أسئلة كثيرة ، تثيرها فى أنفسنا خمسينية أبى القاسم انشابي ، وتتزاحم علينا ، كما تزاحمت الظباء على خراش ، فلا ندرى بأيها نأخذ ، وعن أيها نجيب وهى تستوى فى الاهمية ، وتتوازن فى التقدير . فهذه المرحلة الطويلة من عمر الزمن التى مرت على وفاته ، تواجهنا بكثير من القضايا التى تتصل بخصائص تجربته الشعرية ، وموقعها فى اطار المغامرة الشعرية المعاصرة .
وبعد خمسين سنة على استقرار تجربته فى المسار العام للابداع العربى الحديث ، نتوقع أن يتعامل النقد ، والدراسة الادبية والتاريخية مع تراثه بمذاهب ووسائل ومناهج تكشف أهمية تجربته الشعرية وتعطيها حجمها الحقيقى ومكانها الصحيح . وستتضافر جهود المدارس النقدية الجديدة على مصاحبة تجربته بمنظورها الحديث الذى يعتمد البنيوية والاسلوبية وستقوم بتفكيك الخطاب الشابى ، وتركيبه ودراسة معناه لدى الباث ، وأثره لدى المتلقى ، ومقوماته التوليدية واستخدام كل الوسائل لاستنطاق النص بالجداول والرسوم البيانية ، كما سيحاول الباحثون والدارسون استنطاق المعطيات التاريخية والاجتماعية التى أحاطت بالتجربة الشابية وظروف صياغتها وتكونها ، وسنسمع أيضا حوارا يجرى بينها وبين التجارب التى جاءت بعدها وتجاوزتها أو تناقضت معها وتمردت عليها . وفي هذه الحالة تغدو المساهمة بالجديد وافساح المجال للاصوات الجديدة لتحديد موقفها من هذه التجربة أمرا ضروريا وشرطا واجبا ، مما قد يجعل هذه المساهمة التى اشتراك بها رغم ما سوف تثيره من قضايا هامة . تدخل هذه الساحة بشئ كثير من التهيب والاحتشام . بعد أن شاركت بما لديها فى تكريم الشاعر ، بدراسة مطبوعة معروفة . ومع ذلك ، فان الاسئلة تلح علينا ، ولعل أهمها
هذا السؤال الذى يطالعنا فى كل مناسبة من المناسبات التى تعقد لتكريم هذا الشاعر العظيم . لماذا الشابى ؟ لقد وجد قبل الشابى شعراء مجددون . وعاصر الشابى وعاش معه شعراء مجددون .
وجاءت بعد الشابى مدارس واتجاهات شعرية جديدة ، لم تنل كلها ما نالته شاعرية الشابى من هذه الحظوة والاهتمام ، وهذا التكريم والتمجيد ، وهو سؤال يضعنا أمام ظاهرة لم تتحقق الا لقلة قليلة من الكبار فى تاريخ الشعر العربى القديم والحديث ، في طليعتهم .المتنبى مالىء الدنيا وشاغل الناس . ويزداد الالحاح على هذا السؤال لدى فئة من شعراء الشباب ونقادهم الذين يشعرون أن تجربة الشابى أصبحت متجاوزة ، ومع ذلك حجبت عنهم الضوء، فأهمل الناس النظر الى ابداعهم ومساهمتهم الجديدة . وقد يحتد الشعور لدى هؤلاء حتى يبلغ درجة الغيرة والانكار ، بل الثورة على هذه الصنيمة فى تصورهم .
وما من شك ، فى ان الشابى كان محظوظا ببيئته الادبية التى صاحبت ظهور عبقريته الشعرية المبكرة ، كما كان محظوظا فيما ناله من عنابة الدارسين والباحثين ، فى الاطار الاقليمى المحدود أو العربى الواسع أو العالمي المعنى بمتابعة حركة الابداع العربي الحديث .
