أتتبع هذه الايام سلسلة من المقالات تنشرها جريدة ( العالم ) ( Le Monde ) الفرنسية بعنوان ( صمت المفكرين اليساريين ) ، يكتبها يوميا ، منذ أكثر من شهر ، كبار المفكرين بفرنسا .
ويرجع بي التفكير الى أصحاب الرأى والفكر فى تونس لامر شخصى بحت ، فى الواقع بسيط جدا ، هو ان بعضهم كان السبب فى أن حملت معي إلى هنا رواية ( عائشة ) للبشير بن سلامة ، اذ قررت أن أطالعها وأتبين مدعاة همسات المفكرين عندنا وغمزاتهم وكلماتهم حول هذه الرواية . وهم فى الحقيقة لا ينطبق عليهم عنوان مقالات جريدة ( العالم ) الفرنسية لانهم ليسوا صامتين ولكنهم يتهامسون ويتغامزون وينفثون بعض الكلمات فى السياسة أو الادب ثم يؤوبون الى احاديثهم اليومية عن غلاء المعيشة أو مشاق ( المرمة ) ومعاناة تقاعس العمال فى انهاء بناء ( الفيلا ) ...
وخزني حديثهم السلبى عن (عائشة ) وبعث فى فضول مطالعتها لمحاولة الاطلاع على حقيقة الامر فى شأنها .
وفي واقع الامر لم استمع الى نقد منظم تدعمه الادلة ويقوية البرهان ، وانام شاهدت بعض الحركات اليدوية او التجعدات على الوجه المصحوبة ببعض العبارات المقضية الدالة على عدم الرضى أو على السخط ، فى غير ما تصريح واضح عن الرأى أو تعبير شاف عن الحكم . وكان هذا عندى ، من ظرف مفكرين ينتسب بعضهم الى الجامعة وبعضهم الى التعليم الثانوى وبعضهم الى الثقافة ، مدعاة الى الاستغراب وحافزا على استكشاف الامور واستقصاء الحقيقة .
ثم بلغني خبر ندوة أقيمت بنادى أبى القاسم الشابى ( بالوردية ) حول الرواية ، فأسفت لعدم علمي بها قبل أوانها ، خاصة أنه يبدو أن النقاش فيها
كان قيما ، تناول الموضوع بالعلاج المنظم والبحث الرصين ، بمحضر المؤلف ومشاركته . وقد قابلت عرضا رضوان الكونى ، أحد المقدمين للعروض التحليلية ووعدنى بأن يرسل الى نسخة من عرضه ولم تصلنى حتى الآن .
فما هو فحوى ما يعبر عنه أصحابنا المثقفون من مثالب الرواية بحركاتهم واشاراتهم وكلماتهم ؟
أن أهم ما انحصر فى ذهنى من ذلك هو تكاثر حالات الاباحة ومواقف الفجور أو الشبق حسب تعبير يميل اليه الكاتب . ثم انهم لا يرون سبب تأليف الكاتب لهذه الرواية والهدف الذى سعى اليه من وراء ذلك ، خاصة أن هذا التأليف لا يدخل ، فى ظنهم ، اطارا ادبيا معينا اذ لا يدخلونه فى اطار الرواية ، بحكم انه لا يخضع الى قوانينها ولا يحترم شروطها التى هى اجمالا كالتالى :
1 - قصة تتعقد شيئا فشيئا حتى تصل الى قمة ثم تنزل تدريجيا ، مع توافر الحلول ، نحو الحل النهائى فى خاتمة الرواية .
2 - بطل وأشخاص ، تشابك مشاكلهم وتتعقد بتعقد الرواية ثم تنحل بحلولها .
3 - مكان وزمان أو أمكنة وأزمنة تدور فيها حوادث الرواية .
4 - وسط أو أوساط اجتماعية تحتضن حوادث الرواية . . .
