دراسة وتحليل :
لقد اهتم كثير من مؤرخى الادب ونقاده بحياة هذا الشاعر النابغة وذلك لما حفلت به حياته على قصرها من نوائب وأحداث ، ولما امتلأ به شعره من روائع الحكم وبدائع القول مما يدل على ما وهب من ذكاء مفرط واستعداد أصيل ، رغم ما قاساه من مرارة العيش ، والحياة القاسية ، وما سلكه من مسالك متعددة صعبة حيث أمضى صباه يئن تحت وطأة الضياع والتشرد وعدم الاكتراث ولم ينعم بحياة كريمة وهو ما تجلى فى شعره وتبدى فى قوله حيث راح يكشف فى عفويته تفاصيل اطوار حياته ويميط اللثام عنها
فالحياة بأحداثها ومرارتها قد منحته مزيدا من التجارب حيث امتلأت نفسه بالمعرفة ونطق بالحكمة . وفى معلقته جسد الكثير من طرائق حياة العرب وأنماط معيشتهم وألوان سرورهم وملاهيهم وما كانوا عليه من بذل وكرم ونخوة وبأس وشجاعة . والواقع ان شعره صورة قوية لشخصيته ، اذ صور حياته وسخط عشيرته
عليه وزرايتهم به وبقاءه هائما فى الفلوات والتجوال بين مضارب القبائل وهو أمر له تأثيره وفاعليته . . يقول فى ذلك :
سادرا أحسب غيى رشدا
فتناهيت وقد صابت بقر
واصطبغ شعره بتصوير ما يحيط به من مشاهد وتأثر بما يجرى حوله من أحداث وعادات .
والشعر كما يقال مرآة الشعور وصورة الوجدان ، يعبر عن صاحبه ، ويوضح خفايا نفسه . ولقد جاء شعره يهز النفوس ويجعل قائله ومنشده يمتلىء احساسا واعجابا ، فلقد امتاز بصدق الاحساس ودقة الوصف وجمال التصوير وقوة الوقع . ولقد بلغت معلقته مبلغا رفيعا وحازت اعجابا واستحسانا ، وجاء نظمه لها بأسلوب مؤثر ، ولفظ ، وبيان محكم ، كما أن شعره متين النسج قوى التركيب . ولعل تجويده وابداعه فى الوصف والحكمة هما اللذان جعلا من شعره نشيد الافواه . ولا غرو إذا جاء شعره بهذه القوة والجزالة فهو ابن بيئة انبتت عمالقة الشعر وابن موطن
شعراؤه افذاذ يعتبرون فى الذروة . ويشير الاستاذ مصطفى السقا فى معرض حديث له الى شعراء ربيعة فيقول :
ان الشعراء الربعيين من بكريين وتغلبين وشيبانيين وعبديين ) نسبة الى عبد القيس ( كالاخنس بن شهاب وسعد بن مالك وعمرو بن كلثوم وطرفة بن العبد والمتلمس وغيرهم ، هؤلاء هم المدرسة الاولى الذين وضعوا تقاليد الشعر العربى ، من حيث طول القصيدة واشتمالها على عدة أغراض ، ومن حيث المقدمة الغزلية والسبق الى أشرف المعانى ، وعنهم أخذ بقية شعراء الجزيرة العربية هذه الابتداعات الفنية : وحاكوها فيها منافسة ومغالبة حتى برعوا فيها وخاصة شعراء الحجاز وما قرب منه من ارض نجد ( .
ولقد اثبت ابن رشيق فى كتاب ) العمدة ( ان الشعر كان فى الجاهلية فى ربيعة حتى تحول إلى قيس وغيرهما . وأثبت صاحب ) الاغانى ( فى تراجمه للشعراء أن سائلا سأل حسان بن ثابت رضى الله عنه : من أشعر الناس ؟ فقال : الناس الزرق من بني قيس بن ثعلبة ومنهم طرفة والمرقشان وغيرهما .
من هنا يتجلى لنا أن البيئة التى عاش فيها طرفة كانت موطنا وموئلا لكثير من الشعراء ، فعمه الملقب بالمرقش الاصغر ، من فحول الشعراء . وخاله المتلمس من افذاذ الشعراء ، وغيرهم كثير ممن كانت تحفل بهم تلك البيئة فقد كانت قبائل بكر تنزل الخليج العربى ، فاجتمع لها مزايا متعددة من حضارة وتقدم لقربها واحتكاكها ببلاد الهند وفارس وغيرهما .
لقد اتى طرفة فى شعره على جميع الاغراض الشعرية من حكم وهجاء ووصف
وغزل ، وكان طبعيا ، ان يتغزل فى شعره كسائر الشعراء ، ولقد برع فى ذلك .
ولقد كان الغزل والهجاء من اسباب نكبته ، فان تشبيبه بأخت عمرو بن هند الى جانب هجائه له هما ، مما سبب اضطهاده وبلواه وزيادة النقمة والسخط عليه . ولقد كان عمرو بن هند قاسيا فى انتقامه ، ولم يجعل السجن كافيا له ، بل أمر بقتله بطريقة بشعة وعنيفة اذ أمر عامله ) امعانا فى ايذائه والنكاية به ( أن يقطع يديه ورجليه وان يدفنه حيا .
ولقد حاول طرفة فى سجنه ان يستدر عطفه وحنانه عليه فكان يرسل اشعارا حزينة وموجعة ويشير فيها الى من حرض عليه ، بدون جدوى
ولقد حاول من قبل أن يلطف الجو بينه وبين عمرو بن هند فقد اعتذر اليه بقصيدة : -
اني وجدك ما هجوتك والــــــ
أنصاب يصفح بينهن دم . . .
ولقد هممت بذاك اذ حبست
وأمر دون عبيده الوذم
أخشى عقابك ان قدرت ولم
أعذر فيؤثر بيننا الكلم
حقا ان متأمل شعر طرفة سيجد بين ثناياه شعرا قويا رصينا ، ولعله أراد لشعره ان يكون كذلك ويدل على هذا قوله : -
وان أحسن بيت انت قائله
بيت يقال اذا أنشدته صدقا
وهكذا تحقق ما أراد فقد أصبح شعره فى ذروة من الجودة والاصالة وصار من الشواهد والمثل الحية قديما وحديثا .
( الرياض )

