الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "المنهل"

لمحاث عن القبائل البائدة، في الجزيرة العربية

Share

القيت هذه المحاضرة القيمة فى ماء يوم الأحد ٢٩ من كل القعدة سنة ١٣٨٨ الموافق ١٦ فبراير سنة ١٩٦٩ ضمن محاضرات الموسم الثقافى الثانى لجمعية   لتاريخ والاثار وذلك فى قاعة المحاضرات العامه بالمكتبة المركزية بجامعة الرياض

موضوع شائك ومتعب

ايها السادة  اننى اشكر الدكتور صبحي علي عبارات الثناء العاطر التى قدمنى بها اليكم . ولا اعتقد انني قدمت شيئا ذا قيمة استحق علية كل هذا المديح وليس هذا تواضعا ولكنني اعتقد ان شيئا مما ذكره ما كان يمكن ان يحصل لولا مساعدة الجامعة لي أولا بعد الله ولولا أيضا مساعدة زملائى فى قسم التاريخ وفي طليعتهم الدكتور صبحي أنور رشيد نفسه كسكرتير للجمعية والأستاذ رئيس القسم والدكتور محمد سعيد الشعفي وبقية الزملاء في القسم فنحن كتلة واحدة نتعاون في سبيل هدف واحد

وكما قال الدكتور صبحي فإن بموضوع القبائل البائدة موضوع شائك ومتعب  وفي هذا المجال اشكر طلابى طلاب السنة الاولى الذين أوحوا إلى بفكرة هذه المحاضرة اثناء اشرافى عليهم فى ابحاثهم عن هذه القبائل : ولذلك تساءلت لماذا لا اقول شيئا عن هذه القبائل وبدأت في البحث فى

تاريخ هذه القبائل مع بدئهم في الابحاث . ومع ذلك فأنا أعتقد انهم قد يصلون الى نتائج افضل من التى توصلت اليها وذلك لما لدى من مشاغل فى الجامعة أنتم بها أعلم ولذا فما سأقوله الليلة يمكن ان نطلق عليه  لمحات .

وقد حاولت جهدى أن اقرأ كثيرا حول ذا الموضوع وكلما ازددت قراءة ازددت حيرة . وهذه الحيرة ناشئة من أن القبائل بائدة قد بعد بالكتاب العرب العهد بها فمن باب أولى أن نجد نحن الذين قد بعد عهدنا لهم آلاف السنين نجد أيضا حيرة كبيرة لكن هذا لا يمنعنا من أن نحاول ونحاول خاصة ان لدينا الآن وسيلة علمية يمكن أن تساعدنا مساعدة كبيرة على دراسة الجزيرة العربية وتاريخها ، هذه الوسيلة هى علم الآثار

مزايا دراسة تاريخ القبائل البائدة

اننا بدراسة تاريخ القبائل البائدة انما ندرس تاريخ فترة من تاريخ قبائل وسكان شبه الجزيرة العربية ولذا يجب أن لا نصد عن دراسة هذه القبائل البائدة . وتسميتها البائدة انما هى من وضع كتاب العرب ولا ان شيئا يبيد ما دام قد ترك اثرا له . آثار هى وسيلتنا الى التوصل الى معلومات معارف كبيرة عمن سبقونا وعما سبقنا من حضارات .

والقبائل التى سنتكلم عنها الليلة هي أربع : عاد - ثمود - طسم - جديس . تعودنا دائما قبل ان نبدأ البحث فى أى نوع يجب ان نذكر مصادرنا عن هذا تنوع ومن هذه المصادر :

١ - التوراة ٢ - الكتب الكلاسيكية ٣ - القرآن الكريم . ٤ - حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ٥ - الشعر العربى ٦ - كتب النسابة والمؤرخين العرب ٧ - علم الآثار

- التوراة : التوراة كما تعلمون هي مجموعة القصص ومجموعة الحكم ومجموعة تاريخ العبرانيين واليهود بشكل عام والتوراة اهتمت بالقبائل والاماكن العربية ذات العلاقة الاقتصادية في بعض الاحيان وذات العلاقة السياسية فى أحوال آخر . ولذلك نجدها عندما تتحدث عنها على أساس انها قبائل كانت لها علاقة بالعبرانيين وانها قبائل متبدية فى المكان الاول الا ما اتصل بقصة سليمان وملكة سبأ فلها شأن آخر . والتوراة ذكرت عددا من القبائل العربية ومن هذه القبائل : طسم واسمها لتوشيم وان قبيلة طسم هى احدى LETUSHIM بطون قبيلة ديدان الموجودة في العلا . أما بقية القبائل التى سنتحدث عنها فلا ذكر لها فى التوراة