ولقد طالعت الرواية فى شىء من التأني والتثبت ، رغم ما كان ينتابنى أحيانا من ميل الى الاسراع ولهفة فى استكشاف تتابع الاحداث وتطلع لمصير الاشخاص . واذا بها رواية ينطلق موضوعها من قرية وينتقل الى العاصمة ثم بعود الى القرية حيث ينتهى ، وينتهى معه مصير معظم الاشخاص ، ويتم ذلك فى أربع مراحل هى :
1 - من القرية الى العاصمة :
( الطاهر ) شاب يعيش فى قرية بالساحل ويسمع بنعيم العيش ورغده فى تونس ( العاصمة ) . يهرب من القرية ويتجه الى تونس . بعد عناء السفر
ومتاعب الطريق يصل اليها فينزل عند ابن عمه ( الشيخ حسن ) بمدرسة زيتونية ) . ينتسب هو بدوره الى جامع الزيتونة حيث يزاول الدراسة طيلة ثلاث سنوات ، غادر أثناءها ( المدرسة ) وسكن غرفة حقيرة بوكالة .
2 - فى القصر :
يلتحق به أبوه ( أبي محمد ) ويدخله الى قصر أحد معارفه ، ( الفريك مصطفى ) بباردو ، وهو من كبار القوم المقربين لدى الباى . يعيش ( الطاهر ) سنوات في ذلك القصر ، مشرفا على ضيعات . يطلع على حياة الخلاعة هناك حيث يعاشر ( عادل ) ابن ( الفريك ) . تتغير حياته تماما وتستهويه حياة الترف والتمتع بملاذها فينغمس فيها . ولكنه فى نفس الوقت يطالع الكتب ويتناقش مع ( عادل ) . يتزوج ( بزبيدة ) احدى جوارى القصر وينجب منها ( عائشة ) . ثم تنجب ( زبيدة ) ( الناصر ) من ( عادل ) وينسب الى ( الطاهر ) .
3 - فى حي نهج الباشا :
يمل الطاهر حياة القصر ويتبرم بها فيغادره وأسرته وينزلون فى حي نهج الباشا بشقة صغيرة . يتدخل ( الفريك ) ليمكنه من وظيفة بادارة المالية . ينجب أطفالا آخرين ويتعرف على ( سكلية ) أرملة جميلة لها ثلاثة أبناء ، أكبرهم ( سالم ) يموت ( الفريك ) ويدخل ( عادل ) السجن وتسوء حالة القصر وتنتهى فيه الحياة . يشب الناصر على حياة الفساد واللهو والعربدة ويؤول به الامر الى السجن . وتكبر عائشة كالسجينة بدار نهج الباشا .
4 - العودة الى القرية :
يقرر ( الطاهر ) الزواج من (سكلية ) فيرتحل بها وأولادها الى قريته حيث يتم الزواج ، وتلتحق به أسرته فيعيش الجميع فى القرية . ويلتحق بهم ( الناصر ) بعد خروجه من السجن .
يقع تبادل الهوى واللذة بين ( سالم ) و ( عائشة ) من ناحية وبين ( الناصر ) و ( سكيلة ) من ناحية اخرى . يزوج ( الطاهر ) ابنته ( عائشة ) من ( خالد ) ، الوكيل بالجيش الفرنسى . ولكنها قد فقدت بكارتها مع ( سالم ) يفتضح الامر عند زفافها فيطلقها ( خالد ) . ويتزوجها بعد مدة ( المكنز ) شيخ أرمل فى
السبعين من عمره . تتعاطى ( عائشة ) الهوى واللذة مع ( الازهر ) " ابن اخى ( المكنز ) ثم تنتهى حياتها بمرض السل . تدفنها الاسرة بجبانه القرية وتتقبل العزاء .
ولننظر الآن فيما قد يبدو تشتتا للموضوع وتعددا للاشخاص ذوى القيمة المتساوية .
