الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7الرجوع إلى "الفكر"

لماذا التعريب ؟ (*)

Share

عندما طلب منى إخوان لى فى اتحاد الطلبة أن أشارك فى أسبوع التعريب الذى قررت منظمتهم الخوض فيه لم يكن رد الفعل منى إلا من قبيل الشعور بالمسؤولية فى المشاركة فى موضوع فرض نفسه ، لست أدرى ، كيف ؟ ولكنه أصبح يقلقل مضاجع التونسيين الذين يفكرون ولو لحظة من حياتهم فى مصير وطنهم . سواء كان منهم المدفوع بعاطفته أو المختار فى أمره أو المنكر انكار الرفض . هكذا تفرض المواضيع نفسها وخاصة اذا كانت قومية تشغل بال معظم الناس ويتجاوب معها أغلبهم .

ولقد اخترت ألا أقف من هذا الموضوع موقف المتحمس فقط المقتنع تمام الاقتناع بشرعية طرح هذه القضية ونصرتها والعمل على انجاحها بل رأيت أن أضع نفسى موضع المختار فى هذا الأمر أو المنكر له لأننى أعتقد أن كل موضوع يحتاج إلى معطيات تنير ذوى النوايا الحسنة من المحتارين أو المنكرين ، وتعطى أيضا للمتحمسين أسلحة أمضى وأحد للدفاع عن قضيتهم دفاعا يرجح كفة العقل على العاطفة ويتيح أكثر من ذلك للجانحين الى الأمانة الفكرية دون العاطفة الوطنية من الرافضين لشرعية هذه القضية فرصة النظر إليها نظرة هى أقرب الى الموضوعية منها إلى الحماس .

ولهذا سألت نفسى مثلما يتساءل المختار أو المنكر ، لماذا التعريب ؟ لماذا نتحدث عن التعريب بصفة مطلقة ؟ ولماذا هو مشكل أو مسألة أو قضية ؟ ولماذا فرض نفسه فى هذا الظرف بالذات ؟ وما هى الفائدة من تحقيقه فى بلادنا ومدى خدمته لتونس فى معركة التقدم والنهوض من كبوة التخلف ؟

ثلاثة أسئلة إذن تتطلب البحث والصبر لأنها تفرض وقد فرضت على ان

أرجع الى سحيق التاريخ وأن لا أكتفى بالبراق من الآراء والزائف من الشعارات مهما كانت سواء السياسية منها أو الاقتصادية . اذ أعتقد أن مجتمعنا لن يستفيد أبدا من الخطب التى تهز العواطف بل هو فى حاجة الى المعرفة ، معرفة كل ما يتعلق بأحواله فى مختلف أبوابها . والمتثقف الذى ينشد الثقافة فى مجتمعه هو الذي ساهم بقدر جهده وبقدر معارفه فى الافادة والاستفادة . وقد دفعني هذا الاعتقاد الى أن أساهم المساهمة المتواضعة فى هذا الموضوع عارضا ما انتهبت اليه من بحث فى هذه القضية حتى أفيد بما عندى ان قدرت على ذلك .

وإن الذى أعرضه ، اذا هو جزئ وأخذ كل عنصر على حدة ربما يثير حفيظة البعض ونكران البعض الآخر واذا هو اقتصر فيه على الوقوف على بعض الكلمات التى تحمل حساسية من شأنه أن يحرف ما أريده .

ذلك أنني لم أدرس الموضوع حسب مذهب معين أو اتجاه سياسي مضبوط بل حاولت أن انظر الى الموضوع كتونسي قبل كل شئ يريد لوطنه الخير والازدهار والتقدم .

لهذا فانى أجهدت نفسي أن أكون أقرب فى معالجتى للموضوع الى الطريقة العلمية الموضوعية التى تنطلق من الوقائع والاحداث الثابتة الى نوع من التقنين آمل ان يرضى الكثير منكم وإن لم يرض بعضكم فانى ألتمس من هؤلاء أن لا يعدوا الاختلاف في الرأى ضربا من الحرب والمناوأة ومدعاة الى الارهاب ، إرهاب من لا سلاح له إلا الفكرة يجردها فتثبت ، إن كانت لها نصاعة الحق وشمول الخير وفتنة الجمال وتذهب هباء إن أعوزها العمق ونخرها الباطل .

وكما قلت فان قضية التعريب هذه ترجع الى سحيق التاريخ فلا يمكن أن يعرف الباحث دخائلها إلا إذا نظر إلى تاريخ هذه البلاد القديم جدا وعرف ما احتاجه العرب الفاتحون عند نزولهم بهذه الارض من ذكاء وفطنة وشدة مراس وشجاعة ليعربوا هذه البلاد كما انه من واجبه أن يعرف أيضا الأسباب التى جعلت سكان هذه الأرض يندمجون تماما فى العنصر العربى ويؤثروا فيه بدورهم ويجعلون من اللغة العربية ركنا من أركان شخصيتهم .

طبيعة الأشياء بالنسبة إلينا

قال موسى بن نصير عندما سأله سليمان بن عبد الملك عن البربر : " هم اشبه العجم بالعرب " لست أريد أن ادخل هنا فى جدال عن أصل سكان هذه

البلاد فى سحيق التاريخ وهل هم ينتسبون الى الاجناس الشرقية أو الغربية رغم أن آخر النظريات أصبحت تميل الى القول بأن البربر شرقيون بل أريد أن أكتفى بمجرد الملاحظة التى وقف عندها العلماء حائرين وهي سرعة تجاوب البربر مع العرب وانسجامهم معهم وانصهارهم فيهم .

وجاء فى دائرة المعارف الاسلامية ، الطبعة الجديدة ما يلى : " إن العرب المهاجرين ( فى الفترة الأولى قبل زحفة بني هلال ) كانوا أكثرهم من الحضر . فكانت المدن التى كانوا فيها جزءا لا يستهان به من السكان مراكز للتعريب . وكانت اللغة العربية بحكم ما كان للمنتصرين من هيبة وبحكم التعليم الموجود فى الكتاتيب والمساجد ، وبحكم الروابط الاقتصادية والتردد على الأسواق ، تنتشر مع انتشار الاسلام فى المدن وما حولها " (1) .

