الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "المنهل"

لمحات، عن حياة، الشاعر، طرفة، ابن العبد

Share

_٢_ بقلم الاستاذ :

ومما يروى عن حدة ذكائه وسرعة بديهته وما فطر عليه من السخرية والتهكم بكل ما حوله فى صغره وحتى ولو كان من الاقربين ان خاله جريرا الملقب بالمتلمس كان مرة ينتشد فى مجلس لجماعة من العرب شعرا فى وصف جمل وطرفة يلعب مع الصبيان حولهم ويصغى الى ما ينشده خاله فلما وصل المتلمس الى قوله :

وقد اتناسي الهم عند احتضاره

                       نباج عليه الصيعرية مكرم

والناجى هو الجمل والصيعرية سمة فى عنق انثى الابل فلما سمع طرفة البيت صاح يقول ( استنوق الجمل ). فصار قوله مثلا فى التخليط فى الكلام ولما سمعه أخوه دعاه ثم قال له أخرج لسانك فلما أخرجه رآه أسود ، فقال المتلمس ( ويل لهذا من هذا ) ويشير الى لسانه ورأسه ولقد صدقت فراسة خاله ان صح ما روى فى قصة مقتله .

ولقد وفد على عمرو بن هند ملك الحيرة مع خاله المتلمس وكان منتجعا للشعراء

يقصدونه وينشدون اشعارهم بين يديه ولقد اعجب به عمرو بن هند واتخذه وخاله نديمين له . وكان لطرفة صهر يقال له عمرو بن بشر فى حاشية عمرو بن هند وكانت اخت طرفة قد شكت اليه سوء معاملة زوجها لها فهجاه طرفة واتفق ان عمرو بن هند قد خرج الى الصيد وبصحبته عمرو بن بشر ، وبينما هم يلاحقون الصيد اذ طرحوا حمارا وحشيا فامر عمرو بن هند صهر طرفة ان يذبحه فنزل ولم يستطع ذبحه وكان عظيم الجسم كثير الشحم فضحك عمرو بن هند وقال كأن طرفة راك حين قال :

ولا خير فيه غير ان له غنى

               وان له كشحا اذا قام اهضما

وهو بيت من القصيدة التى هجاه بها فغضب لذلك صهره فقال وما هجاك به اقذع من هذا قال وما هو ؟ قال قوله :

فليت لنا مكان الملك عمرو

            رغوثا حول قبتنا تدور . . . الخ

فقال عمرو بن هند ما اصدقك عليه وان كان قد بدأ يحمل فى صدره حقدا

على طرفة وخاله بعد ما شبب باخته اذ قال فيها :

بأبى الظبى الذى تبرق شفتاه ولولا الملك الجالس الثمني فاه .

ومن ذلك فقد أخذ عمرو بن هند فى الحقد على طرفة ولكنه لم يظهر الغضب بل كتمه فى نفسه خوفا من ان تدرك الرحم عمرو بن بشر فينذر طرفة وكذا وكذا خوفا من هجاء خاله المتلمس ان هو قتله علنا فتجتمع عليه بكر بن وائل قبيلة طرفة وتؤلب القبائل ضده فيكون ذلك سببا فى ازالة ملكه وضياعه وبالتالى قتله والقضاء عليه :

قصة قتله :

مكث عمرو بن هند يتحين الفرص التى ينتقم فيها من طرفة وخاله لهجائهما اياه وكان المتلمس قد هجا عمرو بن هند قبل وفادته عليه من زمن فكان الملك يتناسى هجاه له ليبعد عنه الشك والريبة ثم يبطش به على غرة فقربهما منه وصار يناديهما ويؤانسهما حتى اطمأنا اليه اطمئنانا ازال الخوف عنهما وابعد شبحه فلما لمس الملك ذلك استدعاهما وقال : لعلكما اشتقتما الى أهلكما ؟ فقالا : نعم . فكتب الملك لكل منهما كتابا الى عامله فى البحرين وامرهما بالذهاب اليه واخذ الجوائز منه فاخذ كل منهما كتابه اليه وذهبا فى طريقهما الى البحرين ولما بلغا النجف من ارض العراق احس المتلمس في نفسه شكا من هذه الصحيفة ومن تقريب عمرو لهما فقال لطرفة : انى لاشك فى هاتين الصحيفتين وانه لامر مريب ان يرتاح لنا عمرو بن هند كل هذا الارتياح وانى لن انطلق بصحيفة لا اعلم ما فيها فرد عليه طرفة بقوله انك لسئ الظن ان كان فى الصحيفة ما وعدنا به