لا ريب أن تشتت الموضوع في الظاهر قد يفضى الى تشتت انتباه القارئ العادى وعدم تمكنه من الالمام به الماما يجعله يدرك بسهول له نظرة المؤلف الشاملة للأشياء ويلم بالاهداف التى يسعى اليها . وقد يتبين هذا القارئ لاول وهلة مواضع كثيرة لا موضوعا واحدا تحوم حوله أغراض أخرى مختلفة . وهذه المواضيع تكاد تكون فى مستوى واحد ، لا يتميز عنها أحدها فيطفو عليها ويشد اليه انتباه القارىء شدا ويستقطبه من الاول الى الآخر . ولعل المؤلف نفسه قد أراد ذلك ، وهو القائل فى " المدخل : . . أشخاص وتحركون في الحياة والموت ، فى السفر والاقامة . . . لذلك أردت تسجيل لقطات من عبورهم لهذه الدنيا . . . ) (1)
اذن تكاد تكون لكل شخص من الاشخاص قصة خاصة تجعله يختص فى حد ذاته بموضوع رواية . فيبدو أن ( لعلى ) قصة . ولكن هذا الشخص ظهر فى البداية ثم اختفي نهائيا ، غير انه سيظهر حتما من جديد اذ هو أحد أقطاب رباعية ( العابرون ) . و( أبي محمد ) له قصة ، تنتهى بموته موتة طبيعية . وابن العم ( الشيخ حسن ) الطالب الزيتونى ، له قصته ، غير أنا لم ندر عنه الا النزر القليل اذ اختفي واندثر بعيد ظهوره . ( والفريك مصطفى ) وزوجته لهما بالطبع قصة ، غير ان الحظ لم يسعف ( الفريك ) لدى المؤلف فلم يعره الاهتمام الكبير بالرغم من أنه احدى الحلقات الكبرى فى هذه السلسلة ، وأما زوجته فيقيت طيفا عابرا ، لا كبير ذكر له . وتعبر كذلك حليمة ودوجة وربح وعلجية وفاطمة بنت سكيلة والعجائز ، كلهن فى الحقيقة يلعبن من حين لاخر دورا له بعض الاهمية . وأما الآخرون ، فباستثناء الطاهر وعائشة ، فانهم يتساوون تقريبا فى استقطاب اهتمام القارئ .
ولعل الكاتب أرادهم كذلك ، يتجاذبون أطراف الرواية ويؤلفون بنيتها العامة وهيكلها الاساسي . فكذا الامر بالنسبة ( لعادل ) و ( زبيدة ) و ( سكيلة )
و ( الناصر ) و ( سالم ) و ( خالد ) .كل واحد من هؤلاء له مدار حياته وموضوعه الخاص . وربما هذا ما حدا ببعضهم الى الايمان بأن ( عائشة ) لا تنطبق عليها تسمية رواية اذ ليس لها موضوع هام واحد تسير عليه من الاول الى الآخر ، وبطل كبير واحد تدور حوله الاحداث وينطفئ ازاءه بريق بقية الاشخاص .
ولعلنا إذا حاولنا أن نتعمق الامر وان نعطي الاشياء حقها من العناية والمتابعة ، اتضحت لنا الحقيقة وتبينا موضوع الرواية العام مفروزا من بقية المواضيع الهامشية ، وبدا لنا البطل الاساسى مبرزا عن بقية الاشخاص العابرة المتهافتة من حواليه .