ثم بعد أن زحف بنو هلال وسليم ، ورغم ما قاموا به من أعمال ، وهم أجداد الكثيرين منا فى تونس ولا يليق بنا أن نتحدث عنهم حديث من لا يتورع عن سب أجداده فانه من الملاحظ أيضا أن هؤلاء الاعراب كانوا أشد انسجاما مع البربر من العرب الحضر الأولين الذين دخلوا البلاد في قرون الفتح الأولى ولقد جاء أيضا فى دائرة المعارف الاسلامية :

" إن هؤلاء البدو المشارقة الذين انصهروا فى حياة البرير أشد الانصهار كان لهم القسط الأوفر في نشر اللغة العربية . . . غير انه يجب أن نقرأ حسابا ، علاوة على تعريب البربر ، لبربرة هؤلاء العرب واستقرارهم في المدن والقرى شيئا فشيئا وانتحالهم لحياة أصبيل البلاد . . . " (2) .

وفى مكان آخر من نفس هذا المصدر نجد أن : " المجموعات البربرية الساكنة بالسهول والنجاد اختلطت بالعرب ، وأخذت شيئا فشيئا تتخلى عن لغتها وعاداتها ، حتى أنها فقدت اسمها الأصلي لتعوضه باسم شخص يرفعون نسبهم إليه : وهكذا تعربوا " (3) .

كل هذا لأؤكد أنه رغم ما وجده العرب الفاتحون فى أول الأمر من صعوبات وما خاضوه من فتن كان سكان البلاد يثيرونها فى وجه المسلمين فانهم ما لبثوا أن انصهروا فى العرب وخاصة فى بلاد مثل بلادنا ليس فيها جبال منيعة كما هو الشأن فى الجزائر وفي المغرب الأقصى .

وهذا بطبيعة الحال يدعو الى الاستغراب من قوم لم يعرفوا الانصهار تماما فى الأقوام الذين سبقوا العرب مثل الرومان الذين بقوا فى البلاد قرونا ولم يصلوا الى النتيجة التى وصل اليها العرب فى بضعة قرون .

هذه أول مرة لم يشعر فيها سكان البلاد بالغربة فى لغة الغاصب إذ تبنوا العربية وأصبحت لغتهم يعتزون بها ولا يستعيضون عنها بغيرها تلك الغربة التى كان يحس بها أصيل البلاد عندما بث الرومان اللاطينية فى ربوعنا ورغم أنه حذق هذه اللغة وكتب فيها وأنشأ الروائع التى ما زالت تدرس الى اليوم فانه كان يحس بالغربة فى اللغة اللاطينية .

وإن دراسة أدب هذه الفترة من هذه الناحية لتدلنا فى الواقع على سر انتشار العربية وتغلغلها فى نفوس سكان هذه البلاد إذ المقارنة بين ما كتبه الأفارقة باللاطينية وبين ما كتبوه بالعربية يؤكد لنا أمرا غريبا جدا . من جهاز شعور بالغربة فى اللغة اللاطينية ومن جهة أخرى شعور بالتلاؤم في العربية وكأنها لغة الأجداد منذ الأحقاب والأحقاب .

قال بول مونصو فى كتاب له عن الأفارقة الذين كتبوا باللاطينية : " ستبقى الى ابد الآبدين فى ذهنهم وأسلوبهم آثار لغتهم الأم وهى ذكرى باهتة لسنوات الطفولة ورسوخ للغة الحديث اليومية ، ووفاء لاشعورى لأجدادهم القرطاجيين والبربر " .

واللغة الأم بالنسبة لسكان هذه الأرض قبل الفتح الاسلامى هى البونيقية أو الليبية . ومن هنا نفهم السر فى أن الأفارقة الذين حذقوا اللاطينية وكتبوا بها لم يتخلوا عن لغتهم لأن اللاطينية هي من فرع آخر غربى بينما البونيقية أو الليبية هى من فرع شرقى .

لهذا فاننا نجد فى كتابات هؤلاء أصداء كما قال بول مونصو لهذا التراث الشرقي عن طريق لغتهم الأم . ولهذا السبب وهنا أفتح قوسين فاننا لا نعرف فى تاريخ هذه البلاد انسجاما آخر من قبيل انسجام الأفارقة مع العرب غير الانسجام الكبير الذي عرفه الفينيقيون عندما أسسوا قرطاج مع أصيلى

هذه البلاد . واذا كانت المصادر تعوزنا عن مدى الاختلاط بين هؤلاء القادمين وبين الافارقه فان النتائج العظيمة التى حصلت عليها قرطاج من اشعاع وعظمه وقوة وهى الشبيهة بالنتائج التى حصلت عليها القيروان مع الأغالبة والمهدية مع الفاطميين وتونس مع الحفصيين قلت ان النتائج التى حصلت عليها قرطاج لتدل على أن انصهارا كبيرا وقع مع الفينيقيين والافارقة أحال هذه الحضارة إلى حضارة نوعية هي الحضارة البونيقية .

وهذا لا يمكن أن يدل إلا على أن سكان هذه الأرض أقرب إلى الشرق فى مزاجهم وعاداتهم وطباعهم ولغتهم منهم الى الغرب .

ولهذا فان كل قادم من الغرب اصطبغ حكمه بالاستعمار وأحس أهل البلاد معه بالغربة . انظروا الى الكتاب الأفارقة اللاطينيين مثل القديس أغسطينوس وأبليوس فانهم كم تغنوا ببلادهم وهتفوا لها واعتبروا أنفسهم غرباء في هذه اللغة . انظروا أيضا الى الكتاب الجزائريين الذين ألفوا بالفرنسية فى هذا القرن كيف اعتبروا أنفسهم غرباء فى هذه اللغة رغم قدرتهم عليها وهذا وهذا لا يحتاج الى دليل وهو شائع الآن معروف في أقوال مالك حداد وأضرابه .

هذه الغربة فى المجال اللغوى لم نعرفها عند كتاب هذه الأرض بالعربية ، فنحن لم نقرأ ابدا لعباقرتنا ما يدل على أنهم يعتبرون العربية غريبة عنهم . فكأنه كتب على هذه الأرض من أول التاريخ أن تسير فى هذا الاتجاه وهو ما سجله شارل اندرى جوليان فى كتابه تاريخ إفريقيا الشمالية عندما ذكر الزحف العربى قائلا : " لم تجر الأحداث مجرى السيل الحارف بل كانت بمثابة المد الذى يزحف من دون توقف ؛ فلم يسجل التاريخ في تلك الحقبة معركه ولا حدثا ذا شأن . بل هو الدفق المنتظم في غير عنف ولكن بلا هوادة . ." .

وهكذا فكأن إفريقية كانت على موعد مع العربية مثل سائر بلدان المغرب العربى وأقطار المشرق العربى كلها التى لم تعرف العربية قبل الفتح الاسلامى مثل مصر . وهكذا أصبحت اللغة العربية تسير فى دمائنا وتكون العنصر الدائم القار الذى لا يمكن أن نحيد عنه وكأنه الضمير الذى يخز كلما تردى الفرد فى الانحراف عن سواء السبيل وهذا ما سنراه فيما بعد .