٢ - الكتب الكلاسيكية : ونعني بها الكتب اليونانية والرومانية التى كتبت عن الجزيرة العربية وقد تكلمت عن ثلاث قبائل : قبيلة عاد وذكرتها باسم OADITAE وقبيلة ثمود ذكرتها باسم THAMUDEN وغير هذا الشكل من الاشكال وقبيلة جديس ذكرتها باسم JODISTAE كل هذه القبائل جاءت عرضا فى كتب الكلاسيكيين اذ سمع عنها الكتاب وسجلوها من جملة ما سجلوه من معلومات عن الجزيرة العربية .

٣ - القرآن الكريم : القرآن الكريم عندما تحدث عن بعض القبائل وخاصة عادا ، وثمود تحدث عنها لا ليؤرخ لها وانما تحدث عنها ليعطي الناس عبرة وعظة . ماذا أغدق الله عليهم من نعم ؟ كيف عصوا رسل الله وكيف كانت عاقبة عصيانهم وتكذيبهم لما جاء به انبياؤهم ! وأما طسم وجديس فلم يأت لهما ذكر في القرآن . ولذلك نجد بالنسبة لهما صعوبة فى تحديد تاريخهما اكبر من قدرتنا على تحديد تاريخ عاد وثمود .

٤ - حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : وحديث الرسول ( ص ) عن القبائل يجب ان نتقبله بحذر . لا حذرا من حديث الرسول ولكن حذرا ممن نقل حديث الرسول فبعض الاحاديث التى تحدثت عن عاد وثمود هي احاديث يشك في بعض الرواة الذين نقلوها وخاصة ان هؤلاء الرواة كانوا من الاخباريين . وسترون من هم هؤلاء الاخباريون .

٥ - الشعر العربي : الشعر العربي في الجاهلية وصدر الاسلام حفظ لنا اسماء هذه القبائل وحفظ لنا حوادث هي أشبه بالاسطورة منها بالحقيقة الواقعة ذلك لاننا قد نجد شاعرين كل منهما يحكى قصة عن طسم أو جديس وعندما نحاول تتبع تسلسل الحوادث في شعرهما نجدهما يختلفان أحيانا بعض الاختلاف وأحيانا كل الاختلاف ولكننا مع ذلك لا نستطيع الا ان نعتبر الشعر العربي مصدرا مهما من تاريخ شبه الجزيرة العربية .

٦ - كتب النسابة والمؤرخين العرب حديثنا عن كتب النسابة والمؤرخين العرب يجرنا إلى القول : ان هؤلاء الكتاب انما بدأوا كتاباتهم لأنساب العرب وللقبائل

العربية فيما قبل الاسلام فى النصف الثاني من القرن الثاني الهجرى ولذلك دخلت عوامل كثيرة فى كتابتهم لأنساب العرب سنتعرض لها

٧ - علم الآثار : علم الآثار عامل مهم جدا من عوامل الكشف العلمي الدقيق لتاريخ الجزيرة العربية فبفضله عرفنا الكثير عن قبيلة ثمود فى الكتابات الاشورية وبفضله عرفنا ايضا الكثير عن قبيلة عاد وغيرها من من القبائل التى لعبت دورا فى تاريخ الجزيرة الحضاري ولانشك في أننا عن طريقه ايضا سنعرف الكثير عن طسم وجديس في المستقبل القريب ان شاء الله .