ولنبدأ بهذا الأخير . فهو في نظري لا يمكن أن يكون سوى ( الطاهر ) إذ عليه. تنبنى كل الرواية ، وحوله تطوف كل الأشخاص ، ومن أجله تتعقد الأمور ، ولأوامره وحركاته وسلوكه تنصاع كل الأحداث . أن مراحل حياته المتباينة المتتابعة هي ذاتها مراحل للرواية، وأن قمة حياته عندما قرر أن يغادر القصر. و ينقل أسرته إلى نظام من الحياة جديد هي عقدة الرواية القصوى وقمتها العليا. تنحدر أثرها شيئا فشيئا إلى الحل النهائي . وإنما البقية ربى تتفاوت ارتفاعا. ولا يبلغ علوها القمة أبدا. وكان ( الطاهر ) جديرا بأن تسمى الرواية به. عوض أن يكون ذلك لابنته عائشة. فهو يغطى الرواية كلها، من أولها إلى آخرها، ولا يخلو منه فصل من فصولها أو مرحلة من مراحلها، بينما تظهر. عائشة في مرحلة متأخرة نسبيا منها ثم تختفي ولكن والدها يبقى حيا، يتقبل. العزاء، ويدفن ابنته في حياة القرية. وإذا أردنا أن نحدد موضوع الرواية فإننا نجده مبسوطا بوضوح في بدايتها، منذ الصفحة الأولى حيث يقول الكاتب عن. ( على ) وهو شخص هام من أشخاص الرباعية، يرجع إلى قريته بعد غياب. طويل فيلاحظ ما حدث فيها، وبذلك تبدأ أحداث الرواية ( لقد عرف أن. اللذة والألم هما اللذان أسرا كل من عرفهم حوله في صغره وشبابه. وقل أن وحد للعقل مكانا كبيرا عندهم. فكم هبت رياح الألم ورياح اللذة على مركب الحياة المهتز فوق لجج العواطف المتأججة ، ولم يجد شراعا واحدا قادرا على الاستحكام وكبح الجماح بالعقل وسلطانه ( 2 )
وانما حول هذا الموضوع الاساسي تدور كل الاغراض الاخرى ، والرواية زاخرة بها . أليس الفلسوف النمساوى ( فرويد ) ( Sigmund Freud )
هو الذي قال ان الالم هو اقصى درجات اللذة ؟ وكل أشخاص الرواية ( يتحركون في اللذة والالم ) . فالشهوة المحرقة أو الشبق حسب تعبير يهواه الكاتب ، هى المحرك الاساسي ، وهي السبب الاصلى للشقاء والسعادة فى هذه الحياة الصاخبة التى يحياها أبطال الرواية ، يسعون اليها دوما ويتفانون فيها ويرحلون عن الحياة من أجلها .
قال لى صديق يدرس فى التعليم الثانوى ، مشيرا الى وصف تلذذ ( ربح ) و( عادل ) بعملية غسل ساقيه من طرف ( علجية ) أحيانا و ( ربح ) أحيانا اخرى ( حسب الحالات النفسية التى يمر بها )( 3 ) : ( لا ، ليس هذا موجودا البتة في مجتمعنا التونسي ) وطفق يقرأ النص ، فى شئ من الخفر المفتعل ، يخونه تلذذ واضح كفانى دليلا على ايمانه الباطن بعكس ما يدعيه . هذا موجود لا فى المجتمع التونسى فقط بل فى كل المجتمعات البشرية . هي سليقة الانسان لا يختص بها شعب دون آخر ، وانما تكون خفية مكتومة عند بعضهم وشائعة متفشية عند آخرين . ويكفينا ما يروى عما يجرى فى بعض البيوتات من تفنن وتنوع فى اللذائذ الجنسية الآن لنعتبر عادية جدا ( غيبات عادل الشهوانية وطقوسه الجنسية ) ولنتصور فى يسر ما كان يجرى فى قصور البايات وأتباعهم من قبيل هذه الاعمال ٠٠
وكثيرا ما رجعت بى الذاكرة ، وأنا أطالع ( عائشة ) الى رواية ( غستاف فلوبير ) ( Gustave Faubert ) ، ( السيدة بوفارى ) ( Madame Bovary ) فهذا الفناء فى الشهوة والاقبال بنهم ولهفة على اللذة من قبل المرأة ، أجاد وصفه ، فى ابانه ، الكاتب التونسي مثلما أبدع فى ذلك الفرنسى . ولذا تبدو لنا نساء البشير بن سلامة فى هذه الرواية ، وعلى الخصوص ( دوجة ) و( سكيلة ) و ( عائشة ) قريبات جدا من ( ايما ) ( Emma ) ، بطلة ( فلوبير ) ( Flaubert )
ولا أحب أن أتمادى فى هذه المقارنة لان لى بعض العلم بأن صديقى الاستاذ منجى الشملى ، الاخصائى فى الادب المقارن ، يفكر في اعداد دراسة عن ( عائشة ) . .