هذا الذى قلته وأكدته لا يمكن أن يختلف فيه الناس كثيرا اللهم إلا المتحامل إذ ردده الكثيرون من الباحثين العرب ومال اليه المستشرقون كما رأيتم غير أن الذى يجدر التنبيه اليه هو أن الانصهار الذى وقع بين العرب

الفاتحين وسكان افريقية لم يبرز فى قالب غلبة لأنه لم يتغلب كما هو الشان بالنسبة للرومان عنصر على عنصر بل إن كلا العنصرين العربى والأفريقى أعطيا من خصائصهما وكونا بشرا خاصا تاثر بالبيئة وبالمناخ وبمقتضيات الحياة .

واذا كانت الأقوام الأخرى من رومان وغيرهم ، وان فرضت لغتها بالقوة والغلبة ، لم تسيطر روحيا وكيانيا على أصيلى البلاد اذ بقى هؤلاء يحسون بالغربة فى لغة الغالب فان الأمر بالنسبة للبلدان التى عرفت الفتح العربى على الأقل على الصعيد الثقافى والأدبى كان يتسم بنوع من الغربه لا تمس اللغة ولكنها تتعلق بالذهنيات والاتجاهات الفكرية والمذهبية .

وهذا فى الواقع هو الذي أثرى الحضارة العربية الاسلامية وأعطاها الطابع الذى نعرفه لها اليوم وميزها عن غيرها من الحضارات الشرقية الأخرى وبالأحرى على الحضارة الغربية . ذلك ان هذه الغربة الجديدة وجدناها فى المحال الأدبي عن المولدين الذين ، وإن اعتنقوا اللغة والدين فانهم اعتبروا نفسه غرباء في الأساليب الأدبية العربية البحث ولهذا جددوا ولهذا انكروا الوقوف على الأطلال ولهذا تغنوا بامجادهم سواء كانوا فرسا أو أندلسيين أو مغارية . لقد حافظ كل واحد على نوعيته وأشاع فى لغة الضاد ثقافته شعر أم لم يشعر وأعطى لونا من التفكير ولونا من الأدب لم يعرفه الأدب العربي ولا الفكر العربى من قبل .

وعلى هذا الأساس تحولت الغربة من غربة لغوية جوهرية الى غربة يؤلف بينها قاسم مشترك هو الحضارة العربية الاسلامية . فالحضارة العربية الاسلامية ، هي الجامع بين جميع الشعوب العربية ولكنها تحمل وقد حملت من الأول ، ثقافات متعددة بقيت هى المميز لكل شعب وهي التى قوت ومتنت نوعية كل بلد عربي الى الحد الذى جعلت من كل شعب أمة كاملة . هذه التحديدات قد كتبت فيها وهى تحتاج بطبيعة الحال الى كثير من الأدلة والحجج وليس هنا مقام الافاضة فيها . على أنه يجدر أن ألاحظ أن ما شاع من أسباب الانقسام فى الأمة الاسلامية عامة من أنه ناتج عن الخلافات وعن تنكبهم عن الدين هو أمر يظهر لي سطحيا الى حد بعيد . إذ أن كل من صدع بهذا الرأى لم يغص ولم يتعمق فى أسبابه الدفينة وكان الدافع فى الواقع عواطف دينية طيبة ولكنها لا تقنع الباحث (4) .

ذلك أن الحضارة العربية الاسلامية لم تثر إلا عن طريق ثقافات أخرى غير الثقافة العربية ، ثقافات أقوام وأمم لها خصائصها وشعورها بعزتها ولهذا فان العمل السياسى الأول الذى كانت له من القوة على فرض الطاعة على هذه الأقوام لم تكن له القوة ، وليس فى صالحه ، أن يقتل الثقافات الأخرى  ولهذا حافظ العالم العربي الاسلامى على تنوع هذه الثقافات فى صلب الحضارة العربية الاسلامية واستجازها وشجعها وأصبح كل قسم من العالم الاسلامى القديم ينتظر من القسم الآخر اللبنة التى توضع فى صرح هذه الحضارة .

فلقد كان الأديب فى بغداد ينتظر من الأندلسى شيئا جديدا حتى أنه يستاء عندما لا يجد نوعا متغايرا ويقول بضاعتنا ردت الينا . ولا يضير فى شىء إذن أن تنتمى كل الشعوب العربية الى حضارة واحدة وتكون لها ثقافات متميزة وتكون بذلك أمما متميزة . وإن هذا الذى أؤكده ليس بالجديد إذ الأمم تعرف وتتميز بما يصدع به عباقرتها من علماء ومفكرين وأدباء . وإن فى الأدب العربى الحديث وخاصة أدب النهضة من تغنى بوطنه الأصغر ورفع شأن امته وأشاد بماضيها كشوقى وحافظ وغيرهما . وإن ذلك ليقوى ويتفاقم بالنسبة للمغرب العربى فى كتابات أدبائه وإنه ليس من باب المغالاة اذا قلنا أن الغربة فى محتوى الأدب لا اللغة بقيت الى عصرنا هذا ولقد أحس بها عبقرى تونس وعبقرى العربية والعالم العربى أبو القاسم الشابى عندما قال فى الخيال الشعرى عند العرب :

" إن الذى يغض منا معشر التونسيين أن نتخذ من هذا الأدب ( أى الأدب العربى ) الذى لم يخلق لنا ولم نخلق له ، غذاء لأرواحنا ورحيقا لقلوبنا لا نترشف غيره " .

إنه أمر محير عند من ينعم النظر والكثيرون غضوا عنه الطرف ولم يعيروه أهمية بل هو صلب القضية وهو الذى أعطى لشعر أبى القاسم هذا النفس الذى راق لاخواننا المشارقة كما راق لهم من قبل ابن زيدون والحصرى .

وهكذا فان أبا القاسم لم يحس بغربة فى اللغة العربية كما أحس بها مالك حداد وكاتب ياسين فى اللغة الفرنسية وكما أحس بها فى غابر الازمان القديس أغسطينوس وأبوليوس فى اللاطينية ولكنه أحس بغربة أخرى هى غير ذات خطر ولكنها جوهرية وهو شعور بأن أدبنا يجب أن يتميز عن سائر الأدب العربى وأن نخلق أدبا يتلاءم مع خاصياتنا وهو شعور من أبى القاسم الشابى بأننا نكون أمة قائمة الذات الى جانب الأمم العربية الأخرى .

