنابتهم بالتجديد الرصين فى الشكل وان بالغ البعض منهم فى استخدام الادوات الجديدة كتيار اللاوعى والمونولوق وحديث الذاكرة والبناء السمفونى وما شابه ذلك ... وهذه المحاولات فى رأينا سوف يكون لها شأن كبير فى المستقبل . . .

والذى نؤمن به وندعو اليه ونرجو ان يفهمه القصاصون فهما جيدا واضحا لا غبار عليه هو وجوب التأمل في الواقع العربى واستمداد أشكال قصصية فنية منه حتى نتمكن من خلق النوع القصصى العربى المنشود الذى سيشق طريقه الى جانب الانواع القصصية الغربية المعروفة كالنوفيل والكونت والرومون . وحتى يتحقق هذا النوع القصصى العربى لا بد للنقاد العرب ان يقفوا بالمرصاد لكل المحاولات الرامية الى استيراد الاشكال الغربية وان يدعوا أصحابها الى نهج سبيل التجريب والبحث عن القصة العربية الأصيلة .

الأدب الطلائعى التونسى فى المقدمة : ويمكن القول ان الأدب الطلائعى التونسى هو الأدب العربى الوحيد الذى تفطن أصحابه الى ضرورة الكف عن تقليد الغربيين ومراجعة الهياكل التى انبنى عليها الأدب العربى طيلة تاريخه الطويل قصد ربط ماضيه بحاضره ومستقبله ربطا طبيعيا محكما ، خاضعا للقوانين الداخلية التى تتحكم فيه .

فالمحاولات القصصية والشعرية وما فوق القصصية والشعرية فى تونس تعد قفزة كبيرة فى تاريخ الأدب التونسى خاصة والأدب العربى على وجه العموم لأنها المحاولات الأولى من نوعها التى اتجهت الى تطوير الأدب العربى تطويرا داخليا متصلا بفنياته الشكلية . والغريب انها لا تزال تلاقى استخفافا كبيرا من طرف القراء وهذا الاستخفاف ناتج فى نظرنا عن أسباب لا جدال فيها ، اهمها ان قراء الأدب التونسى هم غالبا قراء فى الوقت ذاته للمجلات الشرقية ومن ثم فهم متأثرون بالأدب المضمونى الشرقى وبالتابع تجدهم انصار إما لمدرسة نزار قبانى الغزلية أو مدرسة البياتى وامثاله (( الثورية )) ولذلك فانهم لا يرون طائلا من وراء التجارب الشكلية التونسية .

اما الصنف الثانى من القراء فهم من المتقنين للغتين العربية والفرنسية وهؤلاء لم يفهموا بعد ان للأدب الطلائعى التونسى خصائص ذاتية وان لا صلة له بالتيارات الغربية الحديثة كــ (( الرواية الجديدة )) و (( الرواية الجديدة الجديدة )) وغيرهما ، ومع ذلك فانك تجدهم دائما يحاولون ربط كل قصة أو قصيد أو نظرية أدبية تظهر فى تونس بانتاج آخر وارد من خارج الحدود .

ولذلك يمكن الاعتقاد ان القارىء التونسى لم يولد بعد .

الأدب الطليعى التونسى ليس ادبا بورجوازيا : ان ما يتهامس به بعض الناس فى هذه الأيام بالكواليس والمطاعم الجامعية

والمقاهى هو أن الأدب الطلائعي التونسى أدب بورجوازى لان أصحابه يهتمون بالشكل أكثر من المضمون ولأنهم لا يأبهون للشعارات الثورية المعروفة ولم ينصرفوا انصرافا كليا الى الاشادة بالكادحين والعمال . . . الخ . . . الخ . . .

ولو تأملنا هذا الرأى جيدا لاتضح لنا انه صادر عن أشخاص لا يفرقون بين الأدب والسياسة بل لا يهمهم الأدب فى شىء ، لذلك كل ما يريدونه هو ان يكون الأدب بوقا للدعاية السياسية اى ان يكون الأديب سادنا لرجل السياسة وتابعا له وخادما لأغراضه والأديب فى تونس يريد ان يكون سيدا فى ميدانه وان يترك السياسة للسياسيين ، مع العلم ان المشاكل الأدبية والحديثة منها على وجه الخصوص لا تقل خطورة وتعقدا عن أعوص المشاكل السياسية وأكثرها تشعبا وغموضا .