ولكن هذا الحظ لا يمكن أن يفسر هذه الظاهرة التى يكاد يستقل بها هذا الشاعر بين جميع شعراء العرب المحدثين على مختلف انتماءاتهم الى المدارس التقليدية أو التجديدية . ولا يكاد ينافسه فى هذا الاهتمام ، الا شاعر من شعراء التجديد هو " بدر شاكر السياب " أما الذين شاركوه عبء التجديد ، من شعراء الشرق ، أو شعراء المهجر الذين تتلمذ عليهم ، لم يظفروا بما ظفر به الشابى من عشق واقبال . فلماذا هذه الظاهرة الشابية الفريدة ؟
نحاول فى هذه المشاركة المحدودة ، المكثفة ، المركزة ، أن نجيب بجواب يعلل هذه الظاهرة ويضعها فى اطارها التاريخى ، بما يزيد فى فهمها واكبارها وتقدير دورها المبدع الخلاق .
والجواب الذى نرتضيه ، ونقرره بكل الاطمئنان ، ان الشابى هو أول من أسكن الشعر بلاد المغرب العربى .
ولابد هنا ، أن نتسلح بالجراءة الكاملة فى تقييم التراث ، والدخول معه فى حوار معاصر لا يجعل منه نصا مقدسا متساميا متعاليا علينا ، بل أداة فعالة فى الوعى بالحاضر وتقدير رحلة الابداع العربى . ذلك ، أن من شأن هذا الحكم أن يدفعنا الى أن نستعيد التاريخ الثقافي لهذه المنطقة ، منذ دخلتها العربية ، حتى ظهور الشابى .
ونحن مدعوون هنا أن نتجاوز بهذه الظاهرة اطارها الاقليمي التونسى المحدود الذي انحصرت فيه أكثر الدراسات الشابية . ففى هذا الاطار ، لن تبدو تجربة الشابى ، سوى تجاوز محدود ، لما تقدمه من الشعراء التونسيين.
ان الشابى ظاهرة شعرية حضارية أضخم وأكبر من أن نلتمس تفسيرها فى ظروفه الشخصية والاقليمية ، ولا بد لكى تبدو لنا فى عملقتها وتكاملها أن نفسرها فى اطار الكيان الثقافى للمغرب العربى ، وحركة الابداع فيه ، قديما وحديثا ، ضمن الحركة التاريخية للابداع العربي الشامل .
ان شخصية الشابى تغنى وتعظم ويكبر دورها حين نضعها فى هذا الاطار الذي يمكننا من تفسير هذه الظاهرة الفريدة .
ومن الؤسف ، أننا لم نعن حتى الآن بالتاريخ للحياة الثقافية فى المغرب العربى الكبير ، ولا نجد سوى نتف متفرقة فى بعض المصادر الحديثة ، أو المراجع القديمة عنيت بالتاريخ الادبى لهذه المنطقة ، من خلال الكتب التى حفظت لنا أسماء وأثار بعض الرموز الثقافية البارزة التى هيمنت على الحياة الفكرية والأدبية . وحين نستعرض هذه الرموز من أيمة وفقهاء وقادة وساسة ومصلحين ومتصوفة ، وننتهى باستعراضنا الى مطالع العصر الحديث نلاحظ الغياب التام لنموذج " الشاعر " .
لقد طردت البيئة الشعر ، ولم تقبل منه الا النماذج التى تدخل في التزامها ، واسلوب تصورها ، لبناء الانسان ، وهي نماذج بيانية ، وعظية ، حكيمة ، لا صلة لها بالشعر ، ولا أثر لها فى بناء الوجدان .
وقد اشتركت عوامل كثيرة فى طرد الشعر والفن فى هذه المنطقة ، لعل أبرزها وأهمها :
- طروء اللغة العربية وتأخر استقرارها .
- غلبة النزعة الدينية التطهرية على أغلب الحركات السياسية التى سادت المنطقة وأدت الى نشأة الدول المعروفة بها . وقد رصد القدماء ، بعض ملامح هذه الظاهرة ، فذكروا اشتهار بلاد المغرب بالعناية بالحديث والفقه ، وتقصيرها فى العلوم النظرية ، من الفلسفة وفروعها فقال المقرى التلمسانى ( وأما ملكة العلوم النظرية فهى قاصرة على البلاد المشرقية ، ولا غاية لحذاق القرويين والافريقيين الا بتحقيق الفقه) .