فماهو الغرض من هذه الاوصاف الجنسية ، وهذا التفصيل الدقيق لما يعترى خاصة المرأة من نزوات أثناء تعاطي الشهوة ، تخرجها تماما من المعقول وتدخل بها فى عالم الذهول وفقدان الذات ؟ أليس هذا ما حدث لسكيلة عند ما وقفت ساهمة لا تدرى ما تفعل حتى عاجلها ( الناصر ) بضمة وقبلة لم تقو على مدافعتها . فتهاوت على الارض وانساقت فى بحر من الشهوة لم تعرفه منذ زمان حتى أصابها شىء من الغشيان وهي حالة لا تعرفها الا مرة بعد لاى عندما تتملك بها اللذة الى حد الفناء فيها . وذعر ( الناصر ) من حال المرأة ونظر الى يديه المجرمتين ظانا انه أخذ أنفاسها أثناء طغيان اللذة ، وحركها بشدة ففتحت عينيها وضمته الى صدرها فى ارتخاء مجنون ( 4 ) . والامثلة من هذا القبيل كثيرة فى الرواية ، ولعلها أحيانا أفصح وأدق .
الرواية قبل شئ عمل فنى . وانما الفن الحق حرية مطلقة ، لا حدود لها . ولذا يمكن أن نفترض أن هدف الكاتب فى ذلك هدف فنى بحت . ولكن فى الحقيقة ليس ذلك فقط ، إذ نحن ازاء دراسات نفسية وتحليلات عاطفية لاشخاص يتحركون فى أوساط معينة ، يهتم بها الكاتب فيعالجها من نواح مختلفة ، ترد ضمنها الناحية الجنسية . فهو يقوم بتشريح الاشخاص تشريحا كاملا ولا ينبغى ان يترك شريحة لا يلقي عليها الضوء الكافي حتى لا تكون نتائج تحليلاته منقوصة أو غير صادقة تمام الصدق . انها الثقة العلمية في التحليل وانها الثقة الفنية فى التصوير . وليس من المستكره بتاتا أن يأتي ذلك فى أسلوب أنيق ، فيه شىء كثير من الاقتصاد ، لكن لا يمكن أن لا تتأثر بجماله وتتفاعل مع دقة وصفه الا نفس غير حساسة .
غير أن وراء كل هذا تندس أغراض كثيرة اخرى : سياسية واجتماعية وأدبية وحتى اقتصادية . . . ولكنها تعالج بخفة وفي غير الحاح . ملاحظات تبدو طفيفة عابرة ولكنها تلم فى ومضات سريعة بمراحل طويلة من تاريخ هذه البلاد . فمثلا نعلم من البداية ان تونس تخضع للحماية الفرنسية ، وأن مدير المدرسة ( الرومى ) بالقرية يفعل ما يشاء ، وان المتفقد الفرنسي عندما يأتى الى المدرسة فليس ليتفقد المعلم وانما ليوبخ التلاميذ ويقول لهم : " . . . لا تعرفون الا (الهبهبة ) فى الكتاب ومحو الالواح فى الاوساخ ، وشم بعضكم لفساء بعض فوق الحصر المليئة بالبراغيث . أنتم لا تعترفون بالجميل وتتنكرون
لرسالة فرنسا التمدنية . وانكم ستطردون . « (5 ) ، و أن عبث البايات واتباعهم في القصور أرادته الحماية الفرنسية لتلهى القوم عن السياسية وتستأثر بخيرات البلاد وباستبعاد أهلها . والى كل هذا رمز الكاتب بصورة حية تتجمع فيها كل ما قاساه الشعب التونسى من مر العذاب ، و كان أشده العذاب الروحي . قال في شأن » الطاهر « : » وبلغت به الذلة أنه وقف ذات مرة بباب البحر ينظر الى الرخاء عند الاوربيين واذا به يحس ببلل على سافه ، فالتفت فوجد كلبا لامرأة أوربية يتبول عليه فنهره على نبرات ضحكات المرأة الساخرة . . .« ( 6 )