فى هذا القسم الأول من محاضرتى نظرت فى الجزء الاول من السؤال العام : لماذا التعريب ؟ وتبين أن ركن العربية فى ثقافتنا أمر حتمى ، تفرضه علينا طبيعة الأشياء ، وهو عنصر ممن عناصر شخصيتنا يجرى فى دمائنا ولا يمكن أن نستعيض عنه بعنصر آخر يتمثل فى لغة أخرى من دون أن نشعر بالغربية اللغوية . وكأنه كتب على هذه الأمة بما فيها سائر أمم المغرب العربى أن تبنى شخصيتها لبنة لبنة وببطء كبير وتعثر لا مثيل له . فان الكسب الكبير الذى غنمته هذه الأمة من الفتح العربى علاوة على الدين والحضارة بصفة عامة ، وهو إنتفاء الغربية فى المجال اللغوى ، نجده اليوم مهددا فى أبشع صورة فى هذا الضرب من الازدواجية المنكرة التى حطت الرحال بأرضنا .

وكأنه كتب على هذه الأمة فى هذا المجال أن تكون بمثابة سيزيف ( Sisyphe ) ،كلما بنت ركنا من شخصيتها ناله من التصدع - ما يجبر   أبناءها على معاودة الكرة مرة أخرى . وكأنها غيلان يبنى سده وجميع القوى الخفية تعمل على النيل منه وتحطيمه .

بهذه الصورة يكتسي ميدان اللغة وقد اكتسى منذ القدم ، صبغة الأزمة مما لا نجده بهذه الحدة فى المشرق العربى . فنحن ما زلنا فى طور الذود عن كياننا اللغوى ولهذا وضعت هذه القضية من جديد لأنها كما رأينا سرمدية باقية قائمة على مر الدهور .

ولكن لم اثيرت فى هذا الظرف بالذات ؟

لماذا فى هذا الظرف بالذات ؟ للاجابة عن هذا السؤال من الواجب أن نرجع الى الفترة التى عاد فيها التونسى يشعر بالغربة فى لغة أخرى غير لغته . وقد قلنا إن أصيل هذه البلاد قد انتفت عنه الغربية اللغوية يوم أن انصهر مع العنصر العربى والف العنصر التونسى البحث ولكنه عاودته هذه الآفة عندما أصيب مرة أخرى باستعمار جديد ألا وهو الاستعمار الفرنسى .

ومن ذلك الوقت أى بداية من الاحتلال الفرنسى رافقت أو سبقت حركة المطالبة بالتعريب أو إحلال اللغة العربية محلا أرفع ، الحركات السياسية فى جملتها .

واذا عرفنا أن ثلاث حركات سياسية هامة عمرت القرن العشرين في بلادنا وهي حركة الشباب التونسى فى أوائل هذا القرن وحركة الحزب الحر

الدستورى القديم بعد الحرب العالمية الاولى وحركة الحزب الحر الدستورى الجديد ابتداء من سنة 1934 ، تبين لنا مدى ما ستلقاه قضية اللغة العربية من عناية الوطنيين ازاء عزم المستعمر على احلال اللغة الفرنسية المكانة المرموقة وشروعه فى هضم جانب لغة البلاد علما منه أنها ستقف سدا أمامه تعرقل جهوده العامله على تحقيق سياسة الاندماج وانها ستكون الدرع الذى يقى الأمة التونسية من الذوبان لأنها فى اعتقاد كل الوطنيين ركن ركين من أركان شخصيتنا وعنصر أصيل من عناصر كياننا.

وإن الذى زاد فى الشعور بالغربة اللغوية عند أصحاب هذه الحركات الثلاث هو إيمانهم بأن لا مندوحة عن اللغة الفرنسية للفوز بالتقدم والالتحاق بركب الحضارة ؛ هي غربة فيها جبر واختيار : جبر من المستعمر الذى ينسج الأحابيل لينشر لغته ويحببها للتونسيين واختيار من أبناء الوطن لبخرجوا من الانحطاط الحضارى الى القوة التى تمكنهم من الصمود فى وجه المستعمر . وهى الى ذلك نشدان الى ضرب من التوازن اللغوي إن اختل كانت الكارثة فاما تحجر فى لغة ليس لها من الاطارات الكافية ما يخول لأبنائها التفتح على العصر وإما انحلال وتفسخ وذوبان فى الأجنبي .

ولهذا كانت هذه الغربة منشأ جدال بين أصحاب حركة الشباب التونسي : الحركة التى وقفت فى وجه المستعمر وأبلغت صوتها فى باريس عند انعقاد مؤتمر مرسيليا للمعمرين سنة 1908 وبين أصحابها انهم ينتمون : " إلى جنس ودين وحضارة لا تقل شأنا فى المجد التاريخى والقدرة على الاستيعاب عن أى جنس واى دين وأية حضارة لشعب من الشعوب القديمة والحديثة " (5) .

ولكن هذا لم يمنع اثنين من هذه الحركة من الاختلاف في هذا الموضوع : خير الله بن مصطفى وعلى باش حامبة . الأول يدعو الى تأسيس " كتاب عصرى تدرس فيه العربية بما فيها العلوم وهو اختيار للتعريب بصفة باتة والثانى يرى أن ذلك لا يرفع من مستوى التلامذة نظرا لقلة الكتب العلمية بالعربية . وانتهى بها الأمر الى الاتفاق على مساندة المدرسة العربية الفرنسية فى المراكز التى يوجد فيها الأوربيون ونشر " الكتاب " العصرى فى غيرها من

الأماكن كما اتفقا على : " أن نعلم بالفرنسية وندرس اللغة العربية " . ( linstruire en frncais et enseigner I' arube )

وكأن هذه الحركة قد أقرت غربة لغوية لا مناص منها حتمتها الظروف ولكن غايتها هي أن يقوى التونسيون تعليميا وثقافيا وبذلك يكون الطريق الى الأخذ بمقاليد الأمور فى البلاد وافتكاكها من أيدى الاجنبى . ولهذا كانت حركة الشباب التونسي حركة فكرية قبل أن تكون سياسية فى الظاهر . ولكنها لم تلبث أن تطورت واستفحل أمرها بين المواطنين الى أن أدى بنظام الحماية الى نفى الجماعة .

كل هذا يدل عل أن هذه الحركة الوطنية المطالبة باثبات الكيان التونسى والمحافظة على الشخصية التونسية لم يكن في مستطاعها أن تمهل عنصرا من هذه الشخصية وهي اللغة العربية وما تفرضه من مشاكل فى مجال التعليم أمام اللغة الفرنسية الزاحفة المغربية ، ولهذا كانت البلبلة وكان الجدال ثم أخيرا إقرار الغربة اللغوية كأشد ما تكون .