بعد هذا الاستعراض لبعض المصادر التى تحدثت عن القبائل وصلة بعضها ببعض يمكن ان يكون أول سؤال يخطر ببال المستمع الى هذه المحاضرة هو اين تسكن هذه القبائل ؟ ثم ما هو نسبها ؟ ومتى عاشت ؟ ولذا دعونا نسير فى اجابتنا على هذه التساؤلات بالحديث عن كل قبيلة على حدة قدر الامكان :

عاد    الكتب العربية تحدثت عنها على اساس انها سكنت حضرموت وتثبت ذلك بكلمة الاحقاف وأن الحقف هو الرمل ولكن الحقف يمكن أن يوجد في اكثر من مكان في الجزيرة العربية ولم يحدد القاموس العربى وجود الرمل فقط فى جنوب الجزيرة كصفة من صفاته اكثر من كونه صفة لبقية انحاء الجزيرة بل يمكن أن نقول ان الجزيرة العربية كلها رمال . كما نلاحظ فى معظم الاحيان ان قبيلة عاد تلصق دائما بأرم (ارم ذات العماد ). وارم ذات العماد يبدو أنها مدينة من المدن القديمة التى عاش فيها

العاديون . وقد حاول بعض الجغرافيين العرب تحديد منطقة عاد ارم وجعلها شمالي شرقي الحجاز ولو قمنا بمسح للأودية الموجودة فى شمال الحجاز لوجدنا ان أحد هذه الأودية يسمى وادى رم كما أثبتت الحفريات الاثرية وجود مكان يسمى ارم في منطقة جنوب الاردن ويمكننا أن نقول ان قبيلة محماد كانت تموج فى المنطقة الممتدة من منطقة حسمى فى سيناء حتى منطقة اجا وسلمي في منطقة قبيلة شمر . وكل هذا ينفى الى حد كبير سكنى قوم عاد جنوب الجزيرة كما ذكر الكتاب العرب

ولا نستطيع أن نحدد تاريخا دقيقا لقبيلة عاد ولكن تكرار ذكرها في القرآن مقترنة بثمود ، وثمود من القبائل التى هى اوضح تاريخا من قبيلة عاد يجعلنا نستنتج ( وهذا مجرد استنتاج أو فرض قد يثبت للحقيقة التاريخية العلمية مستقبلا وقد لا يثبت ) ان قبيلة عاد يمكن أن نضعها في الألف الثاني قبل الميلاد ، لماذا لان قبيلة ثمود ذكرت فى الكتابات الاشورية على انها من جملة القبائل التى كانت تعيش وتموج في شمال الجزيرة العربية منذ القرن التاسع قبل الميلاد . ولا نستبعد ان تكون قبيلة عاد قد عصرت ثمود ولكنها كانت ( اى عاد ) أسبق لما الى هذه المنطقة وكانت قد انتهت روف التى تحدث عنها القرآن . والذي بلنا نعتقد ايضا أن قبيلة عاد كانت شمال الجزيرة هو النبي هود نبي قوم فهذا النبي اختلف النسابة في نسبه يختلف من اين اتى وكيف كانت نهايته دفن وهذا مما شجع بعض المؤرخين قد صلة لغوية بين هود والتهود وان قد يكون أحد الانبياء الذين كانوا في

منطقة فلسطين وشمال الحجاز وانه ارسل الى قوم عاد ودعاهم الى عبادة الله الواحد الاحد . كل هذه القرائن مجتمعة تجعلنا نعتقد أن عادا كانت في شمال الجزيرة ولم تكن فى جنوبها .

ثمود :

كما قلنا آنفا جاء ذكر ثمود في الكتابات الاشورية وأيضا ورد ذكرها في الكتب الكلاسيكية ثم بعدئذ جاء ذكرها فى القرآن الكريم . والكتابات الاشورية تضع قبيلة ثمود شمال الجزيرة حالما تضعها الكتب الكلاسيكية على طول الساحل الشمالي الشرقي للبحر الاحمر . أما القرآن فيضعها فى منطقة الحجر وهذه المنطقة لا تخرج عن تحديد الكتابات الاشورية أو الكتب الكلاسيكية اذن فهى تسكن فى منطقة الحجاز أو بتحديد ادق شمالي الحجاز . وثمود تركت آثارا واضحة هى الكتابات التى وجدت أول ما وجدت في المنطقة المعروفة بمدائن صالح حديثا والحجر قديما . واطلق على هذا النوع من الكتابات وهي الكتابات المتطورة من الخط المسند في جنوب الجزيرة - الكتابات الثمودية . وحديثتنا عن الكتابات يجرنا إلى الحديث حديثا موجزا عن الفرق بين الخط المسند وغيره من الخطوط