ولم تكن هذه البيئة الفقهية ، لتسمح بقيام هذا النموذج الرافض لقيمها ومبادئها . كما لم يكن لهذه البيئة ، من الصلات الوجدانية التراثية باللغة ، ما يجعل الشعر حاجة ضرورية لنموها واحيائها . ولم يكن للشعر العربى ، هنا ، وجود سابق على الدين حتى يتحايل عليه فى البقاء ، ويدافع عن وجوده بمختلف الوسائل ، كما حدث بالنسبة للتجربة الابداعية فى المشرق العربى فى العصور التالية لظهور الاسلام ٠٠
وسيهب الذين يرفضون هذا القول ، ويستعرضون سلسلة طويلة من أسماء الشعراء الذين عاشوا فى بلاط الاغالبة والفاطمين والصنهاجيين والمرابطين والموحدين وما تفرع عنهم أو جاء بعدهم من أسر حاكمة ، حتى يدركوا العصر الحديث ، عصر ما قبل الشابى ولم تغب عن ذهننا ، هذه السلسلة الطويلة من الشعراء الذين حفظتهم المصادر ، ولم ننته الى هذا الرأى الذى نقول به ، الا بعد اخاطة شاملة برحلة الشعر العربى فى شرقى الوطن العربى وغربه ، وقد قلبنا هذه المصادر ، لنخرج منها بنموذج أعلى (للشاعر العربى المغربى) فلم نجد ، ولم يجد ايضا قدماء المشارقة شيئا من ذلك ٠٠
رووا عن الصاحب بن عباد ، أنه لما وصل اليه كتاب العقد الفريد ، لابن عبد ربه الاندلسي وقرأه ، قال (هذه بضاعتنا ردت الينا ظننت هذا الكتاب يشتمل على شئ من أخبارهم ، وانما هو يشتمل على أخبار بلادنا ، لا حاجة لنا فيه) .
وفى هذه الحادثة نعثر على الموقف الخالد فى العلاقة الثقافية بين المغرب العربى والمشرق العربى . فالمشرق العربى وهو المصدر الاصلى للثقافة العربية، ينتظر من رحلتها الى المغرب أن تعود بالجديد . (ونعنى بالمغرب هنا المغرب الثقافى الذي يدخل فيه البيئات الثقافية الاندلسية والصقلية) . ولكن الجديد لم يأت من المغرب فى مجال الشعر خاصة . لقد ظل شعراؤه على الدوام ، دون مستوى الفحول فى الشرق ، وظل المشرق بأعلامه هو المدرسة التى يعتمد عليها فى النص الادبى .
وقد جاهد المغرب كثيرا لكى يبرز شعراء يقفون الى جانب شعراء المشرق. وظلت ( عقدة المقابلة ) هذه تحكم تاريخه الادبى . دون جدوى . فأبرزت الاندلس بن زيدون وقدمته على أنه بحترى الغرب ، ولم يكن من البحترى فى شئ ، وهو شاعر لم تنقذه الا حكاية غرامه مع ولادة و "نونيته" الشهيرة فيها ، وما عدا ذلك فصناعة وتكلف ووفرة محفوظ .
وأبرز المغرب ابن هانئ ، وقالوا عنه انه متنبى الغرب ، ولم يكن له شئ من ذلك ، وسرعان ما فحص الشرق شعره ، وأصدر حكمه النقدى ، على لسان ابى العلاء المعرى الذى قال فيه بحق "ان شعر ابن هانئ يشبه رحى تطحن قرونا" ورفضه الغرب أيضا ، على لسان ابن رشيق الذي وضعه فى عمدته (ضمن فرقة أصحاب الجلبة والقعقعة ، بلا طائل معنى الا القليل النادر كأبى القاسم ابن هانى ومن جرى مجراه) .