ثم لما تأسس الحزب الحر الدستورى سنة 1919 على يد عبد العزيز الثعالبى واعتبر بما كان من نصيب جماعة الشباب التونسى من نفى وتشريد رغم مجهودهم الكبير فى التعاون مع الدولة الحامية كان التصلب وكان الخوف من الغربة اللغوية وكان التشبث باللغة العربية وإدانة الادارة الاستعمارية على تهاونها بتدريس لغة البلاد . لهذا : " يلمس الباحث بتتبع الموضوعات التربوية والثقافية التى كانت توليها الصحف والمجلات عناية خاصة مدى اهتمام هذه الصحف بتعليم اللغة العربية فى المدارس باعتبارها من أهم مقومات الشخصية التونسية ، ووسولة التعبير عن التفكير التونسي " (6).

وهكذا يمكن ان يلاحظ الباحث أن الحركة السياسية التى قام بها حزب منظم لأول مرة فى تونس سبقتها حركة تثقيفية فكرية قام بها جماعة حركة الشباب التونسى ولكنها منيت بالفشل إذ سرعان ما أتت الحرب العالمية الأولى وأجلت الحركة القومية الى حين حتى هدأت الحرب وظهر كما قلنا الحزب الحر الدستورى .

وإنه لمن الطريف جدا أن نجد بالنسبة لكل من الحركتين السياسيتين

اللتين سيقوم بهما الحز الحر الدستورى الجديد فى فترتين تفصل بينهما الحرب العالمية الثانية : الفترة الاولى من سنة 1934 الى سنة 1938 والفترة الثانية من سنة 1948 الى الاستقلال ، من الطريف أن نجد حركة فكرية وأدبية زاخرة الأولى : الحركة التى برز فيها الشابى وقامت فيها مجلة العالم الأدبى لزين العابدين السنوسى بمجهود كبير لتدعيم الأدب التونسى واشتهر فى نفس تلك الفترة المحامى الشاب الحبيب بورقيبة بفصوله المكتوبة بالفرنسية والذادة عن الشخصية التونسية ومقوماتها والثانية وهي الحركة التى برزت فيها مجلة " المباحث " التى انصرفت فى افتتاحياتها ودراساتها ومقالاتها الى نجلية الشخصية التونسية من الأدران وكان يسهر على حظوظها المرحوم محمد البشروش ثم الاستاذ محمود المسعدى وما لبثت عند توقفها أن برزت جريدة الرسالة ( Mission ) لسان الحزب الجديد الناطقة بالفرنسية والتي كان يشرف عليها الاستاذ المحامى الهادى نويرة ويدبج افتتاحياتها .

وإنه اذا سلمنا مع بعض النقاد الفرنسيين : بـ " أن الحساسية الأدبية تسبق ، فى مجال الفاجعة التاريخية ، التاريخ ٠٠0 وان الأدب بقى المقياس الوحيد الذى يستكشف المستقبل ويفهم الحاضر إذ أن الذين يكتبون يحسون بالجو الذي يكون عليه الغد ، ويتلقون الريح الأخلاقى أو اللا أخلاقي الذى سينفخ غدا ويتنبهون الى عواصف التاريخ " (7)  إذا سلمنا بهذا فاننا لا تستغرب تلك الصرخات التى كان يطلقها أبو القاسم الشابى عالية قبل انطلاق الحزب الجديد في مغامرته السياسية الكبرى ولا نتعجب من افتتاحيات " المباحث " المدوية وأدب محمود المسعدى المأوى المنشور فى هذه المجلة قبل قيام الثورة التونسية الاخيرة .

ولكن يقول القائل أبن اللغة العربية من كل هذا وأين التعريف وأين الغربة اللغوية ؟ هو بالضبط ما سأبينه .

إن الفترة التى عاش فيها الشابى اتسمت بظاهرة طبيعية وهي الوطنية العميقة والخوف على تونس من الضياع و " إحياء أدبها ورفع اسم تونس العزيزة عالية بين أسماء الشعوب " و " تحمل كل شئ فى سبيل النهوض بتونس وآدابها " ما دام القصد هو " إحياء الوطن والرفع من شأنه بين الشعوب " (8) .

ولهذا قامت الدعوة الى ادب قومى " تونسى نحس فيه بوجودنا ونستروح منه عبقرية امتنا " (9) ومنه نتج الخوف على اللغة العربية وتوقع أن الامر لا يعدو أن يكون " شراكا منصوبة من طرف المستعمرين " (10)  لاحلال العامية محل الفصحى ولترك الباب مفتوحا الى الفرنسية لان اللغة الفصحى بقيت هى السد المنيع فى وجه المستعمر الذى يكيد لها المؤامرات " لاغتيالها " (11) .

وهكذا فانه كلما أحس التونسى بالحاجة الى الدفاع عن كيانه إلا والتفت الى لغته وصانها وحفظها من المؤامرات وذاد عنها لأنه لم ينس ولا يمكن أن ينسى أن أمامه لغة أخرى وهى الفرنسية تتربص بلغته الدوائر . فالتونسى الوطنى الحساس آنذاك كان يخاف من الغربة اللغوية التى ربما ينزلق اليها من دون أن يشعر ويصبح الغريب تماما بعد أن افتكت منه مقاليد حكم نفسه بنفسه وأصبحت حظوظه بأيد أجنبية .

وليس أبلغ من الذي ذكرت ما قاله أبو القاسم الشابى فى رسالة له عند الحديث عما يجب ان يتوجه به الناصح الى الأجيال الصاعدة إذ من واجبه " أن يرشدهم بعبارات مفهومة الى واجباتهم المدرسية ويوصيهم بالكد والعمل ويحرضهم على الاجتهاد فى تعلم العربية ويبين لهم محاسنها ومزاياها وينقش كلامه فى صفحات تلك القلوب الطاهرة ويكون له تأثير فى نفوسهم وصدى بعيد " (12) .

وهو خوف ليس فيه التباس على لغتنا من أن يضعف شأنها بين الأجيال الصاعدة ولكنه مع ذلك ، والى جانب شعوره بالغربة نحو " الأدب العربى الذى لم يخلق لنا ولم نخلق له " ، فانه ، وإن لم يحس بالغربة اللغوية التى أحس بها من كتبوا قديما باللاطينية وحديثا بالفرنسية ، شعر بضرب آخر من الغربية الادبية ازاء الفرنسية التى لم يتعلمها إذ قال : " وإنه ليحز فى قلبى ويدمى نفسى أن اعلم أننى ، عاجز ، عاجز ، عاجز ، واننى لا استطيع أن أطير فى عالم الأدب إلا بجناح واحد منتوف " (13) .