خطوط الجزيرة العربية :

الخطوط التى استعملت في الجزيرة العربية بشكل واسع تنقسم الى نوعين : الخط الآرامي والخط المسند . فالخط الآرامي هو الخط الذي استعمل في شمال

الجزيرة منذ حوالى القرن الثالث قبل الميلاد والذي انحدر من الآراميين فاستعمل الانباط واستعماله التدمريون . اذ استعمل منذ القرن السادس قبل الميلاد بشكل واسع في منطقة الشرق الادنى وأصبح هو خط كثير من بلاطات الدول في الشرق . وكما قلنا اختار النبطيون الخط الآرامي وكتبوا به . ومن هذا الخط النبطي تطور الخط الذي نكتب به حتى يومنا هذا وهو الخط العربي اذن فالكتابة التى نكتب بها اليوم هي كتابة متطورة من الخط النبطي . أما الخط الذي كان يكتب به في جنوب الجزيرة فهو الخط المسند . وهناك آراء كثيرة حول كيفية وصول هذا الخط أو نشوئه فى جنوب الجزيرة . وعلى كل فقد وجد هذا الخط واستطاع اللغويون المحدثون ومعظمهم من الغربيين وبضعة منهم من العرب أن يفسروا هذه الكتابات وان يستفيدوا منها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا . ومن الخط المسند في شمال الجزيرة نجد الخط الديدانى واللحياني والثمودى والصفوى ويمكن ان نطلق على النوع الذى يسمى بالخط الثمودى خط البادية لأنه من النوع الذي يسمى مخربشات وليس من الكتابات المنمقة التى وجدت بكثرة فى كتابات السبئيين والمعينين والحضارمة والقتبانيين والحميريين وبعض كتابات الديدانيين واللحيانيين فى منطقة العلا ومدائن صالح . ولذا فالخطوط الثمودية تعتبر في رأيي خط البادية أكثر منه خط المدن والمناطق المتحضرة . وهذا يقودنا إلى القول : ان قبيلة ثمود لم تكن مملكة بالمفهوم الحضاري ولم تتوطن بشكل دائم منطقة من المناطق الا ان

اعتبرنا ما يقوله بعض المؤرخين من ان النبطيين واللحيانيين اصولهم ثمودية وعندئذ يمكن أن نقول أن هذه الممالك هي ممالك ثمودية باعتبار اصولها وان كانت قد اتخذت اسما جديدا وهكذا أطلق العلماء على بعض المخربشات الموجودة في منطقة العلا ومدائن صالح والمنتشرة فى معظم انحاء الجزيرة اسم خط ثمودى ولكن الذى اعتقده انه انما هو خط البادية .

ماذا أقصد بخط البادية ؟ أقصد أن هذه القبائل المتموجة في الجزيرة العربية كانت تذهب الى مواطن سبا ومعين وقتبان وحضرموت وكانت تذهب الى ديدان والحجر وترى هذه الخطوط الجميلة ثم تحاول تقليدها عندما تعود الى مضاربها وهذا ما كنا نشاهده منذ زمن ليس بالقصير . يأتي أحد ابناء البادية ومعه ابنه الى الحاضرة فيترك ابنه فى أحد الكتاتيب لمدة اسبوع أو اسبوعين ريثما يبيع ما لديه ويشترى ما يريد ثم يأخذ ابنه معه الى البادية وقد علقت بذهنه صور بعض الحروف أو بعض الكلمات ثم يطلب الأب من ابنه كتابة رسالة الى عمه فى مكان آخر أو الى التاجر الذي اشترى منه بعض السلع وهكذا يحاول الابن تقليد ما علق بذهنه من حروف وكلمات فالكتابات الثمودية في اعتقادى هى من هذا النوع : نوع كتابات البادية . ولذا لا نجد فيها معلومات تاريخية قيمة انما هي عبارة عن فلان بن فلان نزل في هذا المكان أو فلان ابن فلان اشترى جملا من فلان كتابات لا يمكن ان تعطى حقائق تاريخية واضحة ذات حوادث أو ذات طابع حضاري ( سوى ما تستفيده من فوائد لغوية ) كما نجد فى

كتابات جنوب الجزيرة أو فى كتابات العلا مدائن صالح فى عصر دولتي ديدان ولحيان لدى الانباط والتدمريين الذين كتبوا خط الآرامي .

