. يحفل ادبنا العربي بشعراء افذاذ بهروا العقول ، وملأوا الأسماع ، وتسنموا قمة المجد ، ومنهم ذلكم الشاعر الذي عرف بابن العشرين أو الشاب القتيل او الشاعر الفتى .
ولقد كان في حياة طرفة بن العبد ( القصيرة وفي شعره القليل موئل لاقلام الكتاب والأدباء والمؤرخين حيث بزغ نجمه ، وذاع صيته ، وأصبح اسمه في فم الدهر مثلا حبا على النبوغ والعبقرية ، وأهله شعره لأن يبرز ويصبح فى عداد اساطين الشعر ونوابغ الشعراء وفحول القريض ، وامتد ذكره قديما وحديثا ، لما يمتاز به شعره من بليغ القول ، وضرب المثل واسداء الحكمة
* ولد في البحرين في بيت رفيع ، ينتمي الى قبيلة بكر بن وائل التى يقول فيها :
سائلوا عنا الذي يعرفنا بقوانا يوم تحلاق اللمم
وترفعنا من ابني وائل هامة العز وخرطوم الكرم
من بني بكر اذا ما نسبوا وبني تغلب ضرابي البهم
ولقد حرم منذ صغره من اب يعطف عليه ، ويسهر على رعايته ويهتم بتنشئته فكفله أعماله ولم يكترثوا بتربيته او يهتموا بأمره وتوجيهه ، فصار يهوى الدعة ويميل الى اللهو . . وكان شابا فصيحا جريئا ، على جانب كبير من الاعتزاز بالنفس والثقة بها ٠٠
وكان رجلا كريما متلافا يهوى معاقرة الخمر ومغازلة النساء ، وميالا الى اطلاق النفس في وقت الرخاء على سجيتها . اما إذا كان وقت الشدة فانه من أول الملبيين
للداعي ، فهو يرى انه صاحب المكانة الأولى إذا ما دعا الداعي ، وهتف المنادي ويورد ذلك في كثير من شعره ، ومن ذلك قوله :
اذا القوم قالوا : من فتى ؟ خلت انني عنيت فلم أكسل ولم اتبلد
ولست بحلال التلاع مخافة ولكن متى يسترفد القوم ارفد
فان تبغني في حلقة القوم تلقني وان تلتمسني في الحوانيت تصطد
وكذا قوله :
انا الرجل الضرب الذي تعرفونه خشاش كراس الحية المتوقد
وفي وصيته لابنة أخيه معبد يقول :
فان مت فانعيني بما انا أهله وشقي علي ، الجيب يا ابنة معبد
ولا تجعليني كامرىء ليس همه كهمي ولا يغني غنائي ومشهدي
بطئ عن الجلى سريع الى الخنا ذلول بأطماع الرجال ملهد
ولكن نفى عني الرجال جراءتي عليهم واقدامي وصدقي ومحتدى
وله في الحياة نظرات وآراء تختلف عن آراء غيره من الشعراء ، كما أن شعره يمتلىء بالفوائد التاريخية الجمة والحكم البليغة المفيدة ذات القيمة والتأثير في حياة الانسان . . يخرجها في اطار بعيد كقوله :
عن المرء لا تسال وسل عن قرينه وكل قريضن بالمقارن يقتدى
وقوله :
إذا كنت في حاجة مرسلا فأرسل حكيما ولا توصه
وان ناصح منك يوما دنا فلا تنا عنه ولا تقصه
وان باب امر عليك التوى فشاور لبيبا ولا تعصه
وذو الحق لا تنتقص حقه فان القطيعة في نقصه
ولا تذكر الدهر في مجلس حديثا اذا أنت لم تحصه
ونص الحديث الى أهله فان الأمانة في نصه
ولا تحرصن فرب امرئ حريص مضاع على حرصه
وكم من فتي ساقط عقله وقد يعجب الناس من عقله
وقوله :
وان لسان المرء ما لم تكن له حصاة على عوراته لدليل
وقوله :
الخير خير وان طال الزمان به والشر اخبث ما أوعيت من زاد
لهذه الامور العديدة صارت حياة طرفة ابن العبد مجالا لأقلام الكتاب والسنة الخطباء والحكماء ومن ذلك قوله في معلقته وهو كثير الا اني سأورد ما يكفي للاستدلال اذ يقول في حكمة وعبرة وادراك :
أرى قبر نحام بخيل بما له كقبر غوي في البطالة مفسد
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي عقيلة مال الفاحش المتشدد
أرى العيش كنزا ناقصا كل ليلة وما تنقص الأيام والدهر ينفد
لعمرك ان الموت ما أخطا الفتى لكا لطول المرخي وثنياه باليد
الى ان يقول وما اعظم ما يقول :
وظلم ذوي القربى اشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند
ولو لم يقل في الحكم الا بيته المشهور لكفى ذلك شاهدا . ولقد روى ان النبي صلى الله عليه وسلم انشده وهو قوله :
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا وياتيك بالاخبار من لم تزود
ولقد فضله القدامى على غيره من الشعراء لطويلته هذه أى المعلقة
ونورد بعض ما قالوه في ذلك . قال ابن قتيبة : انه اشعر الناس طويلة . وقال لبيد العامري : انه احد ثلاثة جعلهم لبيد اشعر العرب وهم : الملك الضليل : أي امرؤ القيس ، والغلام القتيل ، يعني به طرفة والشيخ أبو عقيل ، ويعني به نفسه .
وقال ابن رشيق : ) انه افضل الناس واحدة عند العلماء ، ويقول عمرو بن العلاء وهو من اكبر علماء الفقه ان طرفة اشعرهم واحدة يعنى أشعرهم معلقة . وذهب البعض الى اكثر من ذلك وابعد من هذا فاعتبروه أشعر الناس . وهذه الاقوال والآراء في نظري موضع للخلاف الا انها تدل على مكانة هذا الشاعر وسموها كما أنها شهادات ذات قيمة ووزن من رجال افذاذ لهم في دنيا الشعر والنقد واللغة علو المنزلة ورسوخ المكانة الحديث موصول
الرياض