فكأن التونسي كان بين غربتين لغويتين ، بين غربة الطليق الذي يخاف من أن يضيع عليه وكره وبين غربة المكبل الذى يخشى أن يعوقه السير من فرط الأسر ويكون غريبا فى مجتمعه لا ينفعه أو هو كالغريب . وعلى كل فان القضية كانت مطروحة والاحساس بها حادا الى جانب القضايا السياسية المصرية التى كان يثيرها الحبيب بورقيبة وجماعته فى الجرائد الناطقة بالفرنسية . وإنه لمن الطريف جدا أن يتقصى الباحث ما كان يربط بين الجماعتين : هل كانوا يلتقون وهل أن العمل الثقافي الذي كان فى صلبة أبو القاسم الشابي يتجاوب مع العمل السياسى الذى كان يتزعمه الحبيب بورقيبة ؟ (14) .

ثم كان انبعاث الحزب الحر الدستورى الجديد وما تبعه من كفاح فى سبيل الذود عن الوطن وإثبات مقومات الشخصية التونسية . وجاءت الحرب العالمية الثانية بمآسيها وفراغها الثقافي والسياسي وانتهت بعد ذلك وتنبه المثقفون التونسيون مرة أخرى .

و كان صدور مجلة " المباحث " في سلسلتها الجديدة ( 10 أفريل 1944 ) يديرها محمد البشروش أحد أصدقاء أبى القاسم الشابى وما لبث أن خلفه فى السهر على حظوظها الاستاذ محمود المسعدى وجمع من الاساتذة الشبان ورجعت قضية اللغة العربية والتعريب بأشد مما كانت عليه فى الفترة السابقة . " فانقطعت هذه المجلة منذ بروزها الى الدفاع عن اللغة العربية واظهار  محاسنها لمن لا يشعر بها ولمن يتحامى عنها لغرض من الأغراض . . . ومكافحة بعض المعاندين ممن يدعون انها صعبة المنال : وانها عاجزة عن مسايرة الحضارة الحديثة والعلوم الجديدة .

والذى بعثنا على ذلك هو أن اللغة العربية لغة شعبنا الأصلية وعنصر من أهم عناصر ذاتيته وركن من أقوى أركان شخصيته الوطنية ورابط من امتن ما بين أفراده من الروابط . ولذا فلا نمل البحث فى هذا الموضوع ولا نتردد فى العودة بك اليه . فهو من المواضيع الحيوية بالإضافة إلى كياننا الروحى وثقافتنا القومية وتراثنا الأدبى . وسنعود بك اليه فى مستقبل الأيام إن شاء الله ما لم تحل هذه اللغة محلها الطبيعى من التعليم والإدارة والمعاملات بهذا القطر العربى " (15) .

وراحت مجلة " المباحث " تقتل هذا الموضوع بحثا حتى حللت فى أكتوبر سنة 1947 باسهاب سياسة التعليم الاستعمارى وأشارت الى ما وجدته ادارة التعليم " عند الأمة التونسية من رغبة فى التخلص من الثنائية اللغوية وفى جعل التعليم عربيا بحتا - فى طوره الابتدائى على الأقل - فلم تعرها آذانا صاغية أولا ثم اشتدت رغبة الأمة فاضطرت الادارة إلى التسليم بشرعيتها . ولكنها لم تسلم بها الا من طرف اللسان فأعدت لائحة تحوير لبرنامج التعليم الابتدائى جعلت التعليم فى السنتين الاوليين بالعربية فقط ولكنها دست فى طوايا ذلك من السم المكنون ما لا يحسن تقطيره الا بعض رجالات ادارة التعليم " (16) .

ويصوخ صاحب الافتتاحية فى نهاية المطاف قائلا : " متى يفهم هذا الساهرون على سياسية تعليمنا ؟ متى يبلغون من الرشد ما يقفون به عند حقائق الاشياء ويدركون أن من خادع فى الحقائق الواقعية فانما نفسه خادع لا غيرها ؟ متى يفهمون أن الرجوع الى الحق فضيلة ؟ متى يفهمون أن قوى سنن الطبيعة مساندة لنا موجهة لتطورنا الثقافى نفس التوجيه البادى للعيان فى كامل الشرق العربى الاسلامى أعنى تجديد الثقافة العربية الاسلامية بالعلوم العصرية فى دون استبدال للعربية بغيرها ولا اهمال لطرافة الشخصية الشرقية الاسلامية او زيغ عن ذاتيتها ؟ متى يعلمون ان من ساندته سنن الطبيعة فمن غالبة فكانها غالب قوى الطبيعة وإنه من غالب سنن الكون - سنن الله - فقد هلك ؟ " (17) .

بهذه الشدة وبهذا العنف وهذه القوة درجت مجلة " المباحث " على إثارة فضية التعريف لأن العربية جزء من كياننا وركن من شخصيتنا كما أسلفنا القول . ثم اشتد الصراع فى هذا الموضوع فى جريدة " الرسالة " الأسبوعية الناطقة بالفرنسية والمعبرة عن وجهة نظر الحزب الجديد فى جميع المشاكل التى تتعلق بالصراع مع المستعمر قصد الابقاء على الذاتية التونسية وتخليصها من شوائب التفسخ والانحلال . فنجد نفس هذه الآراء تذكر تحت إمضاء الأستاذ محمود المسعدى فى الاستجواب الذى أجرته له " الرسالة " بتاريخ 21 جويلية 1949 . كما نجده فى عدد 22 سبتمبر 1949 من نفس الجريدة عندما

يقول : " إن ثنائية الثقافة عند تراكبها والأزدواجية التى ليست إلا مظهرا من مظاهر هذه الثنائية يبدوان وكأنهما من الظواهر غير العادية فى تونس " .

وكذلك نجد هذا الموقف واضحا فى احدى افتتاحيات " الرسالة " التى كنا ونحن تلامذة ننتظرها كل أسبوع . إذ جاء فيها بتاريخ 13 أكتوبر 1949 :

" بما أن الشعب التونسى مسلم ولغته العربية فانه ينتج عن ذلك ان تحتل لغته وحضارته مكانة مرموقة فى برامج التعليم وفى درجاته كلها . واذا كانت الثقافة عالمية وتعد الرابط المشترك بين جميع الشعوب فان اللغة - هذا العنصر الحامل للثقافة - هو بمثابة الخاصية لكل رابطة قومية . وإن الأمة تفترق عن غيرها بلغتها وهي فى غالب الاحيان من المظاهر البارزة لشخصيتها . وزيادة على ذلك فان من يعتنى بلغته فقد شارك فى إثراء الرصيد الثقافي العالمي . ومن السهل ان نفهم أن التونسيين لا يرومون التفصى من واجبهم .