قلت سابقا ان قيلة تمود لم تكن مملكة -١ يصعب علينا أن نحدد لها تاريخا وان نحدد متى بدأت ومتى انتهت وانما يمكننا القول : ان قبيلة ثمود انتهت بانتهاء ، الشمال اذا اعتبرنا هذه الدول منتسبة منحدرة من قبيلة ثمود كما يمكننا أن نقول انها بدأت تبرز على المسرح السياسي اقتصادى منذ حوالي القرن التاسع قبل الميلاد

م وجديس :

قلما : ان طسما ذكرت في التوراة وتحدد ب العربية منازلها فى منطقة اليمامة ث ان التوراة ذكرت أن قبيلة طسم هى من قبيلة ديدان الموجودة في العلا فى ذلك أن بداية استقرار قبيلة طسم كانت فى منطقة العلا ثم انتقلت بعد ذلك الى منطقة اليمامة . وهذا القول لا يبدو غريبا يمكن تصوره . . فنحن نعرف أن احدى اسواق التجارية تبدا من جنوب الجزيرة من أو قنا فمدن الحجاز : مكة - المدينة - الى ان تصل الى العلا ثم تتجه الى الشمال . أما الطريق الثاني فيبدأ من الجنوب أيضا مارا بالحافة الغربية للربع الخالى متجها الى اليمامة ثم ينحدر باتجاه الشمال الغربى الى منطقة العلا ومدائن فبلاد الشام اوالي مصر . اذن فمن المعتقد إن نزوح طسم الى منطقة اليمامة انما عامل اقتصادى فى المكان الاول وذلك

على اساس ان جزءا من قبيلة ديدان وهي التى كانت تشارك في الحركة الاقتصادية بين جنوب الجزيرة وشمالها نزح الى منطقة اليمامة ليحافظ على استقرار الامن في الطريق التجارى من جنوب الجزيرة الى شمالها عبر اليمامة . وبنزوح طسم يبدو أن قبيلة جديس نزحت أيضا وعلى هذا الاساس يمكن أن نجد صلة النسب قائمة بين هاتين القبيلتين . وتذكر الكتب العربية قصصا مطولة عما حصل بين طسم وجديس فاستعانت قبيلة طسم بحسان تبع من جنوب الجزيرة وانه لبى نداءها وقضى على قبيلة جديس ومن ثم قضى ( بضم القاف ) على القبيلتين معا . ومثل هذه القصص نشك فيها كل الشك ففي هذه الفترة التى كان فيها التبابعة كانت دولة كندة هي المسيطرة على منطقة اليمامة . وهكذا يمكن أن نقول ان قبيلتى طسم وجديس كانتا معاصرتين لدولة ديدان وربما انتهت بنهايتها اى اننا يمكن ان نورخ لهما ما بين القرن السادس والخامس قبل الميلاد ولا نشك في أن الكشف الأثرى سوف يؤكد أو يعدل أو يأتي بتاريخ لا يبعد كثيرا عن هذا التاريخ

متى بدا العرب في العناية بالانساب ؟

بعدئذ قد يخطر ببالنا سؤال هو : متى بدأ العرب فى العناية بالانساب وخاصة ان لهذه القبائل صلة بالانساب العربية ؟ بدأ العرب بالانساب منذ العصر الجاهلى ولكن انتسابهم كان بسيطا . . يكفي الشاعر أو المتحدث أن ينسب نفسه الى قبيلة كبيرة . ولم يكن يعنى عناية كبيرة بأن ينسب نفسه فى سلسلة نسب طويلة جدا الا عندما يجد