اما النموذج الثالث فهو ابن حمديس ولعله لا يعيش فى أذهاننا ، ولا مثول له فى وجداننا ، الا لغيبة وضياع المصادر التاريخية عن صقلية ، فهو بديل عنها فيما يغطى فترة حياته !
ونترك هنا تلك السلسلة الطويلة من شعراء الدرجة الثانية والثالثة ، وما بعدهما من درجات ، فلن تفيدنا الا فى اثبات ، ان علم العروض قد دخل المغرب مع ما دخل اليه من علوم العرب بالمشرق ٠٠ ان الشعر لم يسكن المغرب، وان المشرق هو الوطن الثقافى للمغرب . ولا داعى هنا لتسطيح القضية وتحويلها الى قضية ترفع المشرق وتجاهله للابداع المغربى ، لقد عاش العرب فى الاندلس وصقلية (كمغتربين) نتيجة اعتمادهم على النص الوافد من المشرق ٠٠ فلم يستقلوا بابداع يملأ نفوسهم بشعور الاقامة الدائمة . ان اعتماد النص المشرقى خلق فيهم شعور الرحيل نحوه ، والعودة اليه ، فأشعرهم بالاغتراب المؤقت ونزع من نفوسهم شعور الاقامة الدائمة ، وفى
ذلك تفسير لاستئصالهم هذا الغريب بعد قرون عديدة فى الاندلس وصقلية . لقد ظلوا عاكفين على النص الوافد من المشرق يحللونه ويفسرونه ويحتذونه ولا يخرجون عن دائرة النموذج الذى يرسمه ، ولعل اللون الوحيد الذى كان للمغاربة فيه شأن يذكر هو أدب الرحلة الى القبلة ، الى الوطن الثقافى ، الى الوطن الروحى .
لقد فضل أهل الاندلس أن يعيشوا حياتهم شعرا ، والحياة كما يفول أحد الادباء اما أن تعيشها واما أن تصفها ، وحين وصفوها تحولت الى نوع من اللعب اللفظية التى تزيد من شعورهم بالترفيه والتسلية ، فاعتمدت الرقة والطلاوة ، وغاب عنها الروح الشعرى . وقد فطن الشابى ، الى شئ من هذا المعنى فى تقييمه للشعر الاندلسى في كتابه (الخيال الشعرى) مسهما بذلك فى وقت مبكر ، فى تحطيم الاسطورة التى نسجت حوله .
وقد استفاد "المغرب الجغرافي" الذي نعرفه اليوم باسم (المغرب العربى الكبير) من تجربة الانحسار الاندلسى فطرح كل النصوص . وتمسك بالنص القرآنى وما يتعلق به من حديث وفقه ، حتى يدفع عن نفسه غوائل الاجتياح الصليبى ، ويتم دورة التعريب بنجاح عظيم ، فتستقر اللغة العربية والثقافة العربية ، وان كان ذلك على حساب الشعر والفن .
وأود هنا ، أن أكون واضحا ، فأنا لا أعرض لهذا الموقف السلفى التقليدى على محمل التنديد به ، ولكنى أرصده كظاهرة هيمنت على الحياة الثقافية ، فى المغرب العربى . وربما كان لها من جوانبها الايجابية ، أنها حفظت لهذه المنطقة وحدتها الثقافية ، وصاغت فيها الشخصية صياغة ابعدتها عن التشتت الفكرى والمذهبيات المتعددة وهو ما نلمس آثاره فى هذه الوحدة الدينية والمذهبية فى المغرب العربى حتى العصر الحديث ، وليس ذلك بالامر الهين .
وهنا ، لابد أن يقف الباحث فى التاريخ الثقافى لهذه البلاد ، أمام ظاهرة فريدة ايضا ، فهذه البيئة التى طردت الشعر ، او لم يجد فيها الشعر المناخ الملائم لنموه . قد أنبتت اعظم حركة نقدية فى تاريخ النقد العربى التى نهض بعبئها النهشلى ، والحصرى ، وابن رشيق ، وابن شرف ، وحازم القرطاجنى الاندلسى والتى كان لها الاثر الكبير فى ترسيخ المفاهيم النقدية للشعر .