ولكن ايضا ! فان اللغة العربية ليست تلك اللغة الميتة حتى نحشرها مع اليونانية أو اللاطينية . فلقد كانت لغة حضارة وستبقى كذلك الى ابد الآبدين وتطورت وستطور وهي الآن تتلاءم بدون القطاع مع الحاضر إلى الحد الذي أصبحت فيه قادرة على الاضطلاع بدورها كلغة أساسية فى تعليم أية مادة من مواد التعليم " .

بهذا الوضوح كانت العناصر الوطنية تذود عن اللغة العربية وتطالب بالتعريب كمطلب شعبى من ضمن المطالبة بتونسة الادارة ( إحلال اللغة العربية المحل الأرفع - والاكثار من الاطار التونسي ) وتونسة المؤسسات كلها التنفيذية والتشريعية وغيرها ٠٠0

ولهذا كانت الحركة الفكرية التى قامت بها " الرسالة " المصطبغة بالسياسة نمهيدا للثورة العارمة التى قام بها الشعب التونسي سنة 1952 وانتصر فيها على المستعمر وافتك مقاليد الامور وأصبح سيدا فى بلاده . وهكذا ترون ان قضية اللغة العربية والتعريب ليست إلا فرعا من الكفاح العظيم الذى قام به الشعب التونسى منذ الاحتلال الفرنسى للأطاحة بنير الاستعمار وأنه لم يكن من الهين في أية فترة من الفترات فصل قضية التونسة عن التعريب ولا التعريب عن قضية التونسة بشرط ألا نحمل كلمة التعريب اتجاهات سياسية

معينة تخرج بها عن ارادة الشعب التونسى للبقاء تونسيا أى ماسكا بمقاليد أموره مسيطرا على مصيره غير ذائب فى غيره مهما كان هذا الغير .

ولكن يقول القائل لماذا نجد أنفسنا - وقد رجعت الينا نغمة التعريب بعد خمسة عشرة سنة من الاستقلال - فى نفس المواقف التى وقفها جيل ما فبلنا وأصبحنا نرد نفس الاقوال بدون ان نشعر .

إنى أرى ذلك طبيعيا وليس هو من قبيل المشاكل المصطنعة ولا هو من المسائل الهامشية إذ قد فرض علينا نفسه فرضا . ولو كان مصطنعا ، هامشيا لما وجدناه بنفس الحدة أو أكثر فى بلدين شقيقين كانت وما تزال قضاياهما هى نفس قضايانا وهما الجزائر والمغرب الأقصى : الجزائر التى ذهبت أشواطا فى لتعريب لأن هذه المشكلة اكثر حدة عندها نظرا لتغلغل الاستعمار فيها . والمغرب الأقصى الذي بدأ يتحرك في عريضته المطالبة بالتعريب والتى امضاها خمسمائة مثقف .

إن الأمر من طبيعة الأشياء ، كما قلت ، لأن شعبا ، قرن مكافحته للاستعمار منذ سنة 1881 في جميع حركاته التحريرية وتجمعاته السياسية - بالمطالبه بالتعريب صيانة لتونسته ، لحرى بأن يطالب فى نطاق الانعتاق من الاستعمار باجلال لغته المحل الأرفع في الادارة والتعليم والمعاملات . وهو الذى عمل منذ الاستقلال على التخلص من مخالب الاستعمار فى جميع المجالات : قدك صروح السلطة المباشرة في الادارة ، وأزال حكم البايات المقترن بالاستعمار ، وأجلى الجيوش الاجنبية وافتك أراضية الفلاحية من المعمرين وتصدى لاقتصاده يصرف أموره فيه كما يشاء فمن حقه إذن أن يصل فى هذه المرحلة بالذات الى التخلص من الاستعمار الثقافي وقد بقى منذ الاستقلال الى اليوم ، يجر التبعية فى هذه القضية فلم تعرب الادارة كما يجب أن تعرب ، ولم يجد هذا المشكل من المخطط للتربية والتعليم الاهمية التى يستحقها وعولجت مسائل التربية حسب مقتضيات الكم فقط واهملت جوانب جوهرية من الموضوع كانت لها ولا تزال انعكاسات خطيرة على مصير الأمة فى أجيالها الصاعدة .

التعريب إذن مطلب شعبي من جملة المطالب الشعبية المشروعة التى تصدى لها المسؤولون منذ الاستقلال وحققوها بشئ من التوفيق تارة وبالاخفاق تارة أخرى . ونأمل أن يلقى هذا المطلب الشعبى الذى وقع إرجاؤه من الساهرين على حظوظ هذه الأمة نظرا لايماننا بسياسة المراحل - الجد أولا والتوفيق

ثانيا وليس هذا بالعسير عندما نجد الوزير الاول السيد الهادى نويرة يقول فى إطارات ولاية قابس يوم 19 فيفرى 1971 :

التعليم مشكل قومى بهم الأمة جمعاء واذا اتضح لزوم مراجعة التعليم فى جوهره وطرقه فسيكون نتيجة حوار ودرس عميق حتى نتوخى أحسن لطرق ونجعل من تعليمنا تعليما تونسيا بالمعنى الكامل ، المعنى الذى يتضمنه التعريف الدستورى القائل تونس دولة دينها الاسلام ولغتها العربية " .

الغاية من التعريب تدعيم للتونسة

بهذا يمكن أن نقول إن التعريب أمر لا محيد عنه وهو يتماشى ، أحب البعض أم كرهوا ، مع سير التاريخ إذ هو حلقة من حلقات تصفية الاستعمار ( decolonistion ) ومطلب شعبى عريق فى القدم وطريق الى التقدم الحق  وخلق مجتمع متوازن متكامل .

هو حلقة من حلقات تصفية الاستعمار لأن النظام الاستعمارى ، كما بينا ، كان يحاول بكل الوسائل تحويل هذا الشعب عن روح الحضارة التى ينتمى إليها وتركيب حضارة أخرى بالقوة ليست فى الواقع إلا ضربا من الاستعمار الثقافى لأن تلاح الحضارات وإنصهار الثقافات لا يكون بالغزو والقهر بل يكون بالرضا وبالاثراء المتبادل من دون إحلال لغة حضارة مكان لغة أخرى .