نفسه فى حاجة ماسة الى ذلك ، كان يرتحل من مكان لآخر وينزل على قبيلة اخرى فيضطر لذلك الى أن ينسب نفسه فى سلسلة نسب الى جد أعلى هو رأس القبيلة . وفي رأيي ورأى كثير من المؤرخين ان عامل النسب يذوب بعامل الحضارة فكلما تحضرت الامة العربية وزادت في الاخذ بأسباب الحضارة نجد اهتمامها بالانساب يقل ولذا فالانساب هي بطاقة الشخصية التى يتعرف بها العربى على أخيه العربى فى الصحبة و فإذا توافرت وسائل اثبات الشخصية فى المجتمع المتحضر اصبح فى غير حاجة ماسة الى الانتساب ، الا في حالة اجتماعية معينة كالزواج والدية وما اشبه ذلك من الظروف الاجتماعية التى قد تلجئه في هذه الاحوال الى الانتساب الى قبيلة معينة . أما فيما سوى ذلك فلا تدعو الحاجة إلى الانتساب فى الاماكن او المجتمعات المتحضرة . لذلك نجد الشخص فى كتابات جنوب الجزيرة والذى ينقش نقشا ممتازا لا يهتم بأكثر من ذكر أبيه . ونفس الشئ نجده في الكتابات الآرامية النبطية فقد لا يصل الى اكثر من ذكر الجد الاول في حين نجد في الكتابات الصفوية والثمودية عناية بذكر اكثر من جد واحد وهذا يدل دلالة واضحة على أن المناطق المتحضرة لا تعنى بالانساب كثيرا

اهتمام الاسلام في صدره بالانساب

بعدئذ جاء الاسلام واحتاج الاسلام في بادىء امره الى نوع من التنظيم الاجتماعي فاهتم لظروف قبلية تساعد على نشر الاسلام بالأنساب والعناية بالتعرف على القبائل فاستعان الرسول صلى الله عليه وسلم

بشخصيات معينة فى التعرف على القبائل وفي مقدمتهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يطوف على القبائل فى مواسم الحج ليعرض دعوته ويسأل أبا بكر عن هذه القبيلة وعن نسب هذه الشخصية أو تلك فيقوم أبو بكر بتنسيب هذه الجماعات ولكننا نلاحظ ان الرسول صلى الله عليه وسلم لم يؤثر عنه على ما نعلم انه استعان بشخصيات من جنوب الجزيرة على التعرف على القبائل . لديه الأوس والخزرج في المدينة مثلا فلم يعرف انه طلب منهم مساعدته على عمل كهذا بل نجد حسان بن ثابت لما أراد هجو قريش وهى قبيلة النبى يستعين بناء على نصيحة الرسول له بابي بكر الصديق فى معرفة أنساب قريش ومركز الرسول منها وهذا يدلنا إلى حد ما على أن القبائل الجنوبية رغم انتقالها من الجنوب الى الشمال ارتفع اهتمامها بالنسب الى مستوى اهتمام قبائل الشمال به .

ولا نشك في أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما أراد وضع ديوان للعرب لتوزيع الغنائم قد استعان ببعض العارفين بأنساب القبائل لكي يضعوا له نظاما لهذه القبائل ويرتبوا له درجات هذه القبائل . وكلنا يعرف كيف وضعت هذه الدرجات آل البيت أولا ثم من شهدوا بدرا وهكذا حتى يصلوا الى الابعدين من القبائل . وبعد ذلك بفترة تزيد على القرن تنبه البعض الى قيمة الأنساب في العصر الجديد وبعد انتشار الدعوة الاسلامية وتفرق القبائل بدئ فى تأليف كتب عن الانساب وتركزت هذه المؤلفات في البداية حول قبيلة قريش وهى

قبيلة النبي صاحب الدعوة . ونجد كتابا كالاشتقاق لابن دريد وان كان متأخرا فى القرن الثالث الهجرى يهتم باشتقاق الأسماء ذات الصلة بنسب الرسول وقبيلة الرسول وهناك كتب اخرى ككتب نسب قريش لمصعب بن الزبير بن بكار ومؤرج السدوسي وغيرهم كلها تبحث فى نسب قريش وكلها كتب وضعت فى العصر العباسى وفى بدابته .