وتفسير ذلك واضح فى تقديرنا ويمكن ان نجمله في هذين العنصرين الهامين :
1 - أن البيئة الفقهية التى طردت الشعر قد سمحت لهذا النقد بالوجود لانه نوع من فقه الادب .
2 - ان هذه الحركة النقدية التى ما زلنا نعيش على مكتسباتها ونكتشف بمناهجنا الحديثة فتوحاتها النقدية واللسانية ، كانت تعبر بجهودها التأسيسية ، عن النزوع لايجاد النموذج الاعلى للشاعر الذى اعتقدته فيما حولها من نماذج . ان انهيار الشعر لديها يمثل اقصى الانهيار الحضاري . انها تعبر عن الشعور بتخلف مستوى الابداع فى المنطقة ، وفي التجربة الشعرية الشاملة .
ومع ذلك ، لم يتحقق هذا الشاعر حتى جاء الشابى الذى أسكن الشعر بلاد المغرب ، وللمرة الاولى . ان حقيقة الثورة الشابية لا تتضح لنا بكل ابعادها ، ولا تكشف عن جوانبها الفنية الثرية ، الا اذا وضعناها فى هذا السياق التاريخى لحركة الفكر فى المغرب العربى ، وتطور مسيرة الشعر فيه، منذ الفتح العربى حتى العصر الحديث . وأغلب الدراسات التى عنيت بالشابى انطلقت من بيئته المحدودة ، وعصره الحديث ، وقد أدى ذلك الى تحجيم هذه التجربة ، وضآلة الاحساس بها كظاهرة ثقافية ، لا تقل خطورة وشأنا عن ظاهرة الفتح والريادة والتأسيس التى حققها فكر ابن خلدون . ولكن شأن الشعر ضئيل لدينا . ومفهوم الجوهر الشعرى غائب عنا ، والبحث عن الروح الشعرى فى الحضارة بعيد عن ابصارنا . . والتعامل مع التراث ككينونة متعالية متسامية ، حجب عنا روعة الابداع المعاصر ومنعنا من فهم دلالات الحاضر . وليس من الصدف أن تأتي ثورة الشابى في الفترة التى أخذ فيها النظام الفكرى القديم ، فى المغرب العربى ، يتداعى اثر الضربات التى توالت عليه من الداخل والخارج . وليس من الصدف أن يكون هذا النظام الفكرى ممثلا فى طبقة الفقهاء ورجال الفكر الديني التقليدى ، اول من يتصدى لرفض كونه الشعرى برموزه الشعرية ، وتعابيره غير المألوفة ، وجوهره الجديد وفهمه غير الموروث لوظيفة الشعر والشاعر ٠٠ ولكن الامر لم بعد بيد هذه الطبقة التى انتهت مهمتها التاريخية ، بعد ان رسخت معنى خاصا لمعنى الشعر ووظيفته طوال أحقاب طويلة ، ولم يكن من قيمها ولا من نظامها الثقافى أن يكون هناك مكان للشاعر النبى ، والشاعر الفيلسوف والشاعر صاحب الرسالة ، والشاعر الشاعر . وحين ندرس قصيدة (النبى المجهول) فى ضوء هذه المعطيات التاريخية تتجلى لنا فى أوضح الصور، ثورة الشابى ، وندرك بحق كيف عاش الشابى محنة الشعر ، وكيف دفع
حياته ثمنا للتبشير بجوهره ومعناه . فخلف هذه المحنة ، قرون طويلة من الرفض لهذا النموذج الذي ظل روحا هائما شاردا ، طوال أحقاب طويلة من الملاحقة والمطاردة والاقصاء ، حتى تجسد فى شخصية الشابى ، فهو يمثل الثأر التاريخى لهذا الروح . ومن هنا كان العنف فى المواجهة والتحدى والاصرار على البقاء .