التعريب باب من أبواب تصفية الاستعمار مثل افتكاك السلطة فى الادارة وإجلاء الجيوش الأجنبية والتصرف فى ثروات البلاد والتمثيل فى الخارج . فما دامت شائبة من الشوائب تصم استقلالنا فانه لا يمكن أن نعتبر أنفسنا مستقلين متصرفين فى حظوظنا ويؤول أمرنا فى الآخر الى التبعية المقيته (18) التى تجعلنا من جديد عبيدا لأمم غنية ولكنها عبودية غير بارزة للعيان فيها شئ من التواكل والراحة التى يجدها الكسول . وان الكسل الحضارى بالنسبة للأمم أشد نقمة على الشعوب من الجهل والفقر والمرض إذ هو منبع كل هذه الشرور .

إنه ليس من علامات الاستعمار الثقافى والتبعية الثقافية معرفة اللغات وحذقها وهذا ما لا يقبله عاقل وإن فى التعريب المجدى لتفتحا على اللغات

والثقافات بل ان من علامات هذا الاستعمار المتغلغل فى النفوس أن تبقى أغلب الاطارات العالمة المثقفة المفتوحة على العصر عن طريق اللغة الفرنسية وغيرها من اللغات ، منكمشة فى هذه اللغة ، فاذا كتبت لا تكتب بلغتها الام واذا تحدثت تعرف عنها . وكثر هم الذين يحتجون بالحضارة العربية الاسلامية فى أوجها وكيف تفتحت على الحضارات الأجنبية ولكن هؤلاء نسوا ان عباقرة الاسلام لم يتمسكوا ولم تكبوا باللغات التى كرعوا بواسطتها من حياض العلوم فلم بكتبوا باليونانية ولا بالسريانية بل حولوا تلك العلوم الى لغتهم الام فنشأ الطب العربي والفلسفة العربية والرياضيات باللغة العربية وغيرها . فأحرى بهؤلاء الا يقفوا فى " ويل للمصلين " كما يقال . وإن يكفوا ، إذا هم أرادوا البروز فى وطنهم ، عن الاقتصار على الكتابة بالفرنسية أو يكف المسؤولون عن اعتبار من يكتب بالفرنسية أرقى وأقرب الى العصرية من غيره ويقلبوا سلم القيم الزائف ، حتى يشعر الشاب النابه الطموح أن بروزه فى المجتمع يرتبط بطبيعة الحال بخصاله العلمية ولكن مع ذلك يتقيد بحذقه فى تصريف معارفه واظهارها بلغته القومية ولقد سار الأمر فى تونس على النحو الذى كان قبل الاستقلال اذ كان المثقفون وخاصة الوطنيون يجدون فى الكتابة بالفرنسية طريقا إلى تبليغ آرائهم والاصداع بمطالب الشعب حتى يكون المستعمر مجبورا على أن يقرأ حسابا لهذه الأمة وحتى يمكن لنا أن نجهر بصوتنا فى الأوساط المختلفة من الأمة الفرنسية ، واليوم فهل نحن فى مسيس الحاجة الى ذلك . بينما نجد أن ازمات الخلق وأزمات الانتاج بالنسبة للمثقفين منا منشؤه هذا الاخلاد الى لغة جاهزة فيها كل النعيم والراحة والتشبت بضرب من الازدواجية المتواكلة التى لا تعلم الا التقليد و " القردة " (19)  والقصور عن إتمام أهم حلقة فى الازدواحية وهو الرجوع الى الأصل وعدم التفريط فيه والتخلص نهائيا من الغربة اللغوية والشعور بالغربة مهما كانت ، والاضطلاع بمسؤولية تثقيف هذا الشعب ، العربى اللغة ، عن طريق لغته أى بالتعريب .

بهذا يكون التعريب طريقا إلى التقدم وبابا من أبواب خلق مجتمع متوازن متكامل ولا يكون ذلك الا بالانعتاق من العقلية القديمة المرتبطة بفلسفات ترهللت وتحنطت وأصبحت تظهر فى تقاليد بالية سواء العادات منها أو الصناعات المربوطة بالعمل اليدوى الذى لا يعتمد العقل ولا التقنية بل يرجع الى

ضرب من العبودية التى جمد بها العقل وأصبح الانسان آلة عمياء . وإن التقدم البشرى لم يتجسم إلا عندما وصل عقل الأنشأن الى امكانية تحويل ظاهرة تسخير الانسان لأخيه الانسان الى ظاهرة أخرى هى تسخير الآلة . وهذا يتطلب تغييرا تاما للعقلية (20)  . ونحن اذا أردنا لشعبنا ان يتخلص من العقلية القديمة فليس هناك طريق آخر إلا التعريب أى أن يتم مثقفونا وعلماؤنا ونخبتنا الحلقة بتصريف علومهم وثقافاتهم وتقنياتهم بلغتنا حتى نصل بمجتمعنا الى التقدم الذى ننشده جميعا ونستجيب بذلك لما قاله السيد الهادي نويرة أمام الاطارات الدستورية بسوسة سنة 1966 فى مجال الخروج من التخلف : " يجب إنارة الطريق للجماهير حتى تساهم فى النشاط الاقتصادي وحتى تتفتح العقول الى الطرق الجديدة والتقنيات الجديدة . فهناك فائدة عملية كبيرة وليست ثقافية فقط فى تعليم الشعب وهو الذي يدفعه الى الطموح والى الرغبة الملحة فى نشدان التنمية " (21) .

فالتعريب إذن بالنسبة لنخبتنا هو دفع لتمام الخلق إذ لا يخلق الفرد إلا فى لغته وهو أيضا مساهمة فى تقدم مجتمعنا وتغيير عقليته القديمة البالية الى عقلية خلافة .

ولهذا فان التعريب بقى ولا يزال منذ الاحتلال الفرنسي الى اليوم مطلبا شعبيا لأنه به يكون خلاصنا من الأستعمار الثقافى فنستوفى مقوما من مقومات شخصيتنا التونسية ، ونستأصل من أنفسنا الغربة اللغوية التى ظلت تتهددنا منذ سحيق التاريخ وتروم القضاء علينا .

وأخيرا فان التعريب لا يمكن أن يكون إلا تدعيما للتونسة فى أعمق معانيها وليس من السهل على أصحاب الضمائر اليقظة غض الطرف عنه لأسباب عرضية ومقتضيات ظرفية كما انه ليس من صالحنا جميعا أن يرمي كل من أثار هذا الموضوع بالديماغوجية وبتعوت إن دلت على شئ فانما تدل على عجز عن مناقشة هذه الآراء أو خوف من اشاعتها لاغراض عديدة وفى كلتا الحالتين هروب من جوهرى الأمور وطعن فى حرية الفكر. أما كيف يكون التعريب ؟ فتلك مسألة أخرى.

اشترك في نشرتنا البريدية