ولما جاءت الدولة الاموية الى الحكم شجعت النزعات القبلية وذلك لكى تستطيع السيطرة سيطرة تامة على القبائل ولكي تضرب بعضها ببعض ومن ثم تستطيع أن تحكم . شجعت الدولة الأموية هذه العصبية وفي تشجيعها هذا أساءت الى حد ما للقبائل الجنوبية ولذلك نجد انه بقيام الدولية العباسية وهى التى قامت على اكتاف عربية يسية وجدت القبائل فى الدعوه العباسية متنفسا جديدا لكى تستطيع أن تأخذ ما فقدته فى عصر بني أمية . وبدأ الاخباريون من جنوب الجزيرة يكتبون عن الأنساب وعن أخبار العرب قبل الاسلام وعندما بدأوا يكتبون وهم فى البصرة والكوفة لم يجدوا مصادر يعتمدون عليها الا المصادر القريبة منهم وفى مقدمة هذه المصادر التوراة وما يدور فى فلكها من تصانيف امتلأت بها مكتبات العراق اذ تكلمت التوراة عن قحطان واسماعيل وهاجر وسبأ وبعض قبائل الجنوب . ومن ثم فالشعور بالعصبية لدى اليمانين الجاهم الى نسبة معظم القبائل البائدة الى جنوب الجزيرة . ففيما نقرؤه

من نصوص فى كتب النسابة وفى مقدمتهم الهمدانى نشعر بالحزازة التى كانت بين اليمانين والمصريين كما يمكن أن نفهم الروح التى كتبت بها أنساب القبائل العربية قبل الاسلام مما جعل كتاب جنوب الجزيرة لا يكتفون بنسب أنفسهم فقط بل ينسبون غيرهم اليهم . وهناك نصوص اخرى توضح لنا كيف كان النسابون والاخباريون يكتبون أخبار ونسب العرب قبل الاسلام ، فالهمدانى يقول فى الاكليل " العرب ينسبون كل مستطرف من البناء الى سليمان بن داود عليه السلام كما ينسبون كل قديم الى عاد " هذه العبارة تعطى فكرة عن المبدأ الذي سار عليه الاخباريون والنسابة فى كتابة كثير من المعلومات عن تاريخ العرب القديم

قلنا ان العرب عندما حاولوا كتابة انساب القبائل البائدة لم يجدوا أمامهم سوى التوراة فلاحظ ان عادا من نسل ارم ، وثمود من نسل ارم وطسم بن لاود بن  سام ، وجديس من نسل ارم ، وهكذا قحطان من نسل سام بن نوح . أما من هم من نسل اسماعيل فهم أحدث نسبا من غيرهم من القبائل البائدة والعاربة فى نظر كتاب الجنوب وبالتالى أقل شأنا من قبائل جنوب الجزيرة . وفي مناسبة كهذه نذكر أحاديث الرسول التى تقرؤها ولا نركز عليها : روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم " انتسب فلما بلغ الى عدنان وقف فقال : كذب النسابون " . وقد روى ابن اسحاق عن يزيد بن رومان ان النبى صلى الله عليه وسلم قال : " استقامت نسبة الناس الى عدنان " فاذا صح هذان

الحديثان فيمكننا أن نقول ان عدنان هو القرم الاول للقبائل العربية لما بعد من سماهم الكتاب العرب بالقبائل البائدة

نبذة عن بعض كتاب الاخبار والانساب

ايها السادة : بعدئذ دعونا نتعرف على بعض كتاب الاخبار والانساب من خلال رأى بعض النقاد منهم

هشام بن محمد بن السائب الكلبي : يقول عنه ياقوت الحموى فى معجم الادباء : " كان عالما بالنسب وأخبار العرب وأيامها ووقائعها ومثالبها . . قال أحمد بن حنبل : كان صاحب سير ونسب ما ظننت أن أحدا يحدث عنه " ثم يقول عنه : " قال الدار قطني : هشام متروك وقال غيره ليس بثقة " .

أبو البختري : يقول عنه ابن النديم فى فهرسته : " هو أبو البخترى وهب بن وهب ابن كثير بن عبد الله بن زمعة بن الأسود ابن أسد بن عبد العزي بن قصى وكان فقيها اخباريا ناسبا وولاه هارون القضاء بعسكر المهدى ثم عزله وولاه مدينة الرسول بعد بكار بن عبد الله وجعل اليه حربها مع القضاء ثم عزل فقدم بغداد وتوفى بها وكان ضعيفا فى الحديث وله من الكتب : كتاب الرايات ، وكتاب طسم وجديس " ويقول عنه ياقوت في معجم الادباء : كان فقيها اخباريا نسابا لكنه متهم فى الحديث . . "

ابن اسحق : يقول عنه ابن النديم في فهرسته : " صاحب السيرة أبو عبدالله محمد بن اسحق بن يسار مطعون عليه غير مرضى الطريقة . يحكى ان امير المدينة

