الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8 الرجوع إلى "الفكر"

* لماذا نحيى أبا حيان وإمتاعه

Share

نظم نادى البحوث والدراسات التابع لمعهد ابن شرف يوم 4 جانفى 1977 ندوة حول ابى حيان التوحيدى قال فيها الاستاذ عبد العزيز الهانى :

" فى هذا اليوم الذى تلتئم فيه حول ابى حيان التوحيدى المغمور فى زمانه - شأن الكثير من ابناء الحضارة العربية الاسلامية ماضيا وحاضرا - ندوة فكرية ، قد يتساءل المرء عن سر احيائه بعد مرور حوالى قرون عشرة على وفاته ، وعن الفائدة من احياء من غبته عصره وأهمله معاصروه فى القرن الرابع الهجرى حتى قال احدهم وهو ياقوت الحموى " لم يذكره احد فى كتاب ولا ادمجه فى خطاب اليس من الاجدى ان نهتم بالاحياء عوض ان ننبش التراب عن الاقدمين لا سيما إذا كان ممن ترفعوا عن الخلود فاحرق كتبه آخر حياته ؟ .

الا تكفى معرفته معرفة بسيطة على نحو ما جاءت فى كتب التاريخ وتراجم الاعلام فنقول هو اديب عربى بارز فى النثر الفنى عاش فى عصر البويهيين فترة غامضة الحدود ، فلا نعرف على وجه التحديد زمن ميلاده ومكانه وتاريخ وفاته ؟ الا يكفى ان نردد مثل القدامى ان ميلاده كان بين 310 ه و 314 ه فى مكان يتراوح بين نيسابور وشيراز وبغداد ، وانه اتصل بخاصة زمانه فدون فى بعضهم " مثالب " متحاملا، واهدى لمن اعجب بهم رسائل " فى الصداقة والصديق " والامتاع والمؤانسة متقربا ؟ وانه اتصل بالخاصة كالمهلبى وابن العميد وابن عباد وابن سعدان وابى الوفاء المهندس ، كما كانت له بالمتصوفين والمتكلمين والفلاسفة والشعراء والظرفاء اخبار ونوادر تجد اصداءها فيما وصلنا من آثاره ؟ .

ثم لماذا نحيى ذكر أديب بكاء شكاء مذراف للدموع خاب اجتماعيا فظل عزب سرمديا وآله التكسب بالدين والادب والاخلاق فانتصب ذابا عنها غير هابئ بشتم التافهين الانتهازيين مهاجما كل مفسد مهما علا المقام ؟

بل لماذا ندرج فى برنامح التعليم الرسمى شخصية متشائم ليدرسه فتيان وفتات ما أحوجهم لغذاء روحى مفعم طموحا واندفاعا وتوقا بعيدا عن التقوقع والانطوائية ؟ .

ثم ما هى اسرار انتخاب كتاب " الامتاع والمؤانسة " محور ندوة ؟ الا يكفى ان نعرف ظروف تأليفه وهى الحاح صديق التوحيدى - أبى الوفاء المهندس احد مشاهير الفلسفة فى عصره وذى الايادى البيضاء عليه - فى تدوين المسامرات التى دارت فى مجلس الوزير ابن سعدان ، هذا الوزير البويهى ( لعهد صمصام الدولة من سنة 373-375 ه ) صاحب المجلس العلمى والادبى المشهور فى القرن الرابع لولوعة بالشعر والشعراء والعلم والعلماء مما جعله يسأل ابا حيان ليالى متتابعة عن قضايا كلامية وفلسفية وتاريخية وشعرية وعلمية .. شغلت باله وحيرت فكره ؟ الا يكفينا معرفة اهم نتائج هذه المسامرات وهو كتاب الامتاع والمؤانسة ام ان هذا الكتاب يمثل قدرة الرجل الادبية واحوال العصر السياسية والثقافية والدينية والاجتماعية ، وظروف الادب والادباء المادية والمعنوية تمثيلا بواه مرتبة التفرد والامتياز للحكم لابى حيان او عليه ؟

هل هناك اسرار اخرى جعلتنا- بل جعلت هذه النخبة من تلاميذ الاقسام النهائية تنكب على الكاتب والكتاب دراسة وتحليلا واستنتاجا واستقراء وجعلت الباحثين والمدرسين مختلفين فى قيمته فجعلت ابراهيم بن مراد بعد اهم قيمة للامتاع فى الناحية الوثائقية ، بينما اعتبر على دب غاية الامتاع ساسية ( فكان سياسيا فى تأليفه كما كان سياسيا فى القائه واحتوى على اطراف شتى من مختلف ثقافات العصر ومعارفه وفلسفاته فأفاد المثقفين فى كل العصور وان لم يفد السياسيين فى عصره فائدة تذكر ) ؟ .

لا ارانى فى حاجة الى الاجابة عن هذه المسائل فأقوم مقام هذه النخبة من اعضاء نادى الكتاب الذين درسوا الكاتب والكتاب موضحين قيمته الذاتية والوثائقية والأدبية ، محاولين بطريقة غير مباشرة الاجابة عن تلك القضايا .

فلا ترك لهم الكلمة تقديرا لما بذلوا من جهد فى البحث والاستقراء ، راسمين مدخلا لحوار حول قيمة ابى حيان التوحيدى وآثاره الادبية فى تاريخ الادب والفكر العربيين  .

فاليهم الكلمة واليهم شكرنا سلفا . وبعد ان ألقى نخبة من الاساتذة والتلاميذ دارساتهم قال الاستاذ عبد العزيز الهانى :

لعلكم استنتجتم معى بعد الاستماع لهذه العروض الاربع ان نادى الكتاب كان على صواب عندما اتخذ من ابى حيان وامتاعه موضوع ندوة ، لاسباب ثلاثة على الاقل :

1) للعلاقة الوثيقة بين الكتاب وصاحبه الذى مثل المثقف الواعى المدرك لفساد الواقع فى عصره التائق لاصلاحه فكريا ودينيا واخلاقيا وسياسيا وادبيا ، وفق منظورى دينى سلفى.

2 ) لان ماساة التوحيدى واغترابه وشكواه هى نتيجة احساسه العميق بتدلى الاوضاع وانخرامها فكانت تجربته انسانية بمحتواها وابعادها جعلته يشكو من العصر والناس ويبكى لتأزم الدين والاخلاق ويهاجم كل منافق حقير.

3 ) لانه يشكل حلقة من حلقات النثر الفنى فى تاريخ الادب العربى فطوره واثراه وأعطى للجملة تنغيما وثيق الارتباط بأحواله الباطنية وايقاعا دون ان تلميذا نجيبا مقلدا الجاحظ أمام النثر العربى .

اشترك في نشرتنا البريدية