والا رجعنا فلم نترك له شيئا ويريد طرفة بقوله هذا هجاء عمرو بن هند ان كذبهما . فلم يوافقه المتلمس وعدل حيث رأى غلاما من اهل الحيرة فطلب ان يقرأ الصحيفة فلما قرأها الغلام صاح بقوله :

(( ثكلت المتلمس امه )) . فأخذ الصحيفة ورمى بها فى الماء فصارت صحيفة المتلمس مثلا يضرب ثم قال لطرفة (( تعلمن والله ان الذى فى كتابك مثل الذى فى كتابى فقال طرفة ان يكن قد اجترا عليك ما كان بالذى يجترىء على . . .

فتركه المتلمس ونجا بنفسه فى الشام . أما طرفة فقد واصل سفره الى البحرين فلما وصل الى عامل البحرين وكان من اقربائه قدم له الكتاب فقال له بعد ان قرأه : ( أتعلم ما أمرت به فيك ) فقال طرفة نعم : أمرت ان تجيزنى وتحسن على فقال له : ان بيني وبينك لخؤولة انت لها راع فاهرب الليلة من البحرين فانى أمرت بقتلك واخرج قبل ان يأتى الصباح ويعلم الناس بقدومك . فساء ظن طرفة وظنه بخلا بالمال فقال له هل عظمت جائزتى عليك فاردت ان اهرب واجعل لعمرو بن هند على سبيلا ولا ذنب على ؟! واقسم من لا يبرح مكانه حتى يعطيه جائزته فأمر بحبسه ثم كتب الى عمرو بن هند يعفيه من منصبه ويطلب اليه ان يرسل عاملا بدله . . لانه لا يريد قتل احد قرابته .

فأرسل عمرو بن هند عاملا ليخلفه من بني تغلب وقد اجتمعت بكر بن وائل وهمت بقتله لتحريض طرفة اياهم بشعره الذي يلقيه وهو فى السجن ويلومهم على خذلانهم اياه وعنه قوله :

اسلمني قومي ولم يغضبوا                        لسوءة حلت بهم فادحة

وقال يخاطب عمرو بن هند :

أبا منذر كانت غرورا صحيفتى ولم اعطكم بالطوع مالى ولا عرض أبا منذر افنيت فاستبق بعضنا حنانيك بعض الشر اهون من بعض فاقسمت عند النصب اني لهالك بمتلفة ليست بغبط ولا خفض

وانتدب العامل الجديد رجلا لقتله وقتل قريبه العامل السابق . ويروى ان الذي كتب في صحيفة المتلمس هكذا (( باسمك اللهم من عمرو بن هند الى المكعبر اذا اتاك كتابى هذا مع المتلمس

فاقطع يديه ورجليه وافنه حيا )) . وكان الذى فى صحيفة طرفة شبه ما فى صحيفة خاله ولقد احزن مفتل طرفة اخته فرثته بأبيات بليغة تؤرخ بها حياته وتبكى عليه وتندبه . . منها :

عددنا له ستا وعشرين حجة فلما توفاها استوى سيدا ضخما فجعنا به لما انتظرنا ايابه على خير حال لا وليدا ولا قحما

وهكذا انتهت حياة شاعر فحل على اسوا ما تكون الميتة وكان ذلك نتيجة غروره وافراطه فى الثقة بنفسه . .

الحديث موصول الرياض

اشترك في نشرتنا البريدية