وهكذا نجد من حين لآخر ، وسط غمرات اللذة والالم ، لقطات خفيفة تذكرنا بحالة البلاد وبما تقاسيه من الحماية الفرنسية ومن الذين تسلطهم عليها . فكثيرا ما نجد ذلك فى كلام » عادل « أثناء صحواته القليلة النادرة وانتفاضاته الواعية ، أو فى كلام » الطاهر « ومواقفه فى طوره الاول ، من ذلك مثلا قوله في نظام الحكم عموما : » كل جهاز وكل هيكل ، قبيلة كان أو عشيرة أو عائلة مالكة ، أو تنظيما جماهيريا أعمى ، يستهين بالفرد من أجل » خير « جماعة ولا يعرف ما يحسه ويقاسيه أفرادها انما هو مصدر العبودية . عندما يسير الفرد في الطريق ويدخل دكانا ، أو مقهى ، ويعمل فى مهنته ، ويأوى الى داره وهو يدفن فى نفسه ألم فقره ، أو بؤسه المعنوى أو المرض الذى يأكله ، أو كابوس عائلته ومهنته ومن حوله ، أو حياءه من نفسه وتهويماتها ، أو خجله من سيئاته ، أو اعتزازه بنبل عواطفه وأتواقه وأشواقه ولا يجد الفرصة لتجسيمها أمام اخوانه لتلافيها أو الاشعاع بها فان العبودية ما زالت ساكنة بالمجتمع مهما صلح المستوى المادى وارتفعت درجة المدنية « ( 7 )
ولعل اهتمام الكاتب اتجه أكثر الى وصف المجتمع التونسي آنذاك ، وخاصة في العاصمة ، فى الحي الذي أنزل فيه قصدا أسرة الطاهر بعد خروجها من القصر ، حي نهج الباشا الذي كان قلب المدينة فى ذلك الوقت . واذا بنا ازاء وصف للعادات والتقاليد ، فى الشارع وكذلك فى البيت ينم عن اطلاع بديع عليها والمام كبير بضئيل جزئياتها واتقان تام دقيق اللغة فى التعبير عنها . كل
ذلك يرد عن طريق عائشة ، وملجؤها النافذة تسرح نظرها فيما يحدث بالشارع ، » واذا بالصور الحية تتوالى ، معيدة الى ذاكرتنا تلك المناظر التى كنا نعيشها يوميا . فمن منا لا يذكر فعلا » حلاوة خروب « المصرى » بقامته الطويلة ، وجثته العظيمة التى زادها عظما ما يحمله على بطنه من ابريق ضخم مجلب بالنحاس ومحفوف بالكؤوس « .(8) ومن منا لا يطرق سمعه صوت بائع » أم الفلافل « ولا تعود اليه صورته . . كل هذه الحياة اليومية فى شوارع العاصمة وفي بيوتها ، وكذلك فى القرية ومخابئها ، وصفها الكاتب بأسلوب فيه شئ كثير من الضبط والدقة والحركية ، مما يجعل الصورة تتراءى الى القارىء فى غاية الكمال والوضوح .
فليس لنا فى هذه الرواية ، بالرغم مما ادعاه الكاتب ، » لقطات من عبور أشخاص لهذه الدنيا « فقط ، وانما لنا عالم بأكمله يزخر بالاحداث ويتقد حياة ، يتلذذ ويتألم . . . وتلك هي سنة الحياة .
ولئن كان الذين هدوني الى قراءة » عائشة « قد فعلوا ذلك عن غير قصد ومن خلال » بعض الظن « ، فأنا لا محالة مدين لهم بذلك ، فشكرا لهم .