رقي اليه أن محمدا يغازل النساء فأمر باحضاره وكان له شعرة حسنة فرقق رأسه وضربه اسواطا ونهاه عن الجلوس فى مؤخر المسجد وكان حسن الوجه يروى عن فاطمة بنت المنذر زوجة هشام بن عروة فبلغ عروة ذلك فأنكره وقال : متى دخل اليها ؟ ومتى سمع منها ؟ ويقال كان يعمل له الاشعار ويؤتى بها ويسأل أن يدخلها فى كتابه فى السيرة فيفعل فضمن كتابه من الاشعار ما صار به فضيحة عند رواه الشعر وأخطأ فى النسب الذي أورده فى كتابه . وكان يحمل عن اليهود والنصارى ويسميهم فى كتبه أهل العلم الاول . وأصحاب الحديث يضعفونه ويتهمونه " ويقول عنه ياقوت فى معجم الادباء : " وحدث عبد الله بن ادريس قال : كنت عند مالك بن أنس فقال له رجل : ابن اسحاق يقول : اعرضوا على ، علم مالك بن أنس فانى أنا بيطاره . فقال مالك : انظروا الى دجال من الدجاجلة يقول اعرضوا على ، علم مالك . . "

مجالد بن سعيد : يقول عنه ابن النديم فى فهرسته : " مجالد بن سعيد بن عمير من همدان ويكنى أبا عمير وكان الهيثم بن عدى يروى عنه ويكثر . وكان رواية للأخبار وقد سمع الحديث وكان ضعيفا عند المحدثين . "

الشرقي بن القطامى : يقول عنه ابن النديم في فهرسته : " ويكنى ابا المثنى الكلبي واسمه الوليد بن الحصين أحد النسابين الرواة للاخبار والانساب والدواوين ومن خط اليوسفي وكان كذابا

روى عن الاصمعي انه قال : حدثني بعض الرواة قال : قلت للشرقى ما كانت العرب تقرأ فى صلاتها على موتاها قال لا أدرى فقلت له كانوا يقرأون :

ما كنت وكواكا ولا ابن أويل

                 رويدك حتى يبعث الخلق باعثه

قال : اذا به يوم الجمعة يحدث به فى المقصورة . ويقول عنه ابن الانبارى فى نزهة الألب في طبقات الادباء " . . قال ابراهيم الحرى : شرقي بن القطامى كوفى قد تكلم فيه وكان صاحب سمر . وقال زكريا بن يحيى الساجي : شرقي بن القطامى ضعيف حدث عنه شعبة حديثا واحدا وليس بقائم .

فهذه نبذة عن بعض الشخصيات التى كتبت أو شاركت فى كتابة تاريخ العرب قبل الاسلام ومعظمهم ليسوا بثقات فى نظر أهل الحديث هذا وهم يروون حديث الرسول صلى الله عليه وسلم فكيف بهم وهم ينقلون حديث امم قد بادت في نظرهم .

هل هناك دور حضاري ادته القبائل البائدة ؟

بعد كل هذا الحديث عن القبائل البائدة يمكننا أن نتساءل : هل هنك دور حضارى ادته هذه القبائل ؟ لا نشك ان هناك دور حضاريا أدته هذه القبائل ، ولكن هذا الدور الحضارى لا يمكن ان نقومه حق التقويم الا اذا اجريت تنقيبات اثرية فى الاحدكن التى يظن أن فيها آثارا لهذه الامم . يجب علينا ان نعضد دائرة الآثار بوزارة المعارف وأن نقوم بحفريات اثرية تشاركها جامعة الرياض فى ذلك فى مناطق متعددة فى الجزيرة العربية فى وسطها وفي غربها وفي شرقها وشمالها . وأنا اعتقد أن اجراء تنقيبات فى الجزيرة العربية سيفيد ويضيف كثيرا من الحقائق لا بالنسبة للجزيرة العربية فحسب ولكن بالنسبة للشرق الادنى كله . اذ ان الجزيرة العربية كانت هي مصدر الجنس السامي الذي أضاف للانسانية وللحضارة الشئ الكثير .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

( الرياض )

اشترك في نشرتنا البريدية