لقد جعل من محنة الشعر فى الوجود الحضاري العربي محنة شخصية له . ولم يجعل من محنته الشخصية ، محنة للشعر ، وفي هذا يختلف عن الشاعر بدر شاكر السياب ، رائد الشعر الحديث الذى جعل من محنته الشخصية محنة للشعر العربى . فأغرق النقد فى البحث عن معضلته ، اكثر من استغراقه فى اكتشاف الجوهر الشعرى فى ابداعه ، فصار السياب لديهم أسطورة بوقائع حياته وليس بروعة شعره . ان محنة الشعر ، أو عدم فهم ماهيته قضية حضارية كبرى فى نظر الشابى . وذلك هو الجانب الذي تميز به عن المجددين من معاصريه . وقد كان من أكثرهم استدعاء للشعر ومناجاة له . ولقد افتخر القدماء بأشعارهم ، فوصف أبو تمام وابن الرومى والمتننبى الشوارد التى تقطع البرارى والقفار وتجتاز الجبال والبحار لتبلغ القلوب وتشغل الناس ، ولكنهم كانوا يتحدثون عن أثر الشعر وصداه . أما الشابى فقد كان مشغولا فى مناجاته بجوهر الشعر ومعناه . ولن نفهم ثورة الشابى وخطورتها وأهميتها ما لم ندرك ذلك ونفطن اليه ، فالشعر هنا قضية حياته وتبرير لوجوده وخلوده .
ثورة الشابى كانت تبحث عن ماهية الشعر . فلم يشغل بالشكل ، ولم يطرح قضايا التجديد ، ولكنه شغل فى محاضرته الهامة ( الخيال الشعرى عند العرب ) بالبحث عن ماهية الشعر عن الجوهر الشعرى ، فى الشعر العربى ، نعم . ان ثورة الشابى قد انطلقت من الاصطدام بنماذج معايشة ومعاصرة له ، فى بيئته التونسية الصغيرة ، والعربية الواسعة ، ولكنه لم بذكرها ، ولم يشر اليها فى محاضرته وكتاباته النثرية . لانه لم يكن مشغولا بالحوار ، مع هذه القضية ، فى اطار زمنى ومكانى محدود . وانما كان مشغولا بها فى اطار التجربة الشعرية العربية التاريخية . ومن هنا كان حواره العنيف مع التراث الذى كان يعتبره بوجه من الوجوه مسؤولا عن غيبة هذه الماهية الشعرية . ومن السهل ان نرد موقف الشابى فى هذه المحاضرة ، الى مصادره وروافده ، فالمهجر هنا ، ومدرسة الديوان هناك ، والمدرسة الرومانتيكية فى هذا الجانب والروافد الاجنبية المترجمة فى الجانب الآخر .
ولكن يبقى شئ لا يمكن أن يرد الا الى شخصية الشابى ، وهو هذا التوق العنيف وهذا الشوق البالغ الى روح الشعر ، الى ماهية الشعر التى هى - فى نظره - سر الوجود . .
ما هو الشعر ؟
ذلك هو السؤال الذى ظل يعذب الشابى . ولن يفهم الشابى حق الفهم الا الذين اكتووا بنار السؤال عن ماهية الشعر ، بنار الرغبة فى البحث عن الشعرى فى التجربة الشعرية العربية منذ أن بدأت في أبيات شعرية ساذجة حتى آخر مغامراتها الشعرية الحديثة .
الشابى أول من أسكن الشعر بلاد المغرب ، ولا داعى هنا للمراوغة وادعاء الحياد فانا لا أخفى اعجابى البالغ بالشابى ، ولكن القضية هنا ليست قضية اعجاب شخصى لانى اعجب ايضا بشعراء آخرين من القدماء والمحدثين . ومختاراتى "من روائع الشعر " تشهد على متابعة للتجربة الشعرية والبحث عن الشعرى فيها . . ولكن القضية بالنسبة لهذا الحكم على تجربة الشابى ، قضية استقصاء ودراسة ومراجعة لتاريخ الثقافة العربية فى المغرب العربى ، انتهت بنا الى هذا الحكم نلقيه هنا ليكون أثرا من آثار ثورة الشابى التى ملأت الدنيا وشغلت الناس . .