فالأدب أدب والسياسة سياسة والفلسفة فلسفة والعلم علم وكل منتسب لاى ميدان من هذه الميادين سيد فيه ، لذلك واجب عليه ان يضطلع بالمهمة التى حددها لنفسه وان يترك بقية الميادين لأهلها وذويها . ولا يخفى ان مهمة الأديب العربى فى هذا العصر مهمة شاقة تنوء بحملها الجبال وهى تطوير الاشكال الشعرية والقصصية العربية الجامدة وتطويعها قصد خلق أدب حديث ذى طابع نوعى يميزه عن بقية الآداب العالمية الأخرى . ولذلك لا بد ان يطور مفهوم الخلق عنده اى ان يتجاوز مرحلة المضامين التى لا تسمن ولا تغنى من جوع فماذا يستطيع ان يفعل الشعر الثورى او شعر (( القضية )) بصورة عامة ؟ ان أصحابه يهدفون الى (( تحريك سواكن افراد الشعب )) ولكن هل ان افراد الشعب يقرؤون الشعر ؟ هل ان الشعر وسيلة ناجعة من وسائل الدعاية السياسية فى هذا العصر ؟ ان هذا النوع من الشعر وغيره لا تقرؤه الا نخبة معينة من المثقفين وهذه النخبة ليست فى حاجة الى الشاعر لكى تثور على الامبريالية أو تتألم لمصير الشعب الفلسطينى ، انها ثائرة بطبعها على الامبريالية ومتألمة بطبعها لما يلقاه أبناء فلسطين من اضطهاد واستعباد . فما هو دور الشاعر إذن ؟ انه يدعى الاشادة بعمل الكادحين ولكن هل يقرأ الكادحون شعره ؟ الا يجدر ان نخاطب الجماهير بالاذاعة والتلفزة او غيرهما من الوسائل المباشرة التى تفى بالحاجة فى مثل هذه الحالات ؟

كل هذه الاسئلة نلقيها على الشعراء الذين يستهويهم مثل هذا الاتجاه ويدعون اليه عليهم يقنعوننا بجدوى الشعر الذي يكتبونه .

النقد الطلائعي والشعر (( الهادف )) : وعلى الرغم من كل هذه الاعتبارات السالفة الذكر أرجو أن يفهم شعراء (( القضية )) ان النقد الطلائعى ليس معاديا لهم وانه ليس من شأنه ان يتدخل فى مقاصدهم وأغراضهم المعنوية ، ايمانا منا بأن المضامين لا تهم الا الكاتب وحده وان الشكل هو الذي يجب أن يتوجه اليه النقد ، فنحن مستعدون لنقد أى انتاج شعرى تتضح منه عناية صاحبه بالتجديد فى الشكل سواء أكان هذا الشعر هادفا أم غير هادف لان هذه الناحية اى التجديد فى الشكل هى التى يهتم بها النقد الطلائعى بدون اى اعتبار للمضمون والمقاصد .

لكن الشعر (( الهادف )) والحق يقال لا يزال حتى هذه اللحظة خاضعا للأوزان الخليلية التى أكل عليها الدهر ولم يشرب .

نحو نظريات تونسية معاصرة : لقد حاولت فى كل المقالات التى نشرتها الى حد الآن بمجلة (( الفكر )) و (( الملحق الثقافى )) لجريدة (( العمل )) ان أثير مشاكل أدبية متصلة بالشكل القصصى أو الشكل الشعرى اعتقادا منى ان هذه المشاكل جوهرية ولا بد من النظر فيها ودراستها حتى نطور الاشكال الجامدة التى ورثناها عن الاجداد ( وهى حية طيعة فى عصرهم ) . لكنني وجدت فراغا فى النظريات فحاولت ان أملأه بعدة اشياء لم أكن راضيا عنها كل الرضى ولكنها مرحلة أولى لا بدا من المرور بها قبل بلوغ النقد الكامل ولكى ندرك هذه المرحلة يجب فى نظرى أن :

1) نقرأ النصوص الطلائعية . 2 ) وأن نصفها وصفا شكليا . 3 ) وأن نترك المضامين لأصحابها .

وهذه الطريقة طبعا لا تهم الشعر الموزون لان القصائد الخليلية مقولبة ولا يفيدنا وصفها فى شىء بل تطبق بيسر على اشعار (( غير العمودى والحر )) واشعار العيادى والتونسى واشعار صالح القرمادى ونصوص محمد المصمولى . كما تفيدنا هذه الطريقة إذا ما اعتزمنا دراسة القصة التجريبية والقصة الطلائعية التى يرفض أصحابها كلمة (( تجريب )) والنصوص التى يرفض كتابها كلمة (( قصة )) ( محمود التونسى - البشير بن سلامة ) .

وهذا الوصف هو مرحلة أولى يجب ان نمر بها قبل ان نصل الى استنباط نظريات أدبية تونسية يمكن بواسطتها فيما بعد خلق نقد تونسى ذى اتجاه علمى صحيح .

اشترك في نشرتنا البريدية