وفى هذا الاطار ، تتجاوز شخصية الشابى ، حدود الصراع السطحى بين الاجيال ، أو الخصومة التافهة بين المجددين والقدماء ، الى أن تصبح شخصية مؤسسة الموعى بالشعر وفهم جوهره فى اطار منظور حضارى يتجاوز التخلف بالابداع . فانهيار الشعر فى هذا المفهوم يمثل الانهيار الحضاري الشامل ٠٠ لقد وعى الشابى هذه التجربة فى حدودها المحلية ، ثم الاقليمية ، ثم العربية الواسعة فى المشرق والمهجر والقديم والحديث ، واستطاع فى عمره الشعرى القصير أن يتجاوز الانهيار بالبناء ، والتخلف بالابداع .
ولقد أشرت فى مستهل الحديث الى المدارس النقدية الحديثة التى ستتدخل بمشاركاتها في تقييم تجربة الشابى . وانى لاشهد ازدهار متزايدا لهذه المدارس وعملا دؤوبا من أجل انتشارها وتوسيع دائرة اشعاعها ، ولكنني أخشى أن يمثل ذلك عودة جديدة للناموس التاريخي القديم الذي تحكم في الحياة الثقافية بالمغرب العربى ، وان تصبح هذه البلاد من جديد (معملا لتحليل
النص) وليس (مهدا لابداعه) ذلك ان مفاجأة الحداثة التى دمرت من تجارب . تجربة الشابى نفسه ، فى الوقت الذى كانت تدخل منطقة الفعل والتأثير ، أدت الى استيراد (النص) واحتذائه والعيش عليه بدلا من ابداعه والرحيل به، عدا بعض أصوات واعدة مبشرة . وفي هذه الحالة ، يتحتم توجيه أنظار الشباب الى حقيقة تجربة الشابى وتمثل مقوماتها التى جعلت (النص الشعرى الشابى) يرحل الى الشرق ، وللمرة الاولى فى تاريخ الحياة الثقافية بالمغرب العربى ، يستقبل هذا الابداع ، دون ان يقول احد هذه بضاعتنا ردت الينا ، ودخل هذا المد كتيار جارف هادر فى صميم التجربة الشعرية العربية المعاصرة بما فى ذلك الاتجاهات الجديدة التى حطمت الشكل القديم . فليس بين روادها الكبار من نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وادونيس وصلاح عبد الصبور واحمد عبد المعطى حجازى ، وغيرهم كثير لم يدخل صوت الشابى كعنصر هام فى تكوينهم الشعرى حتى ولئن استكبر البعض عن التصريح بذلك ، ففي شعرهم الحديث شواهد على هذا التأثر بالدخول فى حوار معه او تجاوزه . ولئن ثارت على الشابى وتجاوزته كمذهب ، الا انها لم تثر عليه ، كروح شعري نادر فى تاريخ الشعر العربى كله .
وحين يدرك الشباب أبعاد هذه التجربة فى هذا الاطار التاريخى الشامل فلن يجدوا غضاضة فى الاعتراف بان الشعر العربي الحديث فى المغرب العربى كله قد خرج من (جبة) الشابى ، كما لم يجد الكتاب الروس غضاضة في الاعتراف بان القصة الروسية الحديثة كلها قد خرجت من (معطف) جوحول .
وسواء أراد هؤلاء أم لم يريدوا وسواء نسب هذه الحكم الذي اطلقناه بخصوص شاعريته الى العلم بحججه ومبرراته ، أو الى الحماس بفورته واندفاعاته ، فان الشابى هو أعظم روح شعري سكن بلاد المغرب منذ سكنته اللغة العربية وعلامة مضيئة مرشدة فى طريقه الى دخول حضارة الشعر .
وفى كل الآداب الانسانية شخصيات مؤسسة ، تمثل جيلها ، وتصور عبقرية عصرها فتغدو بابداعها ، مدرسية أدبية ، ومفخرة وطنية ، تعلو في وزنها وتقديرها ، على مستوى الخصومات التافهة او الصراع بين الاجيال وما ينبغى ان ينطبق على الشابى لو ان بعض القوم يعقلون .

